فهرس الكتاب

الصفحة 1139 من 1942

أن يمثل المعتنقون لقضية القوة السياسية كثرة عددية تبلغ مستوى القاعدة الجماهيرية، بحيث يصل مستوى تلك القاعدة إلى أنها تكاد تمثل موقف"الشعب"أو الأمة.

أن تمثل هذه الكثرة نماذج متعددة من جميع المستويات الاجتماعية بحيث لا يمكن تقييده بمستوى اجتماعي معين أو فئة اجتماعية، ويشمل هذا الشاهد وجود عناصر اجتماعية متميزة من كل مجالات المجتمع.

أن تحقق الكثرة العددية بعناصرها المختلفة اختراقا واضحا لمستوى السلطة القائمة4.

أن تملك هذه القوة دائما رد الفعل المناسب إذا حاول أعداؤها التأثير في قوتها أو إضعافها بحيث يتطلب رد الفعل المطلوب الإمكانيات المادية اللازمة والاستعداد للبذل والتضحية بصفة دائمة ويقظة5.

أن يؤكد حجم القوة السياسية في الواقع المفاوضات والمعاهدات الاتفاقات السرية والعلنية بين القوة السياسية وأعدائها أصحاب السلطة.

فإذا بلغ موقع من مواقع الدعوة مرحلة القوة السياسية بشواهدها المذكورة على أصحاب هذا الموقع بدء الممارسة السياسية ابتداء من طرح التصور السياسي لهم والمنطلق من واقعهم القائم ومرحلتهم العملية.

وإذا كان طرح التصور السياسي للحركة الإسلامية عند وصولها إلى مرحلة القوة السياسية... شرطا أساسيا فإن هناك شروطا أخرى تمثل في الحقيقة حماية (مهمة الطرح) من عدة أخطاء أساسية:

الخطأ الأول: طرح التصور السياسي للحركة من خلال النظريات السياسية غير الإسلامية ادعاءً للصفة العلمية للنظرية المطروحة.

الخطأ الثاني: طرح التصور السياسي للحركة من خلال تجربة إسلامية تاريخية، مثل مرحلة الدولة الإسلامية التاريخية للأمة6، فيتكلم صاحب هذا الخطأ دائما في شكل الدولة الإسلامية في الماضي بكل مصطلحاتها ونمطها الشكلي.

الخطأ الثالث: طرح التصور السياسي للحركة من خلال البرنامج الإسلامي للإصلاح والذي سيكون عندما تقوم الدولة الإسلامية.

وتصحيح الخطأ الأول هو تحديد التصور السياسي للحركة الإسلامية من خلال المنطلق السلفي...

وتحديد النظرية السياسية بالحق الشرعي والدين الخالص... وهو الرد المباشر على أصحاب الخطأ الأول.

وتحديد التصور السياسي العام للحركة الإسلامية من خلال المرحلة التي تمر بها الدعوة فعلا في كل موقع من هذه المواقع تحديدا دقيقا هو الرد على أصحاب الخطأ الثاني.

أما الخطأ الثالث... فهو الذي يتطلب مناقشة مباشرة.

فالبرنامج خطة تفصيلية موقوتة منبثقة عن تصور ومحققة في واقع، فكيف يتحدد برنامج بغير واقع؟

إن الجاهلية تريد أن تُحَمِّل التصور الإسلامي كل مشاكلها الجاهلية لذا كان لابد من تعريف للمشكلة التي يجب أن نواجهها بالتصور السياسي الإسلامي.

فالمشكلة الإسلامية هي المشكلة التي تقابل الفكر الإسلامي في طريقه إلى الواقع الإسلامي.

وأي مشكلة خارج هذا الإطار وهذا المسار هي مشكلة جاهلية لا يعالجها إلا التفجير الإسلامي للواقع وترتيبه من جديد حسب التصور الصحيح.

والاستفزاز الجاهلي للحركة الإسلامية بأنها لا تملك برنامجا سياسيا أمر لا يجب الاستجابة له.

نحن نملك التصور السياسي.

نحن نملك النظرية السياسية.

أما البرنامج السياسي... فلابد لكي يطرح أن نملك الواقع، وكل من يريد برنامجنا السياسي عليه أولا أن يعطينا الواقع ويسلم قيادته، وليكن شعارنا في الرد على أصحاب هذا الاستفزاز"أعطني واقعك أعطك برنامجي".

قيمة الممارسة السياسية (تمهيد) :

ولأجل أن نبدأ تقييم الممارسة السياسية يجب أن نقارن بين طبيعة هذه الممارسة مع أساليب الحركة الإسلامية.

وقد اتفقنا أن الأساليب الأساسية للحركة الإسلامية هي: التبليغ بالكلمة واستخدام القوة وإقامة السلطة... أما الهجرة والعزلة فهي تصرف اضطراري يتحتم عند اليأس من الاستجابة، والفرق بينهما: أن الهجرة تصرف اضطراري جماعي، والعزلة تصرف اضطراري فردي... ولا تخرج أساليب العمل عن هذا الإطار العام.

أما العلاقة بين هذه الأساليب... فيثبت فيها أن استفاضة البلاغ وإقامة الحجة والدعوة بالكلمة هي الخط الأصلي للحركة، وأن خط القوة هو في الابتداء لإنشاء فرصة الدعوة بالكلمة عندما تمنع الجاهلية هذه الفرصة... وفي الانتهاء لإقامة السلطة وإنشاء الدولة.

أما موقع الممارسة السياسية من هذا الإطار فهو:

أن الممارسة السياسية تحقق ضبط العلاقة بين أساليب الحركة ذاتها من ناحية وأساليب الحركة بالنسبة للواقع من ناحية أخرى.

فهي التي تفرض أسلوب التبليغ بالكلمة بعد تحليل الواقع وموضع الدعوة.

وهي التي تفرض أسلوب القوة عندما تُمنع الدعوة من فرصة الاتصال بالناس.

وهي التي تحلل آثار القوة في الواقع وتؤكد تلك الآثار لتحقيق غاية الحركة الأصلية، وهي إقامة دولة الدعوة والهداية.

إذًا فالممارسة السياسية ليست أسلوبا قائما بذاته... ولكنها الضابط لكل أساليب الحركة... بحيث يتحقق الهدف الأساسي للدعوة من خلال أي أسلوب.

فهناك مثلا أسلوب الدعوة وأسلوب القوة.

وهناك السياسة الضابطة للعلاقة بين هذين الأسلوبين التي تضمن بها الدعوة الاتجاه بالأسلوب المناسب نحو تحقيق الهدف النهائي.

فقد تفرض الممارسة السياسية إيقاف أسلوب استخدام القوة وقد تحتمه، وفي كلا الافتراضين يكون تحقيق الهدف هو الأمر القائم المطلوب.

هذه هي قيمة الممارسة السياسية على مستوى أساليب الحركة.

أما قيمة الممارسة السياسية على مستوى الكيانات المتعددة في الواقع الواحد... فإنها قيمة ضخمة وهي إدخال الكيانات المتعددة للدعوة ضمن إطار الحركة الواحدة... دون علاقة حركية مباشرة بين هذه الكيانات باعتبار صعوبة تلك العلاقة منهجيا وحركيا، بل إن فرض التصور السياسي الصحيح للحركة هو الذي سيعطي لكل كيان بمنهجه الذي يتبناه مساحته الصحيحة في الواقع الحركي، ويصبح ضبط هذه المساحة وتلك العلاقة بالزيادة أو التحجيم مرتبط بهذا التصور وتلك الممارسة.

أو بمعنى آخر طرح التصور السياسي للحركة الإسلامية الذي يرى فيه كل كيان منهجيته التي يتصورها وحركته التي يمارسها، بحيث ينشأ الموقف الواحد لجميع كيانات الحركة بصورة سياسية صحيحة.

وكذلك فإن تحديد التصور السياسي للحركة الإسلامية سيسد ثغرات خطيرة في منهج الدعوة... وأخطرها: ثغرة الخروج عن الأحكام الشرعية في ممارسة الدعوة بادعاء"مصلحة الدعوة"حيث يسد التصور السياسي للدعوة بصبغته السلفية هذه الثغرة على أصحاب هذا الادعاء.

وأخطرها أيضا الارتداد عن خط المواجهة بالقوة بادعاء العمل السياسي وتحديد التصور السياسي بأبعاده المتعددة - بما فيه بُعد الممارسة بالقوة - يسد أيضا هذه الثغرة على أصحاب هذا الادعاء.

وبذلك لا تصبح السياسة لافتة فوق أي موقف باطل أو مرحلة ضعف... بحيث يصبح التصور السياسي للحركة الإسلامية ضابط لكل العبارات7 والمصطلحات التي تشكل خطرا كبيرا على الدعوة إذا أصبحت عنوانا للأهواء والتراجع والخلل.

فلا تصبح عبارات عائمة... بل تتحدد وتستقر وتنضبط.

أولًا

النظرية السياسية الإسلامية

والآن... ما هي النظرية السياسية للحركة الإسلامية؟

إن الأسلوب الأفضل في طرح النظرية هو البدء بتعريف"السياسة"الإسلامية، وبتحليل عناصر التعريف يتم طرح النظرية... فما هي السياسة الإسلامية؟

السياسة: هي حكمة (الجماعة) المنشئة (لدولة) الدعوة العالمية (الخلافة) المقيمة (لحضارة) الحق.

حكمة الجماعة:

اتفقنا أن الحكمة: هي حاسة الصواب الكامنة في كيان الداعية محددة له في واقع الدعوة سبيل الوصول إلى الغاية8.

وهذا هو المفهوم الفردي للحكمة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت