ومن الملاحظ أن العولمة بدأت من زمن النهضة الأوربية الحديثة كبداية عامة لم تتضح معالمها إلا بعد انفراد الولايات المتحدة الأمريكية بالتربع على عرش الصدارة في العالم المعاصر وانفرادها بقيادته السياسية والاقتصادية والعسكرية ، ولذا يستخدم البعض لفظ الأمركة بدلًا من العولمة .
الفرق بين العولمة وعالمية التربية الإسلامية
التربية الإسلامية تربية عالمية بعيدة عن التعصب العرقي أو الاجتماعي ، قال تعالى: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ ) ( الحجرات: من الآية 10)
وقال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) ( سورة الحجرات 13)
وخلافًا للتربيات الوضعية التي تتجه إلى أمة من الأمم أو جماعة من الناس ، فإن التربية الإسلامية"تربية عالمية ، والإسلام رسالة عالمية جاءت للناس كافة ، وعالمية الرسالة الإسلامية تعني أيضًا عالمية التربية الإسلامية" ( مرسي ، 1996م ، ص 79 ) .
وعالمية التربية الإسلامية تحترم خصوصيات كل شعب من الشعوب وكل أمة من الأمم ، ما دامت تلك الخصوصيات وطرق المعيشة والعادات الاجتماعية والاقتصادية ... لا تخالف الشريعة الإسلامية التي أنزلها الله تعالى ليهتدي بها العباد .
كما أن عالمية التربية الإسلامية تنتشر برغبة الشعوب والأمم في محاسنها انتشارًا تلقائيًا لا إجبار فيه ولا إكراه ، قال تعالى: ( لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ ) (سورة البقرة: من الآية 256) .
وفي المقابل نجد أن العولمة أو الأمركة لا تحترم خصوصيات الشعوب المختلفة ، كما أنها تلجأ في بعض أمورها إلى القوة والإجبار والإكراه لفرض ما تريد .
وبهذا يتضح الفرق بين العولمة وعالمية التربية الإسلامية .
سلبيات العولمة وإيجابياتها
"لقد روَّج دعاة العولمة في الغرب وعملاؤهم في المنطقة العربية مجموعة من المقولات لصالح العولمة،ومن ذلك: أنّ العولمة تبشر بالازدهار الاقتصادي والتنمية والرفاهية لكل الأمم والعيش الرغيد للناس كلهم، والانتعاش،ونشر التقنية الحديثة، وتسهيل الحصول على المعلومات والأفكار عبر الاستفادة من الثورة المعلوماتية الحديثة، وإيجاد فرص للانطلاق للأسواق الخارجية، وتدفق الاستثمارات الأجنبية التي تتمتع بكفاءة عالية، وبالتالي ينتعش الاقتصاد الوطني والقومي."
ولكن سرعان ما اكتشف الباحثون والمفكرون أن تلك المقولات ما هي إلا شعارات استهلاكية جوفاء" ( الرقب ، 1423هـ ، ص 20 ) ."
وما روّج له دعاة العولمة من إيجابيات يفتقد للتطبيق العملي في الواقع لأن تلك الإيجابيات تنصب غالبًا للطرف الأقوى على حساب الطرف الضعيف .
وللعولمة الكثير من السلبيات التي تتعلق بمختلف المجالات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية ، ونكتفي هنا بذكر الآثار العقدية للعولمة:
"1- خلخلة عقيدة المسلمين، والتشكيك فيها ..."
2-إضعاف عقيدة الولاء و البراء، والحب والبغض في الله
إن استمرار مشاهدة الحياة الغربية، وإبراز زعماء الشرق والغرب داخل بيوتنا، والاستمرار في عرض التمثيليات والمسلسلات، والاستماع إلى الإذاعات، والأشكال الأخرى لاستيراد الثقافات سيخفف ويضعف من البغض لأعداء الله...
3-نشر الكفر، والإلحاد، حيث إن كثيرًا من شعوب تلك الدول لا يؤمنون بدين، ولا يعترفون بعقيدة سماوية. فلا حرج عندهم إذا نشروا أفلامًا تدعو بطريقة أو بأخرى لتعلم السحر، ومن أمثلتها أفلام السحر التي يقحمونها ببعض الألعاب القتالية، وهي منتشرة...
4-ومن أخطر الآثار العقدية الدعوة إلى النصرانية فالعولمة الغربية تتيح للتيارات الفكرية الموجودة بها نشر أفكارها، عن طريق الاستفادة من تقنياتها...
5-تقليد النصارى في عقيدتهم
وذلك باكتساب كثير من عاداتهم المحرمة التي تقدح في عقيدة المسلم، كالانحناء، ولبس القلائد والصلبان، وإقامة الأعياد العامة والخاصة، وقد رأينا القصات العالمية، وأشهر (الموضات) ، إلى غير ذلك من صنوف التشبه المحرمة..." ( العمر ،1424هـ ، ص 29 ) "
كيف نستفيد من إيجابيات العولمة ونتقي سلبياتها
لكي نستفيد من إيجابيات العولمة ونتقي سلبياتها علينا أن نستخدم المنهج الانتقائي ، وذلك بقبول - فقط - ما لا يخالف هويتنا الدينية وثوابتنا التي لا نساوم عليها ، وبرفض ما يعارض ذلك .
ويعتبر ذلك نشرًا لثقافة المقاومة وليس منعًا للعولمة بخيرها وشرها .
"و ما يرد إلينا من علوم وثقافات وافدة، فإن فيها حقًا وخيرًا، وهذا يقبل ممن جاء به، كما أن فيها باطلًا وشرًا، وهذا يرد على من جاء به، وهو غالب ما يرد، والمطلوب أن لا نخضع شريعتنا ونلويها حتى توافق ما وفد، وإنما نُحكِّمها فيما يرد، ونرضى بحكمها، ثم لا نجد حرجًا فيما قضت، ونوقن بأنه الخير والحق."
إن في سنة نبينا صلى الله عليه وسلم وفي عمل الصدر الأول تقرير لهذا المنهج، فقد نقل أهل السير لنا استفادته -صلى الله عليه وسلم- من ثقافة الفرس يوم حفر الخندق بمشورة سلمان الفارسي رضي الله عنه، وقد لبس -صلى الله عليه وسلم- جبة من صوف رومية، وعرف الإستبرق وأصله أعجمي، وأطلقوا على الجمال طويلة العنق ما كان يطلقه العجم فقالوا بختي و بختية، ورمى الصحابة بالمنجنيق وهي فارسية، واستعملوا سيوف الهند، وعرفوا الصولجان، و قرأوا المجال -مفرد مجلة- وهي وافدة، وأقر نبينا -صلى الله عليه وسلم- الدركلة ضرب من لعب الحبشة" ( العمر ،1424هـ ، ص 27 ) "
"وبالمقابل نبذ الصدر الأول ثقافات وعادات وافدة، ومنها اللعب (بالإسبرنج) وهي الفرس التي في الشطرنج، وعرفوا الشطرنج وما فيه من بياذق أو بيادق وكلها فارسية، وجاء في الأثر: (من لعب بالنرد شير فكأنما صبغ يده في لحم خنزير ودمه) 25، وعرفوا لعبة السُّدُّر -نوع من القمار- وأنكروها، وعرفوا السمسرة من فارس وتكلموا فيها."
و لما قدم معاذ بن جبل من الشام سجد لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما هذا؟) قال: يا رسول الله قدمت الشام فرأيتهم يسجدون لبطارقتهم وأساقفتهم فأردت أن أفعل ذلك بك.
قال: (فلا تفعل) 26." ( المصدر السابق ، ص 28 ) "
"بل أكثر من ذلك كان عندهم نوع استقراء وتحليل للثقافة الوافدة، فقد تصوروا بعضها، وحكموا عليها -حكمًا خاصًا- قبل أن تفد، ومن ذلك ما جاء في البخاري: عن عائشة رضي الله عنها قالت:لما اشتكى النبي -صلى الله عليه وسلم- ذكرت بعض نسائه كنيسة رأينها بأرض الحبشة يقال لها مارية، وكانت أم سلمة وأم حبيبة -رضي الله عنهما- أتتا أرض الحبشة فذكرتا من حسنها و تصاوير فيها، فرفع رأسه فقال: (أولئك إذا مات منهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجدا ثم صوروا فيه تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند الله) 27." ( المصدر السابق ، ص 28 )
"فينبغي للمسلمين أن يعدوا الدراسات ويقيموا الثقافات من حولهم، حتى يميزوا بين حقها وباطلها وفقًا لضوابط الشرع، فيقبلوا ما فيها من خير، ويحصنوا المجتمعات ضد ما فيها من شر، وأول ذلك يكون بتقرير الثقافة الإسلامية في نفوس ذويها، وترسيخ مفاهيمها وبيان محاسنها قبل دعوة الآخرين إليها." (المصدر السابق ، ص 29 ) .
مستقبل العولمة 28
الغيب لله..
(قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ) ( سورة النمل الآية 65 )