فهرس الكتاب
وبذلك يصبح التصور القدري للأحداث بعدًا أساسيًّا من أبعاد النظرية السياسية.
هذا من حيث علاقة التصور القدري بالتحليل السياسي.
والواقع أن البعد القدري للنظرية السياسية كان أساسًا حتميًا لتحليل مواقف متعددة في تاريخ الدعوة ما كان لنا أن ندركها إلا من خلال هذا البعد ولعل أبرز هذه المواقف طلب يوسف عليه السلام الوزارة في ظل حكم غير شرعي.
لذلك لأن قصة يوسف عليه السلام بأكملها تحقيق قدري للرؤيا التي رآها بالتمكين له في الأرض. وفي إطار هذا التصور كانت جميع أحداث القصة وأبرزها وضع السقاية في رحل أخيه حيث عقبت الآيات علي هذا التصرف بقوله سبحانه:"كذلك كدنا ليوسف ما كان ليأخذه أخاه في دين الملك إلا أن يشاء الله)، وعلى هذا لا يحتج بهذا الموقف سياسيًا إذ يعتبر من الناحية الفقهية أحوال أعيان لا يقاس عليها."
ومن أمثلة تلك المواقف في تاريخ الدعوة في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم هو قطع أشجار اليهود في غزوة بني قريظة حيث أنكر اليهود علي الرسول صلى الله عليه وسلم قائلين له: أتنهانا عن الفساد وأنت تأمر بقطع الشجر فأنزل الله عز وجل"ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة علي أصولها فبإذن الله".
فهذا تصرف قدري بحت فعله رسول الله بإذن ربه والقدر فوق الشرع؛ ولكن هذا التصرف القدري لا يؤثر علي القاعدة الثابتة في الحروب ومنها النهي عن قطع الأشجار إلا أن يكون الأمر لأسباب عسكرية بحتة فيجوز ذلك اضطرارًا ولكن لا يحتج بفعل رسول الله في غزوة بني قريظة علي الجواز المطلق من حيث التحليل.
والقواعد القدرية للتحليل السياسي محددة في عدة نقاط.
أولًا: الطاعة:
أما من حيث علاقة التصور القدري بالمواجهة السياسية فتقوم علي: الطاعة المطلقة لله لتحقيق المهابة لنا في قلوب أعدائنا؛ لأن المهابة هي حقيقتنا في قلوب أعدائنا وقوتنا في شعورهم وحجمنا في تصورهم وهي الأساس والأصل الذي تقوم عليه الممارسة السياسية؛ لأنه تبعًا لهذه المهابة تكون الممارسة السياسية في الواقع، والله قادر علي أن يجعل لنا في قلوب أعدائنا تلك المهابة وهو قادر أيضًا علي أن يجعلهم يروا ضخامة حجمنا في تصورهم بشكل مادي بحت.
غير أن للمهابة أسبابًا: أولها الوجود الإسلامي الصحيح لأصحاب الدعوة حيث يصيروا بهذا الوجود كالقسورة التي تفر منها الحمر المستنفرة102.
وهناك أسباب مباشرة لتحقيق المهابة تراجع فيها الأحاديث؛ وأهمها الجهاد؛ حيث قال رسول الله صلى الله عليه وسلم"ما ترك قوم الجهاد إلا ذلوا"103.
وقال في ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:"ولينزعن الله المهابة من قلوب أعدائكم)104 إلي آخر الحديث."
وابتداء من نشأة الحركة لا يغيب البعد القدري حتى إقامة السلطة، لنري أن أهم حقائق تلك السلطة هي قرشية الخلفية مثالًا هامًا للمقتضيات القدرية التي يجب الالتزام بها في التصور السياسي للدعوة وذلك لقوله صلى الله عليه وسلم:"الخلافة في قريش"105.
فلا يسمح التصور السياسي للدعوة بالجدل أو الإعمال العقلي البحت حول هذا الحقيقة لأنها حقيقة قدرية خالصة.
ثانيًا: التفويض والتوكل:
وأهم الحقائق القدرية في التصور السياسي: الوفاء بالعهود والمواثيق؛ ذلك أن الله لا يحب الخائنين.
فإذا بدت مصلحة لكنها لا تتحقق إلا بنقض العهد؛ فهذه المصلحة باطلة سياسيًا.
وفي المقابل فإن التصور السياسي يقيم العهود والمواثييق بقاعدة التوكل عل الله بعد استفراغ الجهد في التفكير والتقييم والتحليل والتوقع.
ومن هنا قال سبحانه:"وإن يريدوا خيانتك فقد خانوا الله من قبل فأمكن منهم والله عليم حكيم".
وهذه هي القاعدة القدرية العامة في العهود ونصها قول رسول الله صلى الله عليه وسلم:"ما نقض قوم العهد إلا سلط عليهم عدوهم)106."
ثالثًا: مراعاة السنن الثابتة:
مثل التفسير القدري للاختلاف كصيغة من صيغ العذاب الواقع علينا وتحقيق موجبات الرحمة التي يرفع بها هذا العذاب واعتبار هذه الموجبات أسبابًا مباشرة في معالجة الاختلاف.
وكذلك معالجة الفتن القائمة بين المسلمين بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر باعتبار أن ترك هذا الأمر هو السبب في ضرب قلوبنا بقلوب بعض كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم:"والله لتأمرون بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليضربن الله قلوبكم بقلوب بعض)107."
غير أن موضوعية البعد القدري للتصور السياسي تتمثل بصورة نهائية في الوصول بالدعوة من مرحلة الاستضعاف وخشية الاختطاف إلر مرحلة التمكين والعالمية إذ أن تجاوز الدعوة لجميع مراحلها لا يمكن أن يتحقق إلا بصورة قدرية.
ولعل حادثة أصحاب الفيل التي حفظ الله بها البيت تهيئة لظروف الدعوة؛ ولعل الصراع بين الروم والفرس الذي أجهد الدولتين تحقيقًا لتلك التهيئة دليل علي هذا البعد.
كما قال سبحانه:"محمد رسول الله والذين معه أشداء علي الكفار رحماء بينهم تراهم ركعًا سجدًا يبتغون فضلًا من الله ورضوانًا سيماهم في وجوههم من أثر السجود ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل كزرع أخرج شطأه فآزره فاستغلظ فاستوي علي سوقه يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجرًا عظيمًا".
وفي إطار البعد القدري للتحليل السياسي:
يجب حسم مسألة العلو اليهودي.
لأن هذه المسألة تأتي خطورتها من الفهم الخاطي للآيات الواردة فيها حيث يتحدد هذا الخطأ في الاعتقاد الجازم بحتمية أبدية للعلو اليهودي. ويغذي هذا الفهم اليهود أنفسهم من خلال كتابات108 معينة يخرج قارئها بتصور يفسد العقيدة حيث يعتقد أن اليهود يفعلون ما يريدون وأنه ما من حركة أو سكنة لإلا وهي جزء من خطة يهودية شاملة.
هذا التصور شرك صريح...
الله وحده هو الفعال لما يريد.
ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
وعقيدة التوحيد ترفض هذا الوهم والواقع شاهد عي ذلك.
وحادثة واحدة... تكفي... وهي نكسة 1967م التي كان ظاهرها لصالح اليهود وكان باطنها الرحمة حيث كانت نقطة التحول في تاريخ الحركة الإسلامية حيث بدأت من مصر بعد أن قويت الرغبة في الرجوع إلي الله لتبدأ مع تلك الرغبة الدعوة الإسلامية بمستواها الفردي فيبلغ خطرها كل أنحاء العالم ويصبح مواجهة هذا الخطر هو محور السياسة العالمية علي مستوي الشرق والغرب.
رابعًا
النظرية السياسية الجاهلية
أ) التفسير العام للنظرية
والواقع أن للجاهلية نظريات ومذاهب واتجاهات ومدارس ونظمًا سياسية مختلفة109، لكن ما نعنيه بالعنوان هو النظرية السياسية الجاهلية في تقابلها مع الإسلام؛ وهذا هو جوهر السياسة الجاهلية. وبهذا الاعتبار فإن هذا الاختلاف يصبح أمرًا شكليًا بالنسبة لهذا الجوهر وتعددًا سطحيًا بالنسبة لاتجاه الهدف الأساسي والنهائي للجاهلية وهو القضاء علي الإسلام. وللدلالة علي هذه الحقيقة نذكر مثالًا بأقصي تناقض شكلي في إطار النظريات السياسية الجاهلية يحقق أكبر توحد في حرب الإسلام وهذا المثال هو الديموقراطية والديكتاتورية حيث يمثل أكبر تقابل في إطار النظريات الجاهلية أكبر توحد في إطار النظرية الجاهلية الواحدة.
فكلا النظريتين يمنع وجود واقع صحيح للدعوة.
فالديمقراطية... هي أن يتكلم الجميع، والديكتاتورية هي أن لا يتكلم أحد. وهاتين النتيجتين المتقابلتين بالنسبة للدعوة يحققان نتيجة واحدة وهي أنه لن يسمع أحد لأحد حيث لا تقوم الدعوة إلا في واقع يجد فيه من يتكلم أحد يسمعه.