فهرس الكتاب

الصفحة 1159 من 1942

ومن هنا فإن أهم مقتضيات الصراع بين الجاهلية والإسلام هو تخليص الإنسان من حالة الفقر المنسي، وواقع الغيبوبة النفسية والذهنية التي يعيشها البشر كما يوجب على الدعاة أن يعملوا بكل أساليبهم على إعادة العقل البشري من غيبوبة الفقر المنسي وإفاقته بكل المؤثرات النفسية والعصبية، وبكل الأساليب الكلامية والعملية، كما يجب أن يقف الدعاة أمام الترف الجاهلي وعناصر الثراء للاستعلاء بالإيمان وتجرده وكرامة الزهد وكرامة الزاهدين ومكانة العلماء؛ ليفيق المترفون عندما يشعرون أن هناك قيمة أعلى من المال وحقيقة أكبر منه هي قيمة الإيمان والإسلام.

سياسة المواجهة للنتيجتين:

إن التصور السياسي الصحيح يفرض على الدعاة في مواجهة الفقر المنسي والغنى المطغي أن نتعامل مع الإنسان بأقصى إمكانيات التأثير.

الإثارة الفكرية والعاطفية... بأعمق أبعادها.

المواقف المحزنة... الخواطر المخيفة... العبارات المطمْئِنة.

يجب أن يهتز الإنسان أمام الدعاة هزًّا عنيفًا... وليسكن سكونًا تامًّا يجب أن يستحوذ الدعاة على كيان الإنسان كله، يجب أن يقف الإنسان أمام الدعاة كأن على رأسه الطير...

لا حراك... سوى حركة النَّفَس ونبض العروق...

يجب أن يتكلم الدعاة بكل الألسنة وبكل الأساليب؛ لينسى الإنسان أمام الدعاة حياته الدنيا سواء كان فقيرًا أو غنيًّا.

ليبحثوا عن كل القصص الصحيحة... كل الطرائف... كل المواقف... السيرة... حياة الصحابة... الرقائق... الكرامات والمعجزات... الجن والملائكة... القبر وعذابه... الجنة والنار... كل الإسلام... كل حقائق الإسلام... كل قضايا الإسلام.

لإنقاذ الفقراء الناسين والأغنياء الطاغين.

وفي النهاية...

يجب أن يترفع الدعاة عن مصالح الدنيا؛ حتى لا يتهمهم الفقراء ولا يستهين بهم الأغنياء.

عندئذ يمكن الإطاحة بالاتاه الاقتصادي المنشئ لمصطلحات: العالم الثالث... الدول الصناعية الكبرى... الدول النامية... المعونة الاقتصادية... هذا المصطلح الذي يعني أن كيانات الدول النامية عالة على الآرض لا تتجاوز أهدافها وآمالها هدف العيش وأمل الاستقرار بالحصول على هذه المعونة، فتفرض الدول العظمى إرادتها على الدول الأخرى.

3)المحور القانوني:

ورغم أن الجاهلية فوضى وخروج عن الأصول، إلا أن الشيطان يرغب في اميصاص الطبيعة البشرية التي ارتكز فيها بصورة دفينة الرغبة في النظام والحياة في ظله.

فأنشأ الشيطان للجاهلية صيغة قانونية تحقق نظامًا يخضع له جميع الناس.

ولعل المثال التاريخي لهذا الوضع هو اعتراض قوم شعيب على الرسالة باعتبارها خروج على نظام لا يملكون إلا الخضوع له:"قالوا يا شعيب أصلاتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء".

فهناك نظام يجعلنا لا نستطيع التصرف بهوانا"أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء".

ولكن العلة في انتشار النظام الجاهلي لا تقف عند حد امتصاص الإحساس الطبيعي المركوز في النفس البشرية بالرغبة في النظام ولكنها في الأساس... أسلوب يضمن به الشيطان أن يكون له قيادة العالم وزعامته ليسيطر من خلال هذه القيادة وتلك الزعامة على جميع الناس.

وانطلقت الجاهلية في المرحلة القائمة لمقاومة الدعوة في اتجاهات متعددة.

وكانت الحرب العالمية هي رصيد السياسة الجاهلية عالميًا.

والتي نشأ عنها أخطر هذه الاتجاهات وهو الاتجاه القانوني تحت مظلة الأمم المتحدة - الهيئة الجاهلية القانونية العالمية.

وفي إطار دستور الأمم المتحدة الذي أعطى حق العضوية الدئمة في مجلس أمنها لدول محدودة وحق الفيتو مع حق العضوية الدائم.

من خلال هذا الوضع تمت الاتفاقيات والمعاهدات وكان أخطرها معاهدة بيكر التي تم الاتفاق فيها على وضع العالم تحت وصاية ومسئولية الدول الكافرة المسماة بالعظمى.

ولكي يبقى للمحور القانوني فاعليته يجب أن تبقى آثار الحرب الثانية التي تمثل رصيدًا لقانون النظام العالمي ولا بد أن تبقى الحرب نفسها في إحساس العالم باعتبارها المصدر الفعلي لقوة القانون، وأول عناصر هذا الاتجاه هو إيحاء الحرب في عقل العالم وضميره من خلال الأفلام والقصص. ولعل من أبرز هذه الأساليب هو الإبقاء على مساعد هتلر سجينًا في سجن تشرف عليه دول الحرب المنتصرة وتتناوب حراسته دولة كل ثلاثة أشهر باعتبار هذا السجين أطول أثر واقعي للحرب...

4)المحور النفسي:

ومن أخطر المحاور النفسية للسياسة الجاهلية: هو امتصاص رد الفعل الإسلامي إذا فعلت الجاهلية ما يقتضي هذا الرد بحيث يتبدد رد الفعل الإسلامي بصورة نفسية شعورية غير عملية أو خطيرة ولعل أخطر الأمثلة على ذلك:

حاث سقوط الخلافة الإسلامية: ذلك الحدث الذي كان قتلًا لكل مسلمي العالم فكانت قصائد شوقي التي نعى فيها سقوط الخلافة فكانت قصائده بمثابة المستأجرة في المأتم التي تسعد أهل الميت فيخفف هذا من وطأة الفجيعة.

وكان منصب (الخلافة) الصوفية الذي تهتم به الدولة وتعطية الصفة الرسمية حيث يخرج (الخليفة) في المولد النبوي الشريف يركب (الفرس) وحوله (السيوف الخشب) و (الرايات) فيخرج الخليفة على جموع الشعب المتصوفة وهم يشعرون أن هذا (الخليفة) خير من ملء الأرض من (الخليفة) الذي ذهب...

ولكن هذه الخدعة الكبرى لا تستسيغها العقول الواعية فليكن لهؤلاء ما يخمد مشاعرهم ويهدئ من روعهم... فكان السماح بالجمعيات الدينية التي وضعت على رأس برنامجها (إعادة الخلافة) والتي أشعرت أصحاب هذه العقول الواعية أن الخلافة ستعود ولكنها مسألة وقت.

5)المحور العسكري:

المحور العسكري المتمثل في التطور التكنولوجي في التسليح إلى الحد المحقق ليأس جميع البشر في المواكبة ليستمر التطور حتى يصل إلى ما يطلق عليه حرب الفضاء لتصبح الأرض موقعًا تم الانتهاء منه ثم حرب الكواكب التي لا تمثل فيها الأرض إلا كوكبًا صغيرًا. فتتضاعف مشاعر السيطرة من جانب الدول العظمى ومشاعر اليأس من جانب الدول الأخرى.

تمامًا مثلما سيشعر يأجوج ومأجوج بغلبهم لأهل الأرض فقالوا: الآن نحارب أهل السماء؛ فوجهوا لها حرابهم فنزلت فتنة لهم مخضبة بالدماء127.

ولكن...

تحت كل هذه التراكمات الصخرية والطبقات الجاهلية الجلدة يكون غليان الإيمان ويفتح الفهم الإسلامي الصحيح فوهة البركان.

مهما كان الوضع... ومهما كانت المؤامرة... سيفتت البركان الإسلامي تراكمات السياسة الجاهلية العالمية.

الله أكبر... الله أكبر... الله أكبر...

قالها رسول الله صلى الله عليه وسلم في أشد لحظات المشقة؛ في الخندق... عندما اجتمعت الأحزاب فكان المسلم لا يأمن أن يخرج ليقضي حاجته... ووقف حجر أمام الصحابة وعجزوا عن تحطيمه حتى الخندق فيه الأحجار ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأخذ معولًا ويضرب الحجر ضربة؛ ويرى في غبار حجر الخندق ثلاث صور:

الصورة الأولى: مدائن الفرس.

الصورة الثانية: قصور الروم.

الصورة الثالثة: اليمن128.

اختلطت الدول العظمى بغبار حجر الخندق.

وتبدد الوهم... وهم الدول العظمى. التي تحولت إلى مجرد صور.

وفتحت الفرس، وفتحت الروم، وفتحت اليمن.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت