فهرس الكتاب

الصفحة 1215 من 1942

فالحسبة الرسمية التي تخضع لسيادة الدولة، كما قال ابن خلدون، هي وظيفة دينية من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، الذي هو فرض على القائم بأمور المسلمين (الإمام) ، حيث يعين لذلك من يراه أهلًا لها يسمى «المحتسب» ، وهو يقوم باتخاذ الأعوان والمساعدين للقيام بتلك المهمة [20] . وقال ابن القيم: «جرت العادة بإفراد هذا النوع بولاية خاصة، كما أفردت ولاية المظالم بولاية خاصة، والمتولي لها يسمى والي المظالم... والمتولي لفصل الخصومات وإثبات الحقوق والحكم في الأنكحة والطلاق والنفقات وصحة العقود وبطلانها المخصوص باسم الحاكم والقاضي» [21] ، وهي فرض عين على كل من الإمام والمحتسب.

وتختص ولاية الحسبة بالحكم بين الناس في القضايا التي لا تحتاج إلى دعوى وبينات، فيبحث المحتسب عن المنكرات الظاهرة، ويعزّر ويؤدب على قدرها، ويحمل الناس على المصالح العامة في المدينة، مثل: إقامة الصلوات، والمنع من المضايقة في الطرقات، ومنع الحمالين وأهل السفن من الإكثار في الحمل، والحكم على أهل المباني المتداعية للسقوط بهدمها، وإزالة ما يتوقع من ضررها على السابلة، والضرب على أيدي المعلمين في المكاتب (المدارس) وغيرها في الإبلاغ عن ضربهم للصبيان المتعلمين، ومنع البائعين من الغش و التدليس والتطفيف في المكاييل والموازين، ويتفقد أحوال الصناع الذين يصنعون الأطعمة والملابس والآلات، فيمنعهم من صناعة المحرم على الإطلاق، كآلات الملاهي، وثياب الحرير للرجال، ويمنع من اتخاذ أنواع المنكرات، ويمنع صاحب كل صناعة من الغش في صناعته، ويمنع من إفساد نقود الناس وتغييرها... وغيرها مما يدخل في الإنكار على أرباب الغش في المطاعم و المشارب والملابس. فإن هؤلاء يفسدون مصالح الأمة. والضرر بهم عام لا يمكن الاحتراز منه. فعليه أن لا يهمل أمرهم، وأن ينكل بهم أمثالهم [22] .

ولا تقتصر اختصاصات المحتسب على الاحتساب على أصحاب المهن الحرة، وإنما تتعدى ذلك إلى الولاة والقضاة، كما ذكر ابن بسام وغيره من المصنفين في الحسبة [23] . ولهذا يشترط في المحتسب أن يكون عدلًا ذا رأي وصرامة وهيبة وعلم بالمنكرات وغير ذلك. كما ذكر الماوردي وغيره: «الحسبة موضوعة للرهبة، فلا يكون خروج المحتسب إليها بالسلاطة و الغلظة تجوزًا فيها ولا خرقًا» [24] .

وأما الحسبة التطوعية أو غير الرسمية «الأهلية» ، فهي التي طلبتها الشريعة الإسلامية من المكلفين، لأن المسلم مكلف بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وهي فرض كفاية. ويطلق الفقهاء على من يقوم بهذه الحسبة: «المتطوع» [25] فهو يقوم بها من دون تعيين، ولا تولية من ولي الأمر، وإنما يستند في القيام بها على الواجب الديني الملقى على عاتقه، وهو واجب عام يرتبط بالوسع، ويؤديه كل مسلم حسب طاقته وقدرته، كما قال ابن القيم [26] : «وهذا واجب على كل مسلم قادر، وهو فرض كفاية... فإن مناط الوجوب هو القدرة، فيجب على القادر ما لا يجب على العاجز» قال تعالى: (( فَاتَّقُواْ اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ ) ) (التغابن:16) ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا أمرتكم بأمر فائتوا منه ما استطعتم» [27] .

وتختلف صلاحيات المتطوع عن صلاحيات المحتسب المعين؛ لأن المعين يقوم مقام ولي الأمر في هذا العمل، فيجوز له أن يعزّر ويعاقب في المنكرات الظاهرة، بخلاف المتطوع، فلا يجوز له أن يعزّر ويعاقب في المنكرات الظاهرة، وإنما له النصيحة والوعظ والحوار والمجادلة وغير ذلك من الوسائل السليمة.

وإذا كان للمحتسب المعين أن يتخذ الأعوان والمساعدين للقيام بأعمال الحسبة، فإن للمتطوعين وآحاد الناس أن ينظموا أنفسهم ويكونوا الجمعيات والمؤسسات الأهلية للقيام بأعمال الحسبة التي تدخل في صلاحياتهم، ويؤيد ذلك قوله تعالى: (( وَلْتَكُن مّنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) ) (آل عمران:104) ، وقوله تعالى: (( وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ) ) (المائدة:2) .

ثالثًا: التأصيل الشرعي للحسبة:

إذا كانت الحسبة تمثل الرقابة العامة على المجتمع، فإن قاعدتها وأصلها هو: «الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر» ، كما قال ابن القيم: وهي صفة وصف الله بها هذه الأمة، وفضلها من أجل ذلك على سائر الأمم [28] . وتعد أدلة مشروعية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أدلة الحسبة. وفيما يلي بيان لذلك:

1-قوله تعالى: (( وَلْتَكُن مّنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) ) (آل عمران:104) .

2-وقوله تعالى: (( كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ) ) (آل عمران:110) .

3-وقوله تعالى: (( وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ ) ) (التوبة:71) .

4-وقوله تعالى، في وصية لقمان لابنه: (( يابُنَىَّ أَقِمِ الصلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الاْمُورِ ) ) (لقمان:17) .

5-وروى أبو سعيد الخدري رضي الله عنه، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: « من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان» [29] .

6-وعن حذيفة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر، أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عذابًا منه، ثم تدعونه فلا يستجاب لكم» [30] .

7-وعن ابن مسعود رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن أول ما دخل النقص على بني إسرائيل كان الرجل يلقى الرجل، فيقول: يا هذا اتق الله ودع ما تصنع، فإنه لا يحل لك، ثم يلقاه من الغد فلا يمنعه ذلك أن يكون أكيله وجليسه وشريبه وقعيده، فلما فعلوا ذلك ضرب الله على قلوب بعضهم» ، ثم قال: (( لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن بَنِى إِسْراءيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذالِكَ بِمَا عَصَوْا وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ(78) كَانُواْ لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ )) (المائدة:78-79) ثم قال: «كلا والله لتأمرن بالمعروف، ولتنهون عن المنكر، ولتأخذن على يد الظالم، ولتأطرنه على الحق أطرًا، أو تقصرنه على الحق قصرًا» [31] .

8-وعن أسامة بن زيد رضي الله عنهما، قال:سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقول: «يؤتى بالرجل يوم القيامة فيلقى في النار فتندلق أقتاب بطنه، فيدور بها كما يدور الحمار بالرحى، فيجتمع إليه أهل النار، فيقولون: يافلان مالك؟ ألم تكن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر؟ فيقول: بلى، قد كنت آمر بالمعروف ولا آتيه، وأنهى عن المنكر وآتيه» [32] .

9-وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إياكم والجلوس بالطرقات» قالوا: «يارسول الله مالنا من مجالسنا بد، نتحدث فيها. فقال: فإذا أبيتم إلا المجلس فأعطوا الطريق حقه» ، قالوا: وما حق الطريق يا رسول الله؟ قال: «غض البصر، وكف الأذى، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر» [33] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت