ومن هذه التوجيهات الراشدة عرف المسلمون الأوائل خصائص التفكير العلمي ووضح ذلك في أبحاثهم فرأينا تحريراتهم العلمية الرائعة ووجدنا تميز تفكيرهم بالنباهة والموضوعية، كما وجدنا عندهم دقة في صياغة المفاهيم العلمية وتفسيرهم الواضح للظواهر التي يلاحظونها وفروضهم العلمية الدقيقة.
وكانوا يحاولون الوصول إلى تعميمات أكثر دقة من خلال اختبارها عن طريق أساليب الضبط بالملاحظة والتجربة العلمية. وقد عرفوا تمامًا خاصية من أهم خصائص التفكير العلمي وهي التراكمية فاستفادوا من الدراسات السابقة وبدءوا من حيث انتهى الآخرون.
فالبحث العلمي حلقاته متراكمة متصلة، والمنهج العلمي عمل نقدي شاق ودقيق يهدف إلى الكشف عن معلومات جديدة، أو معرفة علاقات جديدة، أو محاولة الكشف عن حلول المشكلات العلمية الكبرى التي تشغل بال الباحثين.
وقد كان علماء المسلمين على معرفة تامة بخطوات المنهج العلمي، من حيث تحديد المشكلة، واقتراح الفروض التي تكشف سبب حدوث المشكلة، واختبار الفرض المقترح واستنباط نتائجه، فقدموا للإنسانية منهجا علميا متكاملًا فحققوا بذلك مقاصد العلم ودعوة الإسلام إلى التعلم.
ويشهد لهم أحد علماء الغرب وهو 'جون كايوا' فيقول: 'لقد اكتشف العرب في القرن الثالث الهجري طرقا جديدة للبحث العلمي وأثروا الحضارة الإسلامية بمعارف علمية شتى'.
دعوة الإسلام إلى تعلم اللغات
ومن أصول المنهج العلمي الإسلامي معرفة لغات الآخرين لكي يتم الاطلاع على علومهم وحضاراتهم ولكي يتم إقامة حوار معهم، ولهذا دعا الرسول المسلمين إلى الاقتباس من الأجناس الأخرى وتعلم لغاتهم. وأخذ صلى الله عليه وسلم بفكرة حفر خندق حول المدينة في غزوة الأحزاب وهي من أساليب الفرس التي أشار بها سلمان الفارسي.. كما استفاد من أسرى المشركين في محو أمية عدد من الصحابة، فزيد بن ثابت أحد كتاب الوحي كان ممن علمه أسرى قريش.
ولأن دعوة الإسلام للناس عامة وليست للعرب خاصة، فكانت الدعوة على تعلم اللغات دعوة أساسية.. وكان هناك من المسلمين من يعرف الفارسية والرومية والحبشية، ولكن لم يكن منهم أحد يعرف السريانية التي يكتب بها اليهود، فأمر رسول الله كاتب وحيه زيد بن ثابت ليتعلمها وقد علل رسول الله ذلك بقوله [إني والله لا آمن يهود على كتابي] أي لا آمنهم على أن يقرءوا ويكتبوا لي باللغة السريانية. فيتعلمها زيد بن ثابت في أسبوعين ببركة دعاء رسول الله له. صحيح أن زيدا كما يقول البعض كان قد عاش فترة مع اليهود ويعرف القليل عن السريانية لكنه لم يكن يتقنها ولم يحسن تعلمها إلا حينما أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم.
والعلم الحديث والعصر الحديث يثبتان أن تعلم اللغات الأجنبية شرط أساسي من شروط النهضة العلمية، وهذا إعجاز إسلامي في حد ذاته.
وضمن أسس المنهج العلمي الذي استخدمه رسول الله صلى الله عليه وسلم كان اعتماده على الوسائل التربوية المعينة على الشرح مما يساعد على إيضاح الموضوع.
فعن عبد الله بن مسعود قال [خط رسول الله صلى الله عليه وسلم خطا بيده وقال هذا سبيل الله مستقيما وخط عن يمنيه وشماله وقال هذه السبل ليس منها سبيل إلا عليه شيطان يدعو إليه ثم قرأ.. [وإن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه، ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله] ].
فرسول الله صلى الله عليه وسلم أراد أن يبين للمسلمين بوسيلة بسيطة وذلك برسم خط مستقيم ثم خطوط متعرجة عن اليمين والشمال لتوضح لهم معنى الآية الكريمة، وكثيرا ما كان يستخدم أسلوب الإشارة الحسية لتعليم الغافل ففي الحديث [التقوى هاهنا وأشار إلى صدره ثلاث مرات] .
وكان يعني بذلك القلب وهو محل التقوى.. وقوله لمعاذ بن جبل حين أوصاه بعدة وصايا ثم قال له: [ألا أدلك على ملاك ذلك كله قال بلى قال أمسك عليك هذا فأشار إلى لسانه الشريف] .
وعن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر بالسوق والناس على جانبيه، فمر بجدي صغير الأذن ميت فقال من منكم يريد أن يشتري هذا بدرهم فقالوا ما نحب أن يكون لنا وهو حي لأنه صغير الأذن فكيف وهو ميت فقال فو الله للدنيا أهون على الله تعالى من هذا عليكم].
الأمانة العلمية في المنهج العلمي الإسلامي
إن رسول الله يشير إلى منهج هام وهو الأمانة العلمية.. هذه الأمانة التي يفقدها حتى العلماء في هذا العصر، فكثير منا يأخذ صفحات من كتاب ولا ينسبها إلى صاحبها الأصلي، وهناك الكثير الذين يأخذون الفكرة من غيرهم وينسبونها لأنفسهم.
والرسول صلى الله عليه وسلم يقول في الحديث الصحيح: [تناصحوا في العلم فإن خيانة أحدكم في علمه أشد من خيانته في ماله، وإن الله سائلكم يوم القيامة] .
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلم أن هناك من سيأتي وينقل عن الآخرين ولا ينسب إليهم عملهم.. وهذا الحديث أساس من الأسس الهامة للبحث العلمي، فهو يعتبر أن نقل الأفكار وعدم نسبها إلى صاحبها خيانة وتعتبر أشد من سرقة المال، فنتاج العقل له حرمة يجب أن تصان، ومن أمانة العلم أن يقول العالم لا أعلم. وكثير منا يصعب عليه أن يقول لا أعلم، فالنفس الإنسانية في طبعها الكبر، وكثير من أهل العلم إذا سئلوا يفتون فورا خوفا من أن يقال عن أحد منهم إنه جاهل.
ففي الحديث: [قال رجل لرسول الله أي البلدان أحب إلى الله وأيها أبغض إلى الله فقال لا أدري حتى أسأل جبريل، فأتاه جبريل فأخبره أن أحب البقاع إلى الله المساجد وأبغضها إلى الله الأسواق] . ومما ورثه الفقه الإسلامي: 'من سئل فقال لا أعلم فقد أفتى'.
الإحصاء والتخطيط من أسس المنهج العلمي في الإسلام
إن من الوسائل العلمية الحديثة منهج الإحصاء والتخطيط العلمي، وعن حذيفة قال: [ كنا مع رسول الله فقال أحصوا لي كم يلفظ الإسلام من الناس قال حذيفة فقلنا ألف وخمسمائة من الناس] .
وهكذا كان رسول الله يحصي ويعد أمته وهذا منهج علمي عظيم.. وما عرف أن نبيا من الأنبياء استخدم منهج الإحصاء إلا رسول الله، وفي هذا إشارة إلى أهمية الإحصاء في حياة الأمة الإسلامية فيما بعد.
كما أن التخطيط أيضا منهج إسلامي، قال الإمام الطبري يرد على من زعم أن تعاطي الأسباب يؤثر في كمال التوكل على الله: 'الحق أن من وثق بالله وأيقن أن قضاءه عليه ماض لم يقدح في توكله تعاطيه الأسباب اتباعا لسنة رسول الله، فقد كان عليه الصلاة والسلام يلبس على رأسه المغفر ليحمي رأسه، وأقعد الرماة على فم الشعب لحماية الأماكن، وخندق حول المدينة، وأذن في الهجرة على الحبشة والمدينة، وهاجر، وتعاطى أسباب الأكل والشرب، وادخر لأهله قوتهم ولم ينتظر أن ينزل عيه من السماء وكان أحق الخلق أن يحدث له ذلك'.
وهكذا استخدم رسول الله منهج التخطيط وإعداد الخطة وكان يعد العدة لكل شيء.. فلم يختر الحبشة مكانا لهجرة المسلمين الأوائل إلا بعد تمحيص وتخطيط عظيمين، ولم يختر بلاد فارس ولا الروم، وإنما اختار الحبشة لوجود ملك عادل لا يظلم أحدًا.
كذلك خطط صلى الله عليه وسلم إلى الهجرة إلى المدينة فاختار الرفيق والدليل وأخذ بالأسباب، وكان صلى الله عليه وسلم يقول: [تداووا فإن الله لم يجعل داءً إلا جعل له دواء إلا داءً واحدًا قالوا ما هو يا رسول الله قال الهرم ، أي العجز والكبر والكهولة] .
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحارب الجهل والخرافات ويؤكد أنه ليس هناك كهانة وخرافات في الإسلام فقال: [من أتى عرافًا أو ساحرًا أو كاهنًا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد] .