والخطأ الرابع أن العراق نفسه لم يتم تحويله إلى الديمقراطية، فالدستور تمت صياغته بأيدي الأمريكان، وتم فرضه على العراقيين، في استفتاء مشكوك فيه. كما أن العملية السياسية الدائرة فيه هي مجرد تمثيليات ومخططات لتقسيم العراق ونهب ثرواته، أدت إلى حرب أهلية أكلت وتأكل الأخضر واليابس في هذا البلد الغني. وفوق ذلك لم تحقق هذه السياسات للمواطن العراقي أي شيء على صعيد ضمان الأمن، والخدمات وأبسطها المياه والكهرباء، وإنما أصبح المواطن العراقي أتعس إنسان في العالم. والعجيب أن القوم يتبجحون ويقولون إن العراق أصبح مثالًا يحتذى.
ومن الأخطاء الفرعية في الملف العراقي، أن الإدارة الأمريكية لم تمتلك إستراتيجية واضحة للتعامل مع كل الأطياف العراقية بعد سقوط نظام صدام، وانحازت لأصدقائها السابقين من الشيعة والأكراد، مما دفع بقطاعات واسعة من السنة لحمل السلاح ضد الوجود الأمريكي، وللتعبير عما أصابهم من ظلم وتهميش.
ومن الأحلام التي كانت مسيطرة على عقول جنرالات الحرب الأمريكيين، الاعتقاد بأنه ما أن يسقط نظام صدام حتى يتحول العراق في فترة قصيرة إلى الديمقراطية، ويتم حل كل مشاكل بلاد الرافدين المعقدة. وقد علم الجميع بعد ذلك مدى سذاجة هذا التفكير الذي قاد إلى تدمير العراق وتفكيكه.
وقد ارتكب الأمريكان خطيئة حرمان العراق من قياداته عندما أبعدوا معظم المسئولين البعثتين، وركزوا على الانتخابات وكتابة الدستور، ولم يوفروا خبرات قوية للوزارات الأساسية مثل الدفاع والداخلية، كما اعتمدوا على خبرات ضعيفة تنظيمًا على مستوى المحافظات.
استفزاز العنف الإسلامي
أما الخطأ الخامس فقد كان من النتائج المباشرة لهذه الحرب، وهو اتجاه طلاب وشبان مسلمين يعيشون في الغرب نفسه نحو التطرف . فقد أجريت دراسة علي طلاب وشبان مسلمين في الجامعات السويدية وبعض الجامعات الأوروبية , وأشرف عليها ماجنوس رانستورب الأستاذ في كلية الدفاع السويدية، وخلصت الدراسة إلى أن الطلاب المسلمين المقيمين في أوروبا يتجهون إلى التطرف كرد فعل على الاستهداف الأمريكي الغربي للبلاد العربية والإسلامية.
لكن عيب هذه الدراسة هو عزل العينة التي أجريت عليها الدراسة عن المؤثرات الأكثر أهمية عليها , مثل تعرض شعوب عربية وإسلامية لظلم شديد يثير غضبا قد يشتد ويصل إلي مستوي الاندفاع صوب الانتقام ممن يحملهم الغاضبون المسئولية عن هذا الظلم وتجلياته اليومية في فلسطين والعراق وأفغانستان...الخ .
إلا أن الدراسة تشير إلى نقطة هامة وهي أن السياسات الأمريكية التي تدعي تخليص العالم من التطرف الإسلامي، سوف تكون هي السبب الرئيسي الذي يدفع قطاعات متزايدة من الشباب المسلم لممارسة العنف ضد المصالح والأهداف الغربية، كرد فعل مباشر للتطرف الأمريكي ضد العرب والمسلمين.
وهناك الآن قطاع متزايد من المثقفين الأمريكيين يعتقدون أن التفكير والمنهج والفلسفة التي قاد بها المحافظون الجدد حربهم ضد ما يسمي بـ'الإرهاب' كان خطأ كبيرًا جعل تلك المأساة بداية لمآسي أخري لا نهاية تلوح في الأفق لها بدلًا من أن تكون بداية لمرحلة جديدة من النظر في لب المشكلة والبحث عن حلول لها. فأصل المشكلة نتج عن التدخل الأمريكي المباشر في شؤون الدول الإسلامية، وهو أمر لا يعالج بمزيد من التدخل السافر في عدوانيته وتبجحه.
ولقد كان استمرار العدوان الأميركي على العرب والمسلمين وزيادة حدة العمليات العسكرية والجرائم الإنسانية والأخلاقية التي ارتكبت بحقهم في العراق وفلسطين ولبنان سببا في تصاعد موجة العداء لأميركا، سياسة وثقافة ومصالح.
وكان السبب أيضًا قي تنامي كراهية العرب والمسلمين عامة للسياسة الأميركية، ورفضهم لخططها وأطماعها في المنطقة العربية. وعلى الرغم من قيام إدارة الرئيس بوش بحملة إعلامية ودبلوماسية مكثفة ومكلفة لتحسين صورة أميركا في البلاد العربية والإسلامية، إلا أن الجهود الأميركية باءت بالفشل، بل وساهمت أيضا في تعميق الشكوك في مصداقية بوش وعقلانية سياساته.
ومن العوامل التي ساهمت في تعميق تلك الشكوك، اتجاه الرئيس بوش إلى استخدام عبارات عدائية تفتقر إلى الذكاء والحساسية مثل عباراتي الحرب الصليبية والإسلام الفاشي، وتناقض أقواله مع أفعاله، وعدم التزامه بما يصدر عن إدارته ورجاله من تصريحات، خاصة فيما يتعلق بقضية فلسطين وحقوق شعبها المحتل.
وسادسًا، فإنه من أخطاء حرب المحافظين الجدد التي ليس لها سقف ولا زمان ولا مكان، تلك الخسائر الاقتصادية الكبيرة للاقتصاد الأمريكي، فقد تصاعد الإنفاق العسكري الأمريكي بمعدل خمسين مليار دولار سنويًا [من 265 مليار في عام 2002 إلي 535 مليار في العام الماضي] ، وحسب المصادر الأمريكية نفسها فإن ما تم إنفاقه علي الحرب علي الإرهاب خلال الأعوام الخمس الماضية بلغ 437 مليار دولار. أما الخسائر البشرية فقد بلغت في العراق وحده أكثر من 2600 جندي قتلوا وأكثر من 62000 أصيبوا بعاهات جسدية أو نفسية من جراء الحرب.
وسابعًا، فإن إدارة بوش الابن أيضًا في حربها البائسة هذه، ارتكبت أسوأ أنواع احتلال وقهر الأمم والشعوب، وهذا من شأنه على المدى الطويل الإساءة للإنسان الأمريكي. فهذا النوع من التدخل أسوأ من الاستعمار القديم، لأن الاستعمار القديم كان يهتم بالاستيلاء علي الأرض والموارد بينما يدع الناس وشأنهم، خاصة فيما يتعلق بدينهم وثقافتهم. ولكن الاستعمار الأمريكي الجديد جاء بأجندة محددة لتغيير البنية السياسية والثقافية للبلاد المحتلة.
ترويج المفاهيم والمصطلحات المطاطة
والخطأ الثامن أن الولايات المتحدة، ومعها الغرب كله، لم تحاول تحديد مفهوم واضح للإرهاب يجعل بالإمكان التفرقة بين العمليات الإرهابية غير المشروعة ضد الأبرياء وعمليات المقاومة الوطنية المشروعة ضد قوى الاحتلال والطغيان الأجنبية. وجاءت أحداث الحادي عشر من سبتمبر لتظهر أن الدول الغربية عامة، وأميركا خاصة، لم تكن معنية كثيرا بحق الشعوب المضطهدة في الحرية والتحرير ومقاومة قوى الاحتلال الأجنبية. ولذلك اتجهت تلك الدول بقيادة أميركا إلى الخلط المتعمد بين مفهومي الإرهاب والمقاومة، وذلك من أجل تجريم وتحريم كل عمليات المقاومة المشروعة باعتبارها عمليات إرهابية.
ففي بداية الحملة العسكرية في الحرب على الإرهاب قامت أميركا بتوجيه التهم للعرب والمسلمين عامة بكراهية الغرب والعمل على تدمير حضارته وطريقة حياته، من أجل ضمان تأييد الرأي العام الغربي للحرب الأميركية.
وهذه كلها أخطاء في الثقافة والسياسة والمنهج ستدفع ثمنها الولايات المتحدة، ومعها الغرب كله، على المدى الطويل، وسوف يتسبب ذلك في تأكد الضمير العالمي من عدم حيدة وموضوعية الغرب.
والخطأ التاسع أن بوش الابن قام بتدمير جسور الثقة مع العرب والمسلمين، مما ساهم في زيادة تعاطف الجماهير الإسلامية عامة والعربية خاصة مع المنظمات التي تعمل على نشر ثقافة مقاومة الهيمنة الأميركية، وسياسة الاحتلال والاستيطان الإسرائيلية، ومفاهيم العولمة الاقتصادية والثقافية.