فهرس الكتاب

الصفحة 1201 من 1942

وفي عالم النفوس -كما في عالم الأجسام- فإن الله تعالى الذي خلق الداء خلق له ومعه الدواء، فلكل داءٍ دواء، ولكل عيب شفاء، قال تعالى: (( إِنَّ الإنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا(19) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (20) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا (21) إِلاَّ الْمُصَلّينَ (22) الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاَتِهِمْ دَائِمُونَ (23) وَالَّذِينَ فِى أَمْوالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ (24) لّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (25) وَالَّذِينَ يُصَدّقُونَ بِيَوْمِ الدّينِ (26) وَالَّذِينَ هُم مّنْ عَذَابِ رَبّهِم مُّشْفِقُونَ (27) إِنَّ عَذَابَ رَبّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ )) (المعارج:19-28) .

والإنسان قابل، بل ميال، للبغي والطغيان، وشفاء ذلك في أن يعرف ربه ويعرف أنه راجع إليه وواقف للحساب بين يديه: (( إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطْغَى(6) أَن رَّءاهُ اسْتَغْنَى (7) إِنَّ إِلَى رَبّكَ الرُّجْعَى )) (العلق:6-8) ، وقوله سبحانه وتعالى: (( فَأَمَّا مَن طَغَى(37) وَءاثَرَ الْحياةَ الدُّنْيَا (38) فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِىَ الْمَأْوَى (39) وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى )) (النازعات:37-40) .

ومعلوم في جميع الديانات أن أهم وأبلغ تزكية يحصل عليها الإنسان ويرتقي فيها - بعد الإيمان بالله تعالى- هي ما شرعه سبحانه من عبادات وقربات، كالذكر والتفكر والصلاة والصوم والحج والزكاة وسائر النفقات.

وإن من أخص خصائص الإنسان أنه كائن متدين أو كائن متعبد، عن طواعية واختيار. فالملائكة تعبد الله بصورة جِبِليَّة خالصة، ليس لها فيها اختيار أو رفض، أو تأخير أو تقصير، وبقية الكائنات تخضع لسنن الله تعالى ونواميسه، في حركاتها وسكناتها، وحياتها وموتها، ونموها وتكاثرها، وغير ذلك من شؤونها. والإنسان يشترك معها في هذا الخضوع التلقائي، أو في هذه العبودية الاضطرارية، ولكنه يتميز بعبودية أخرى يتجاوب معها أو يتنكر لها بإرادته واختياره، وهي عبودية التعبد أو عبودية التدين. فبها يتميز، وبها يتزكى، وبها يحافظ على سموه وسر تفوقه على سائر المخلوقات. ولذلك كانت هذه الخاصية مقصدًا عامًا وأساسيًا من مقاصد الشريعة. وفي هذا المعنى يقول الإمام الشاطبي رحمه الله تعالى: «المقصد الشرعي من وضع الشريعة إخراج المكلف عن داعية هواه حتى يكون عبدًا لله اختيارًا كما هو عبد لله اضطرارًا» [7] .

وإذا كانت شرائع الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم قد جاءت بحفظ كافة حقوق الإنسان، وعلى يد الأنبياء عرف الناس فكرة الحقوق والواجبات، ومن شرائعهم ومبادئهم وقيمهم التي زرعوها في تاريخ البشرية وثقافاتها، استمدت حركة حقوق الإنسان وجودها ومشروعيتها وأهم مبادئها، فإن هذه الشرائع والرسالات المنزلة كانت كلها تبتدئ بقضية عبادة الله، باعتبارها الضامن والداعم لأخص خصائص الإنسان التي عليها تنبني مشروعية حقوق الإنسان، فضلًا عن كونها مجالًا للتسامي والترقي لا يشبهه شيء ولا يدانيه شيء. وهكذا ما من نبي بعثه الله إلا قال لقومه: (( ياقَوْمِ اعْبُدُواْ اللَّهَ ) ) [8] فلذلك صار تدين الإنسان وتعبده لربه الصفة المميزة للإنسان وسلوكه «مما يجوز معه أن نعرف الإنسان بأنه الكائن الحي المتدين. فالهوية الإنسانية تكون في حقيقتها هوية دينية» ، كما يقول الدكتور طه عبد الرحمن [9] .

والعبادة كما هو معلوم تشمل الإنسان في روحه وعقله ونفسه وعاطفته وبدنه وحواسه وماله ووقته وفكره وعلمه. ومعنى هذا أن العبادة تزكي الإنسان بكل جوانبه وأبعاده. غير أن تزكية النفوس خاصة تبقى ذات أولوية واضحة في التعاليم والتكاليف الدينية، إذ النفس هي مجمع الآفات والنزعات والشهوات: (( إِنَّ النَّفْسَ لامَّارَةٌ بِالسُّوء إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبّى ) ) (يوسف:53) .

ومن أمثلة الآفات النفسية التي وجهت العبادات لمعالجتها وتزكية الإنسان منها: آفة شدة التعلق بالمال، والحرص عليه، والشح به. فبسبب ذلك يتعادى الناس ويتخاصمون، ويتصارعون، ويقتتلون، وبسبب ذلك يفرط الإنسان في كثير من قيمه ومبادئه، وتتضخم أنانيته وذاتيته، ويفقد توازنه وطمأنينته، فلذلك جاءت تعاليم الإسلام وتكاليفه غنية بالتوجهات والتدابير الخاصة بمعالجة هذه الآفة. والنصوص المتعلقة بهذا الموضوع كثيرة متنوعة، وخاصة تلك المتعلقة بالتوجيهات القيمية النظرية، وأقتصر على بعض النصوص الإجرائية العملية الموجهة بشكل صريح إلى تزكية الإنسان من هذه الناحية.

فمن المعلوم أن من أركان الإسلام الخمسة فريضة الزكاة، ودور هذه الفريضة في تزكية الإنسان وترقيته واضح معلن من الاسم نفسه (الزكاة) ، فهي زكاة للنفس الإنسانية أولًا وأساسًا. والآية الكريمة التي أمرت بأخذ الزكاة من ذوي الأموال عللت ذلك بهذه العلة دون غيرها من علل الزكاة ومقاصدها، قال تعالى: (( خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهّرُهُمْ وَتُزَكّيهِمْ بِهَا ) ) (التوبة:103) .

ولم يقل خذ من أموالهم صدقة تطهر أموالهم وتزكيها لهم، بل تطهرهم وتزكيهم هم أنفسهم. فالذي يزكي ماله، يزكي في الحقيقة نفسه ويطهرها، قال العلامة الكاساني في بدائعه: « الزكاة تطهر نفس المؤدي، وتزكي أخلاقه بتخلق الجود والكرم وترك الشح والضن، إذ الأنفس مجبولة على الضن بالمال، فتتعود السماحة وترتاض لأداء الأمانة وإيصال الحقوق إلى مستحقيها، وقد تضمن ذلك كله قوله تعالى: (( خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهّرُهُمْ وَتُزَكّيهِمْ بِهَا ) ) (التوبة:103) .

وإن الله تعالى قد أنعم على الأغنياء وفضلهم بصنوف النعمة والأموال الفاضلة عن الحوائج الأصلية وخصهم بها، فيتنعمون ويستمتعون بلذيذ العيش. وشكرُ النعمة فرضٌ عقلًا وشرعًا، وأداء الزكاة إلى الفقير من باب شكر النعمة» [10] .

ووظيفة التزكية ليست خاصة بالزكاة، بل هي منصوص عليها وعلى طلبها في كافة أوجه الإنفاق الشرعي، قال تعالى: (( فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى(5) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (6) فَسَنُيَسّرُهُ لِلْيُسْرَى (7) وَأَمَّا مَن بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (8) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (9) فَسَنُيَسّرُهُ لِلْعُسْرَى (10) وَمَا يُغْنِى عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى (11) إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى (12) وَإِنَّ لَنَا لَلاْخِرَةَ وَالاْولَى (13) فَأَنذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى (14) لاَ يَصْلَاهَا إِلاَّ الاْشْقَى (15) الَّذِى كَذَّبَ وَتَوَلَّى (16) وَسَيُجَنَّبُهَا الاْتْقَى (17) الَّذِى يُؤْتِى مَالَهُ يَتَزَكَّى )) (الليل:5-18) ، وقال سبحانه: (( لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ ) ) (آل عمران:92) .

وليست العبادات وحدها هي مجال التزكية والترقية للإنسان وللنفس الإنسانية، بل إن كل ما في الإسلام موجه لتحقيق هذا الهدف وهذا المقصد. ومن ذلك مجال المعاملات والعلاقات الاجتماعية. ومن يلقي نظرة ولو سريعة على كتب السنة النبوية فسيجد أبواب الأخلاق والآداب والفضائل والعلاقات الإنسانية، غزيرة شاملة تتناول كل جوانب النفس البشرية وكل ما تحتاجه من فضائل ومكارم وما يعرض لها من آفات ورذائل.

وقد يبدو لبعض الناس أن ما عرفته البشرية اليوم من ارتقاء قانوني ومن تقدم حقوقي، وما وصلت إليه في كثير من الأقطار من تحقيق سيادة القانون وإقامة دولة الحق والقانون، يغني عن التعاليم الدينية ويحقق مقصودها بشكل أكثر نجاعة وفاعلية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت