فهرس الكتاب

الصفحة 1203 من 1942

وظهر ظلم الإنسان للإنسان، والاعتداء عليه، طوال التاريخ في صور عديدة، وتحت شعارات مختلفة، ولأسباب متنوعة، داخلية وخارجية، عرقية وعنصرية، أخلاقية ومالية، دينية واقتصادية، وخاصة في العصور المظلمة في أوروبا، المسماة بـ (العصور الوسطى) ، مع غياب العقيدة الصحيحة، والدين الحق، والشريعة السمحاء.. وتكرر الدمار والإبادة للإنسان من أخيه الإنسان، في القرن العشرين في عدة حروب، ثم كانت الحرب المدمرة الفتاكة الأولى في القرن الحادي والعشرين، وقد يتفاقم الظلم والعدوان في إطار الأسرة الواحدة.

وقام المفكرون والمصلحون في أوروبا خاصة، وفي العالم عامة، يحذرون من هذا الظلم والعدوان، ويدعون للاعتراف بحقوق الإنسان، حتى ظهر لأول مرة إعلان حقوق الإنسان في فرنسا، عام 1789م. ولكنه اقتصر على الدعاية، وكان مجرد شعار، لكنه ترك أثره في توعية الأفراد والشعوب، حتى صدر الإعلان العالمي لحقوق الإنسان عام 1948م، ثم الاتفاقية الدولية بشأن الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، والاتفاقية الدولية بشأن الحقوق المدنية والسياسية عام 1966م، وظهرت منظمات حقوق الإنسان.

ومع غياب الوعي الإسلامي الشامل خلال القرنين الماضيين، وتخلف المسلمين، وإلغاء تطبيق الشريعة الإسلامية في معظم البلاد الإسلامية، وفرض الفكر الأجنبي، والغزو الثقافي والقوانين المستوردة، اختل وضع المواطن المسلم، وظهرت انتهاكات الحقوق، وارتفع على الأفق السؤال والاستفسار عن حقوق الإنسان في الإسلام، فنهض العلماء والدعاة والمصلحون لبيان تكريم الله للإنسان، وأن الشرع الحنيف جاء -أصلًا- من أجل الإنسان، وأن مقاصد الشريعة المقررة أساسًا هي المنطلق الرئيس لإنسانية الإنسان، وهي المرجعية الوحيدة لحقوق الإنسان، وهذا يستدعي العودة أولًا لحظيرة الدين، لينعم الإنسان بظلال الشريعة الوارفة، ويمارس عمليًا حقوق الإنسان، ويطبقها فعلًا وليس دعاية وشعارًا.

وهذا موضوع البحث في هذه الورقات المعدودة، لنذكّر بمقاصد الشريعة، وما تحتويه من حقوق، وما تتضمنه من التزام حقيقي بذلك، دون الوقوف وراء النصوص البراقة، والدعايات الخادعة، والمتاجرة بالمبادئ، والكيل بمكيالين، والتستر وراء منظمات حقوق الإنسان، لتسويق السموم والأهداف الاستعمارية الفكرية والثقافية والاقتصادية والسياسية، للتأكيد أن الله تعالى قرر حقوق الإنسان لخلقه، وبيّنها في شرعه، وجعلها واجبات دينية فرض أداءها على العباد، لتأخذ طريقها للتطبيق الصحيح، مع الثواب لفاعلها، والعقاب الديني والدنيوي لمن يتجاوزها أو ينتهكها.

ونسأل الله التوفيق والسداد، وعليه التكلان.

مفهوم المقاصد:

المقاصد لغة: جمع مَقْصَد، من قصد الشيء، وقصد له، وقصد إليه قصدًا، من باب ضرب، بمعنى طلبه، وأتى إليه، واكتنزه، وأثبته.. والقصد: هو طلب الشيء، أو إثبات الشيء، أو الاكتناز في الشيء، أو العدل فيه [1] .

ومقاصد الشريعة في اصطلاح العلماء هي: الغايات والأهداف والنتائج والمعاني التي أتت بها الشريعة، وأثبتتها في الأحكام، وسعت إلى تحقيقها وإيجادها والوصول إليها في كل زمان ومكان [2] .

تحديد مقاصد الشريعة:

إن الله تعالى خلق الإنسان على أحسن تقويم، وكرّم بني آدم غاية التكريم، وفضلهم على سائر المخلوقات، وسخر لهم ما في الأرض جميعًا وما في السموات وجعلهم الخلفاء في الأرض.

وإن الله تعالىلم يخلق الإنسان عبثًا، ولم يتركه سدى، وإنما أرسل له الرسل والأنبياء، وأنزل عليهم الكتب والشرائع، إلى أن ختم الله الرسل بسيدنا محمدصلى الله عليه وسلم: (( رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيّينَ ) ) (الأحزاب:40) ، وختم الكتب والشرائع بالقرآن العظيم وشريعة الإسلام، فأكمل به الدين: (( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى وَرَضِيتُ لَكُمُ الأسْلاَمَ دِينًا ) ) (المائدة:3) .

وتهدف هذه الشريعة إلى تحقيق السعادة للإنسان في الدنيا لتحقيق خلافته في الأرض، فجاءت أحكامها لتأمين مصالحه، وهي جلب المنافع له، ودفع المضار عنه، فترشده إلى الخير، وتهديه إلى سواء السبيل، وتدله على البر، وتأخذ بيده إلى الهدي القويم، وتكشف له المصالح الحقيقية، ثم وضعت له الأحكام الشرعية لتكون سبيلًا ودليلًا لتحقيق هذه المقاصد والغايات، وأنزلت عليه الأصول والفروع لإيجاد هذه الأهداف، ثم لحفظها وصيانتها، ثم لتأمينها وضمانها وعدم الاعتداء عليها.

وحدد العلماء مقاصد الشريعة بأنها تحقيق مصالح الناس في الدنيا والآخرة، أو في العاجل والآجل، قال العز بن عبد السلام رحمه الله تعالى: «اعلم أن الله سبحانه لم يشرع حكمًا من أحكامه إلا لمصلحة عاجلة أو آجلة، أو عاجلة وآجلة، تفضلًا منه على عباده» ، ثم قال: «وليس من آثار اللطف والرحمة واليسر والحكمة أن يكلف عباده المشاق بغير فائدة عاجلة ولا آجلة، لكنه دعاهم إلى كل ما يقربهم إليه» [3] .. ومصالح الناس في الدنيا هي كل ما فيه نفعهم وفائدتهم وصلاحهم وسعادتهم وراحتهم، وكل ما يساعدهم على تجنب الأذى والضرر، ودفع الفساد، إن عاجلًا أو آجلًا.

وقد وردت الأحكام الشرعية لجلب المصالح للناس، ودفع المفاسد عنهم، وأن كل حكم شرعي إنما نزل لتأمين أحد المصالح، أو لدفع أحد المفاسد، أو لتحقيق الأمرين معًا.

وما من مصلحة في الدنيا والآخرة إلا وقد رعاها المشرع، وأوجد لها الأحكام التي تكفل إيجادها والحفاظ عليها.

وإن الشرع الحكيم لم يترك مفسدة في الدنيا والآخرة، في العاجل والآجل، إلا بينها للناس، وحذرهم منها، وأرشدهم إلى اجتنابها والبعد عنها، مع إيجاد البديل لها [4] .

والدليل على ذلك الاستقراء الكامل للنصوص الشرعية من جهة، ولمصالح الناس من جهة ثانية، وأن الله لا يفعل الأشياء عبثًا في الخلق والإيجاد والتهذيب والتشريع، وأن النصوص الشرعية في العقائد والعبادات، والأخلاق والمعاملات، والعقود المالية، والسياسة الشرعية، والعقوبات، وغيرها، جاءت معللة بأنها لتحقيق المصالح ودفع المفاسد.

فالعقيدة بأصولها وفروعها جاءت لرعاية مصالح الإنسان في هدايته إلى الدين الحق، والإيمان الصحيح، مع تكريمه والسمو به عن مزالق الضلال والانحراف، وإنقاذه من العقائد الباطلة، والأهواء المختلفة، والشهوات الحيوانية، فجاءت أحكام العقيدة لترسيخ الإيمان بالله تعالى، واجتناب الطاغوت، ليسمو الإنسان بعقيدته وإيمانه إلى العليا، وينجو من الوقوع في شرك الوثنية، وتأليه المخلوقات من بقر وقرود، وشمس وقمر، ونجوم وشياطين، وإنس وجن، ويترفع عن الأوهام والسخافات والخيالات، والأمثلة على ذلك واضحة وصريحة وكثيرة، من التاريخ القديم والحديث، ومذكورة في النصوص الشرعية.

وفي مجال العبادات وردت نصوص كثيرة تبين أن الحكمة والغاية من العبادات إنما هي تحقيق مصالح الإنسان، وأن الله تعالى غني عن العبادة والطاعة، فلا تنفعه طاعة ولا تضره معصية، وأن العبادات تعود منافعها للإنسان في كل ركن من أركانها، أو فرع من فروعها، والنصوص الشرعية صريحة في ذلك وكثيرة.

وفي المعاملات بيّن الله تعالى الهدف والحكمة منها، وأنها لتحقيق مصالح الناس بجلب النفع والخير لهم، ودفع المفاسد والأضرار والمشاق عنهم، وإزالة الفساد والغش والحيف والظلم من العقود، لتقوم على المساواة والعدل بين الأطراف.

وتتجلى مصالح العباد في تحريم الخبائث والمنكرات لدفع الفساد والضرر عن الإنسان، وحمايته من كل أذى أو وهن.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت