فالأساس الأول للضمان، لا يقتضي أكثر من ضمان إشباع الحاجات الحياتية والملحة للفرد، بينما يفرض الثاني إشباع الحاجات الكمالية أيضًا، لتصل بالفرد إلى مستوى الغنى. وفي كلا الضمانين تبدو عظمة الإسلام في تحقيق الحرية الجوهرية، وليس فقط الشكلية، عكس الحرية التي يقدمها المبدأ الرأسمالي كما مر معنا.
التكافل العام. وهو الأساس الأول للضمان الاجتماعي.
الحديث و الآية:"كلكم راعٍ، وكلكم مسؤول عن رعيته"]وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه[.
إنه المبدأ الذي يفرض فيه الإسلام كفاية"على المسلمين، ضمان بعضهم بعضًا في إشباع الحاجات الحياتية الضرورية للفرد، وفي حدود ظروف المسلم وإمكانياته، عن طريق الزكاة التي اعتبرها حقًا لهم، وليست مجرد هبة أو صدقة."
وعن أبي عبد الله الصادق (ع) :"إن الله عز وجل فرض في مال الأغنياء ما يسعهم، ولو علم أن ذلك لا يسعهم لزادهم، إنهم لم يؤتوا من قبل فريضة الله عز وجل، ولكن من منع من منعهم حقهم، ولو أن الناس أدوا حقوقهم لعاش الجميع بخير".
أي أن منع الناس من ممارسة حقهم، هو السبب في الفقر. وأن الثروة المنتجة من قبل الأفراد تشكل حجمًا كبيرًا يتجاوز حق المنتجين وحدهم، ويمتد إلى أصحاب الحق من المحرومين من العمل والإنتاج.
والمكلف في الإسلام لا يكمن في طائفة أو حزب أو دين، وإنما في أبناء المجتمع جميعًا"فالخلافة عامة". وهي الوجه الاجتماعي للعدالة الاجتماعية الإلهية التي نادى بها الأنبياء كافة. وإذا ما كانت"الوحدانية"تعني اجتماعيًا أن"المالك هو الإله الواحد"فإن العدالة"تعني أن هذه الملكية التي يختص بها الله لا تسمح باعتبارها عادلة بتفضيل فرد على آخر، ولا تعطي الحق لفئة اجتماعية على حساب فئة أخرى، ولكن تمنح الخلافة للمجموعة بكاملها."
وإن كان يحق للدولة أن تمارس حقها في إلزام المكلفين على دفع الزكاة، وامتثال ما يكلفون به بموجب الشرع، إلا أن الإسلام يهتم، لتحقيق أهدافه بالعامل النفسي، أكثر من اهتمامه باستعمال القوة والزجر. أي أنه يلجأ إلى الطريقة الإنسانية، والمفاهيم السامية التي أعطاها للحياة، عن طريق البث في المجموعة المكلفة عنه المشاعر النبيلة التي توجهها لتحقيق الأهداف.
وكلنا يعلم، أن المجتمعات الجاهلية كانت -شأنها شأن المجتمعات المسماة بالمتطورة الآن"لا تنظر للحياة إلا من خلال مرحلتها العابرة التي تنتهي بالموت، ولا تحقق ذاتها وسعادتها إلا بإشباع الغرائز والشهوات الحياتية. ولذا، فإن جمع المال لذاته وتكديسه والتنافس عليه، هو بالنسبة إليها الهدف الطبيعي الذي بموجبه يتمكن الإنسان أن يملأ حياته بالعظمة، وينتهي بها - من الناحية الكمية والمعنوية- على الوجه الذي يؤمن له الخلود على الأرض."
هذا المفهوم الذي تعطيه المجتمعات المادية للحياة، والدور الذي تنيطه بالمال، هما أسباب الجهود التي تبذلها لزيادة الدخل والغنى. كما أنها خلف كل تناقض، وكل نمط من أشكال الاستغلال.
ولكي يحرر الإسلام الإنسان من هذا المفهوم، ويقتله من قرارة نفسه، رفض أن يعطي للمال أية قيمة لذاته، ونهى عن تكديسه، ومحى عنه كل قوة تؤمن له الخلود والعظمة.
وهنا يبدو دور الدين وأثره في التوفيق بين الدوافع الذاتية والمصالح الاجتماعية العامة. فالدين هو الطاقة الروحية التي تستطيع أن تعوض الإنسان عن لذائذه الموقوتة التي يدعها في حياته على الأرض، أملًا في النعيم الدائم، وتخلق في تفكيره نظرة جديدة تجاه مصالحه، ومفهومًا عن الربح والخسارة، أرفع من المفاهيم التجارية المادية. فالعناء طريق اللذة، والخسارة لصالح المجتمع سبيل الربح، وحماية مصالح الآخرين تعني حماية مصالح الفرد في حياة أسمى وأرفع.
الآية: ] من عمل صالحًا فلنفسه، ومن أساء فعليها[.
ولذا، فقد جعل الإسلام الفرائض المالية (التكافل) بمثابة العبادات الشرعية التي تنبع من دافع نفسي، طلبًا لرضاء الله، والقرب منه.
فالدين إذًا، هو صاحب الدور الأساسي في حل المشكلة الاجتماعية عن طريق تجنيد الدافع الذاتي لحساب المصلحة العامة* بالترغيب تارة، والوعيد أخرى.
آ-عن طريق الترغيب:
فالإسلام -بصورة عامة- لا يرغم أحدًا بالقوة على تنفيذ تعاليمه: ] لا إكراه في الدين، لقد تبين الرشد من الغي[.
وعن طريق الترغيب، يقدم القرآن صورًا رائعة للربط بين المصالح الدنيوية والمصالح الأخروية.
الآيات: ]يومئذٍ يصدر الناس أشتاتًا ليروا أعمالهم، فمن يعمل مثقال ذرة خيرًا يرة، ومن يعمل مثقال ذرة شرًا يره[.
]من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها، ومن جاء بالسيئة فلا يجري إلا مثلها[ لقد حل الإسلام -في الواقع- قيمة العمل الصالح محل قيمة المال والغنى للخلود، وحض على التنافس فقط سعيًا لهذا الهدف. فمنح الإنسان الطمأنينة الحقيقية بأن خلوده لا يتحقق بتكديس الثروة، ولا باكتناز الأموال، وإنما بمقدار ما يقوم به من عمل صالح. فغير بذلك مفهوم الاستثمار: فبدلًا من اعتباره مبددًا لثروته ومقلصًا لنفوذه وخطرًا على مستقبله وخلوده، جعل منه -على العكس- ضمانًا لخلوده، وكعطاء بمقابل يزيد على عشر أضعافه.
الآيات: ]إن تقرضوا الله قرضًا حسنًا يضاعفه لكم[.
]مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة، والله يضاعف لمن يشاء، والله واسع عليم[.
فحياة الإنسان على الأرض إذًا، هي بمثابة الاختبار الذي يجتازه الإنسان أمام الخالق، فمن اجتازه بنجاح كان جديرًا بالخلود، ومن يفشل كان بمثابة العدم.
الآية: ]أفحسبتم أنما خلقناكم عبثًا [ (115-المؤمنون) أي أن الإنسان ليس بعابر سبيل أتى إلى هذه الأرض ليأكل ويشرب وينهب حياة الآخرين ويكدس الأموال ثم يموت..] وهو الذي يبدأ الخلق، ثم يعيده[ أي يعيده بالعاملين الذين نجحوا في الاختبار على الأرض.
والآيات التي تعدد انحراف الإنسان عن الغاية من خلقه كمكلف باستثمار خيرات الأرض، وحسن توزيع خيراتها لا تحصى، وهي تلفت النظر إلى انحراف الإنسان عن الهدف الذي كلفه به ربه من ناحيتين:
أولًا: امتناعه عن استثمار الخيرات بذاته، والتوقف بذلك عن الإبداع والابتكار.
ثانيًا: امتناعه عن القيام بتوزيع ما يفيض عليه من الخيرات على المحتاجين، سواءً كان المستغل فردًا، أو جماعة أو دولة..
ب-عن طريق الترهيب. وهو نادر جدًا في القرآن، كما ذكرنا
الآية: ]ويل لكل همزة لمزة، الذي جمع مالًا وعدده يحسب أن ماله أخلده كلا لينبذن في الحطمه، وما أدراك ما الحطمه، نار الله الموقدة، التي تطلع على الأفئدة، إنها عليهم مؤصدة، في عمدٍ ممدده[.
ففي هذه الآية، يهدد الله الإنسان الذي يكسب المال عن طريق الاستغلال والقوة (الهمزة واللمزة) والذي يجمعه لذاته ويجعل تكديسه الهدف منه (الذي جمع مالًا وعدده) والذي يعتبر هذا المال مخلدًا له في الحياة (يحسب أن ماله أخلده) ، يتوعده بجهنم (الحطمة) *
وفي حديث، أن الإمام جعفر قال:"أيما مؤمن منع مؤمنًا شيئًا مما يحتاج إليه، وهو يقدر عليه من عنده أو من عند غيره، أقامه الله يوم القيامة مسودًا وجهه، مزرقة عيناه، مغلولة يداه إلى عنقه، فيقال: هذا الخائن الذي خان الله ورسوله، ثم يؤمر به إلى النار".
وينتج عن ذلك: أن الكفاية هي في حدود الحاجات الشديدة، وشدة الحاجة تعني كون الحاجة حياتية، والحياة عسيرة بدون إشباعها.
الأساس الثاني للضمان الاجتماعي
واجب الدولة
"الإمام راعٍ وهو مسؤول عن رعيته"