د. محمد الجليند، أستاذ الفلسفة الإسلامية بكلية دار العلوم من العلماء المتميزين في مجال الفلسفة والثقافة والتراث الإسلامي ومن المهتمين بقضايا تطوير الفكر الفلسفي الإسلامي والحوار مع الآخر. ونحن في هذه السطور نثير معه عدد من القضايا الثقافية والفكرية لنسترشد بعلمه.. ونسلط الأضواء على القضايا التي يجب أن يركز عليها الفكر الإسلامي في المرحلة الراهنة.
* كثر الكلام في هذه الأيام على الحوار مع الآخر الديني والثقافي والعرقي.. والتواصل بدلًا من القطيعة… ما هي الرؤية الإسلامية للحوار مع الآخر؟
** مبدأ الحوار مع الآخر مبدأ قرآني أمر به القرآن وطبقه رسول الله صلى الله عليه وسلم في حياته العملية وهذا المبدأ قد يصل إلى الواجب أحيانًا من باب مالا يتم الواجب إلا به فهو واجب، وهذا يدفع عن المسلمين تهمة الانغلاق ورفض الحوار مع الآخر. فالقرآن الكريم يقول [يا أهل الكتاب لم تحاجون في إبراهيم وما أنزلت التوراة والإنجيل إلا من بعده أفلا تعقلون. ها أنتم هؤلاء حاججتم فيما لكم به علم فلم تحاجون فيما ليس لكم به علم والله يعلم وأنت لا تعلمون] وعلى مستوى التطبيق العملي لهذا المبدأ لم تكن أول هجرة للمسلمين إلى مسلم بل كانت إلى النجاشي النصراني وذلك لمبدأ عام يبحث عنه المسلمون وهو العدل وأن هذا الرجل لا يظلم عنده أحد. وحينما هاجر الرسول إلى المدينة اتخذ ابن أريقط دليلًا له.. ولم ينجب رسول الله ولدًا إلا من مارية القبطية. ومات رسول الله صلى الله عليه وسلم ودرعه مرهونة عند يهودي. والحوار لما كان بأيدي المسلمين وهم أصحاب القوة والحضارة كان له منهج ومقاصد وقواعد.. فكان يقوم على أن الحكمة ضالة المؤمن أينما وجدها فهو أحق بها. فالمسلم أحرص الناس على الحكمة حتى ولو كانت على لسان كافر بدينه لأن الحكمة في حد ذاتها حقيقة.
والمسلم في حواره مع الآخر مأمور بأن يقول الحق لقوله تعالى: [وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر] فلا يفرق المسلم بين الناس على أساس ديني. ويحكم المسلم كذلك في حواره مع الآخر أنه لا يعرف الحق بالرجال وإنما يعرف الحق أولا ثم يعرف أهله ثانيًا. ثم إنه ليس من وظيفة المحاور أن يضمن ولاء الذي يحاوره أو إيمانه بقضيته وإنما وظيفته أن يبين الحق ويوضحه ويبين ما أحاط به من شكوك ثم بعد ذلك [فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر] .
والحوار في الإسلام أساسًا يتم بالكلمة والموعظة الحسنة وحينما يكون الحوار بغير الكلمة فإننا ننتقل إلى موضوع الجهاد وهو محكوم بضوابط ومقيد بقيود تحكمه فلا يتم قتال إلا من يحمل السلاح ضد المسلمين فلا يقتل شيخ كبير ولا امرأة ولا طفل ولا تحرق أو تهدم أماكن العبادة ولا تحرق أو تهدم أو تنهب البيوت ولا تقطع الأشجار.. فلم يعرف عن المسلمين عبر التاريخ أنهم ارتكبوا مجازر ضد المدنيين. أما غير المسلمين فقد فعلوا ذلك مرارًا وتكرارًا ومازالوا يفعلونه في البوسنة وفلسطين والشيشان وكوسوفا ولبنان وأفغانستان وغيرها.
* المستشرقون في الغرب، ومن هم على شاكلتهم من المسلمين المهزومين، يقولون إن الإسلام ليس فيه حوار وإنما هو غزو واستعمار وقتل وفرض للآراء بالقوة. كيف نرد على هؤلاء؟
** هذا تزييف وتزوير.. لكن الصحيح هو أن الحروب الصليبية الاستعمارية الحاقدة التي شنها الغرب المتعصب ضد العالم الإسلامي تمخضت عن حركة صليبية فكرية مخالفة للدين المسيحي الذي هو دين ود وإخاء.. بينما الحركة الصليبية استكبار وحقد وطغيان ورفض للآخر. وهذه الحركة الفكرية استطاعت أن تعمل عملها خلال القرون الثلاثة الماضية حيث وقعت مشروع نهاية العالم الإسلامي.. حيث تم وضع نحو مائة مشروع أوروبي لإسقاط الخلافة العثمانية وكان لإنجلترا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا نصيب الأسد في وضعها وانتهت بوضع هرتزل في رأس السهم الذي اتخذ من يهود الدونمة مؤسسة لإسقاط الخلافة. وهكذا نعرف الفرق الشاسع بين لغة الحوار لما كان الأمر بأيدي المسلمين حيث قام الحوار على أساس احترام دين الآخر وعقيدته وخصوصيته.. إلا أن الآخر لم يعرف تجاهنا إلا الاحتلال والحروب الصليبية والاستعمار الحديث وزرع إسرائيل في جسدنا. ولغة الحوار التي يجيدها هذا الآخر هي الاستكبار والعنف والفرض والإذعان وينطلق في علاقته بالآخر ليس من أرضية الندية والتكافؤ والمساواة ولكن من أرضية الاستعلاء وإملاء الآراء. وحينما احتل الغرب ديار المسلمين كانت تصرفاته المتعلقة بالأمور الثقافية والتعليمية تنم عن منهجه في الحوار مع هذا الآخر. لقد عمل بكل طاقته على تغيير المناهج الدراسية وتفريغها من أي محتوى يركز على خصوصيتنا الإسلامية وعقيدتنا.. وعمل على تفريخ أجيال تابعة له تتحدث باسمه ومنهزمة فكريًا ونفسيًا ومبهورة به.
وهناك مثال حديث لهذا الحوار وهو ما سمي بالحوار بين الشمال والجنوب الذي فشل فشل ذريعا لسبب بسيط وهو أن الغرب لا يريد أن يسمع إلا نفسه ولا يريد أن يدفع ثمن امتصاصه لثروات العالم. وفي أثناء مؤتمر قمة الأرض في ريودي جانيرو بالبرازيل منذ سنوات طلبت دول العالم الثالث مبلغ 125 ميار دولار كمساعدات.. إلا أن الغرب لم يقدم إلا 7 مليار فقط، ثم تهرب بعد ذلك.
* يحاول الغرب أن يصور الإسلام بأنه دين الجهل والدجل والخرافة.. ولذلك يصدر لنا مفاهيم مثل التنوير والتقدمية. أما العلمانيون في بلادنا فيقولون إن المسلمين لم يهتموا قديمًا بنقل الفلسفة الأوروبية التي كان يمكن أن تكون سببًا في العقلانية والحداثة.. كيف نرد على هذا الكلام؟
** حينما بدأ المسلمون في ترجمة حضارات العالم وعلومهم ومنها: العلوم اليونانية الغربية كان لهم موقف متميز من هذا النقل فتحفظوا في نقل العلوم التي تتصل بالحكمة والفلسفة لأن هذه العلوم تتصل بهوية الأمة وخصوصيتها وعقيدتها أي تصورها عن الله وعن الأنبياء وعن الإنسان وعن العلاقة بين الله والإنسان. أما العلوم الطبيعية كالطب والفلك والرياضيات فلم نجد عالمًا مسلمًا تحفظ في نقلها. إن المسلمين كانوا أذكياء فمقياس تقدم الأمم الآن لا يقاس بطول باعهم في الأدب أو الفلسفة وإنما يقاس بمدى تقدمهم في العلوم الطبيعية. وهكذا ميز المسلمون بين العلوم الطبيعية وهي علوم الحضارة وبين العلوم الخاصة بخصوصية الأمة. وعدم اهتمام المسلمين بالعلوم الفلسفية التي تضئ العقل كما يقولون ليس عملًا سلبيًا يحسب عليهم ، وإنما هم ردوا هذه العلوم لا لأنها تضئ العقل ولكن لأنها تسلب الأمة ذاتيتها وعقيدتها وخصوصيتها. والغرب بخبثه يريد أن يصدر لنا الصراع الذي كان عندهم ولا يزال بين العلم والدين.. فهم يتصورون أن هذا الصراع الذي كان عندهم بين العلم وبين الكنيسة وانتهى إلى إزاحة الكنيسة تمامًا عن الحياة يمكن أن يطبق على الإسلام أيضا ولهذا يصدرون لنا مفاهيم التنوير والتقدمية التي يجب كي تتحقق أن تزيح الإسلام عن كل أمور الحياة.
وهذا خطأ واضح لأن الإسلام لا يصادم العلوم على الإطلاق بل إنه هو الذي احتضنها ونمت هذه العلوم في كنفه. ثم إن المعركة في أوروبا كانت بين جهابذة العلماء من أمثال نيوتن وجاليليو وكوبر نيقس الذين جاءوا بعلم غير مجرى حياة العالم وكانوا على حق فيما ذهبوا إليه ولكنهم واجهوا الاضطهاد والإعدام من الكنيسة. أما عندنا فإن الذين يثيرون الصدام مع الإسلام هم مجموعة من أدعياء العلم والمسوخ المشوهة الذين لا صلة لهم بعلم ولا بأدب.
* هل تعتقد أننا نعاني من أزمة في الثقافة والفكر؟