فهرس الكتاب

الصفحة 1170 من 1942

لما استقر الرسول عليه الصلاة والسلام بالمدينة بعد هجرته كان لا بد له من أن يستعد لنزال قريش وخوض الحرب معها فما كانت قريش بالتي ترضى أن تكون للرسول في المدينة العزة والمنعة . وهي التي حرصت ثلاثة عشر عامًا على مناصبة دعوته العداء ، فكيف وقد أفلت من يدها وأصبح في المدينة سيدها وقائدها ورئيسها المحبوب ؟ . لقد كان الصراع مع قريش بعد الهجرة - صراعًا حربيًا - أمرًا متوقعًا في نظر الرسول صلى الله عليه وسلم وكان في المدينة - مع الأوس والخزرج - عدد كبير من اليهود يسكنون في أرباضها أو على مواقع تحيط بها ، ولم يكن يتوقع الرسول من اليهود سلمًا لدعوته ورضى بانتشارها وهم الذين كانوا يستولون على مقدرات سكانها من الأوس والخزرج ، ويثيرون العدوان بينهم ، لتظل لهم السيطرة السياسية والمالية عليهم ، فكيف يرتاحون إلى وحدة كلمة هؤلاء المؤمنين من جيرانهم ، وانتهاء الحروب والفتن الداخلية فيما بينهم ؟ هذا مع ما فاض به تاريخ اليهود من محاربة لرسل الله ، وقتل لأنبيائه ،وإثارة للفتن والعداء في كل مجتمع يعيشون فيه ، وبذلك واجه الرسول في المدينة جبهة أخرى معادية لدعوته ، بعد أن كان العداء بينه وبين خصوم الدعوة في مكة محصورًا في قريش ومن يناصرها .. هنا تتجلى حكمة الرسول البعيدة المدى ، إذ بادر إلى عقد ميثاق بينه وبين يهود المدينة ليأمن شرهم ، ويمنعهم من مؤازرة قريش في معاركها المقبلة . ووضع الميثاق وأصبح اليهود مواطنين في المدينة يربطهم الميثاق الجديد بالدفاع عن المدينة ممن يقصد غزوها ، وبأن يكونوا مع المؤمنين فيها يدًا واحدة على النوائب ، ومن هنا استطاع الرسول أن يتفرغ لرد عدوان قريش ، وأن يخوض معها بدرًا وأُحدًا وغيرهما من المعارك ، آمنًا في جبهته الداخلية ، مكفيًا شر اليهود وهم أقدر على إيذائه من قريش إذ كانوا في أرباض المدينة وما حولها .

مع يهود بني قينقاع:

ولكن طبيعة اليهود تأبى إلا الغدر والخيانة ، فما كاد رسول الله صلى الله عليه و سلم ينتصر على قريش في بدر حتى ثارت في يهود بني قينقاع عوامل الحقد والبغضاء ، فأظهروا للمسلمين شرًا ، وغدروا ببعض نساء الأنصار ، فهتكوا حرمتهن ، ولم ير رسول الله - وهو الذي يعلم أ، هؤلاء اليهود سيكون منهم ما كان من يهود نبي قينقا ع - أن يجاهرهم جميعًا بالعداء ، بل حارب بني قينقاع وحدهم ، وتمّ له إجلاؤهم عن ديارهم ، وظل على عهده مع بقية اليهود ، إذ لم يبد منهم في الظاهر ما يدل على نقض الميثاق ، ولأن معركته مع قريش لم تنته بانتصاره عليها في بدر ...

مع يهود بني النضير:

وتحرك بعد ذلك بنو النضير ، وهم يجاورون المدينة وقد كانوا حلفاء الخزرج قبل الإسلام ، وناصبوا الرسول العداء ، وبيتوا على قتله ومن معه ، فأنذرهم الرسول بوجوب الجلاء عن مساكنهم ، بعد أن بدا منهم الغدر ، فلما أبوا وتحصنوا في حصونهم ، نازلهم المسلمون وتغلبوا عليهم ، فاضطروا للجلاء عن ديارهم على أن لهم ما حملت الإبل من أموالهم إلا آلة الحرب .

مع يهود بني قريظة:

وظل الرسول بعد ذلك محافظًا علة ميثاقه مع بقية اليهود الذين لم ينقضوا الميثاق ، مع أن الدلائل كلها تدل على أنهم جميعًا محنقون من انتشار الدعوة ، مبيتون للغدر بالرسول ومن معه ، ذلك أن رسول الله سار على هذه الخطة الحطيمة وهي ألا يحارب في جبهتين وأن يتقي أقوى الجبهتين خطرًا بأقلها وأقربها إلى الخضوع والاستسلام .. ومعركة قريش لا تزال هي المعركة الرئيسية في جزيرة العرب ، فليوجه إليها كل همه ، وليهدئ من عداء اليهود بقدر ما يستطيع ، حتى تنتهي المعركة الكبرى مع قريش بالنصر ، ولكن اليهود قوم لا يرتاحون إلى السلم والعيش الكريم ، فما كاد عظماء بني النضير يجلون عن ديارهم - عقوبة لهم على غدرهم - حتى أخذوا يثيرون قريشًا وقبائل العرب ضد الرسول وصحبه ، وكان من أثر ذلك غزوة الأحزاب التي تجمعت فيها قريش وغطفان ومرة وأشجع وبنو سليم وبنو أسد ، وهاجموا المدينة في عشرة آلاف محارب ، وكانت غزوة الأحزاب وتحركت بنو قريظة وهم يهود المدينة نفسها - فنقضوا الميثاق وأبدوا العداء للرسول ، وظنوا أن هذه المعركة قاضية على المسلمين في المدينة فأعلنوا الحرب وانحازوا إلى الأحزاب ، وهنا تشتد المعركة على المسلمين ، ويصبح أهل المدينة في قلق شديد على ذراريهم ونسائهم ،خوفًا من بني قريظة الذين أعلنوا عداءهم ، ويفكر الرسول في تفريق كلمة الأحزاب بأن يعمل على انسحاب غطفان من المعركة لقاء أن يعطيها ثلث ثمار المدينة ، ويتألم المسلمون من ذلك ، ويتدارك الله رسوله وصحبه بالعناية الإلهية ، فيسلم ( نعيم بن مسعود ) من غطفان وهو صديق قريش واليهود ، فيعمل على التفرقة بينهم ، ويغرس في نفوس كل من قريش واليهود عوامل الريبة والحذر بعضهم من بعض ، فتختلف كلمة الأحزاب ، ويرسل الله ريحًا باردة في ليلة شديدة الظلام ، فتولي قريش وحلفاؤها ، لا تلوي على شيء ، وينبلج الصباح عن فرار قبائل العرب في الظلام ، ويظل الرسول وجها لوجه مع يهود بني قريظة الغادرين في أحرج الساعات . ويتم القضاء عليهم بما حكم به حليفهم سعد بن معاذ ، من قتل الرجال ، وسبي النساء والأطفال ..

مع يهود الآخرين:

وانتظر الرسول حتى تم صلح الحديبية ، وأمن شر قريش ، فاتجه إلى تصفية قضية اليهود الباقين حول المدينة فأنهى علائقه مع يهود فدك ، بحقن دمائهم ومغادرة ديارهم ، وترك أموالهم ، ثم انتهى من يهود وادي القرى ويهود خيبر ، فتغلب عليهم ، وفرض عليها الجزية ، وجردهم من قوتهم الحربية .. وبذلك انتهى من معركة اليهود ، دون أن يخوض معهم جميعا معركة واحدة ، ودون أن يحاربهم وقريشًا في وقت واحد .

وهذه إحدى العبر في تاريخ الرسول السياسي والعسكري ، دلنا على براعته وتوفيقه في الوصول إلى النصر ، دون أن يثير قوى الأعداء عليه جميعًا ، ما دام يستطيع أن يفرق بينهم - كما في غزوة الخندق - أو أن يضربهم الواحد بعد الآخر كما حصل في تصفية قضية اليهود في جزيرة العرب .

في صلح الحديبية:

وأمامنا مثل آخر يدل على مرونة الرسول وبراعته وتفضيله المصلحة البعيدة المدى على المصلحة المؤقتة التي يمكن أن تكسب بالعاطفة ، ولكنها تفوت كثيرًا من المكاسب السياسية ، ففي صلح الحديبية كان الرسول لا يريد القتال بل يريد الطواف في الكعبة ،فلما أصرت قريش على المنع صمم الرسول على قتالهم ، ووجد من المسلمين كل استعداد للفداء ، وبايعه المسلمون بيعة الموت المشهورة ببيعة الرضوان ، حتى إذا أبدت قريش رغبتها في الصلح على الشروط المعروفة ، وهي شروط لم يرضها المسلمون أول الأمر ، بل ، بل رأوا فيها ضعفًا وذلة ، ولكن القائد الرسول الذي يمتد بصره إلى ما لا يمتد إليه بصر جنوده المؤمنين ، أصر على قبول الشروط ، فلم يجد المسلمون بدًا من القبول ، وتبين فيما بعد أن هذه الشروط كانت سببًا من أسباب تعجيل النهاية المرتقبة للوثنية في جزيرة العرب ، وأن صلح الحديبية كان الخطوة الأولى لفتح مكة واستسلام الوثنية العربية استسلامًا لا قيام لها من بعده أبدًا .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت