فهرس الكتاب

الصفحة 1357 من 1942

** أود أن أحذر من قضية الاختلاف حول المصطلحات لأن هذه القضية دخيلة على الفكر الإسلامي من الجهات التي تحاول أن تشغل المفكرين بالشكليات على حساب الجوهر والمضمون.. وهذه نزعة معروفة في الفكر الغربي باسم النزعة اللفظية أي الغرق في التيه اللفظي فلا يجب أن نستسلم لها.. فالهدف هو إيجاد حالة من التناسق والتناغم بين حياة الفرد والمجتمع وبين الثوابت الإيمانية الإسلامية.. والأسلمة في هذا الصدد مقصود بها وضع إطار فكري قابل للتنفيذ العملي ومستمد من التعاليم الإسلامية.. ونحن نريد أن نحذو حذو أسلافنا عندما اطلعوا على الحضارات الأخرى فأخذوا منها ما يناسبهم واحتفظوا بخصوصيتهم الإسلامية فحققوا التواصل الحضاري، والتفاعل بين الثقافات.

* هل يمكن أن نقول إن هناك علوم مسلمة وعلوم غير مسلمة؟

** للإجابة على هذا السؤال لا بد من إيضاح أمرين: الأول أن ما يكتشف من علوم هي قوانين موجودة في الكون منذ خلقه الله تعالى.. واكتشاف هذه القوانين يجعله الله على أيدي من يشاء من عباده [كلًا نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك وما كان عطاء ربك محظورا] فإن كان الاكتشاف على يد كافر فهو حجة عليه وإن كان على يد مؤمن زاده الله إيمانًا.. الأمر الثاني أن التعريف العلمي للعلم لا يقتصر على اكتشاف القوانين العلمية.. فالقوانين موجودة قبل وجود الإنسان ولكن العلم لا تكتمل رسالته إلى بعد الاستفادة من تطبيقات هذه القوانين العلمية وتوظيفها لفهم العلاقة بين الله والكون والإنسان.. وهنا يأتي دور التوجيه الإسلامي للعلوم أو أسلمة العلوم.. فقد أراد الله للعلم أن يكون نافعا لخير البشرية ولإعمار الأرض ، فإذا حاد العلم عن هذا الطريق فإنه يحيد عن رسالته ومن ثم يجب أن نعود به إلى طريقه السوي.

* علومنا كلها تأتينا من الغرب ونحن مستهلكون لها فقط.. فهل تستقيم دعوى توجيه العلوم إسلاميا مع هذا الواقع المتخلف الذي نعيشه؟

** حقائق التاريخ تؤكد أن العلم ميراث مشترك للإنسانية كلها.. ساهمت في صنعه جميع الأمم على مر الأجيال والعصور وشاءت إرادة الله أن تنتقل مقاليد الحضارة من أمة إلى أخرى.. والتواصل والتفاعل الحضاري شرط أساسي لاستمرار الحضارة.. حتى الحضارة المادية المعاصرة لا يمكن أن تضمن لنفسها الاستمرار بمعزل عن حضارات الأمم المجاورة.. والحكمة ضالة المؤمن أينما وجدها فهو أحق بها والتفاعل والتكامل مع الحضارات الأخرى لا يقلل من رسالة إسلامية المعرفة بل هو من أهدافها.

* هل نستطيع أن نتبنى خططا تكنولوجية فعالة ومؤثرة في ظل إمكاناتنا الهزيلة وأحوالنا العلمية المتردية؟

** نحن بإمكاناتنا يمكن أن نتفوق في تقنيات كثيرة مثل تقنية الزراعة واستصلاح الأراضي ومقاومة التصحر، والأدوية، وإعادة دراسة الأعشاب الطبية، والسياحة، مع استفادتنا من التفوق الغربي في هذه المجالات.. وهذا أمل ممكن تحقيقه.. المهم في مراكز التدريب والتعليم الفني عالي المستوى.

* ونحن نتحدث عن تخلفنا العلمي.. ما هي - من وجهة نظرك- مقومات التقدم العلمي والتكنولوجي؟ وكيف نستطيع أن نمتلك ما نفتقده من تلك المقومات؟

** لحسن الحظ أن أمتنا الإسلامية مرت بتجربة حضارية رائدة قامت فيها النهضة العلمية على عوامل معروفة يأتي في مقدمتها تعاليم الإسلام الحنيف، واستخدام اللغة العربية، ونهضة حركة الترجمة، وتهيئة بيئة علمية صالحة للابتكار العلمي، سواء من حيث تكوين العقلية الإسلامية الرشيدة التي استطاعت أن تصطنع لأول مرة في تاريخ العلم منهجا علميا سليما تطورت بفضله كل العلوم الكونية التي نجني ثمارها اليوم، أو من حيث رعاية الحكام والمسئولين لقضية النهضة العلمية والتعويل عليها في تحقيق التقدم الحضاري. وفي إطار ما سبق يمكن صياغة نظرية علمية جديدة قادرة على تطوير الواقع الإسلامي في إطار الضوابط الإسلامية.

* تعريب العلوم.. هل يؤدي إلى خدمة البحث العلمي وازدهار العلوم، أم العكس؟

** ذكرنا أن الترجمة مقدمة ضرورية لأية نهضة حضارية.. هكذا فعل أسلافنا في عصر الحضارة الإسلامية، وهكذا فعل الأوروبيون في عصر النهضة الحديثة، وهكذا تفعل أية أمة تحاول النهوض من كبوتها، على نحو ما نجد في روسيا التي تدرس بالروسية، واليابان التي تدرس باللغة اليابانية، و'إسرائيل' التي تدرس بالعبرية.. هذه القضية مفروغ منها. كما أن اللغة العربية ترقى برقي أصحابها وتنحط بانحطاطهم.. لكن لغة القرآن صالحة لأن تكون لغة العالمية مثلما أن الإسلام دين العالمية. وأية دعوة لإسقاط اللغة العربية كمقوم حضاري من شأنها أن تساعد على إبقاء الأمة زمنًا أطول في مستنقع التبعية والتخلف.. ثم ما هي اللغة التي ندرس بها اليوم.. الدارس العائد من فرنسا يتحدث بعض الفرنسية والعائد من أمريكا يتحدث بعض الإنجليزية.. وتتوه اللغة في هذا الخضم.

* هل ترى أن أوضاع المسلمين السياسية لها تأثير على وضعهم العلمي؟

** هنا أعود مرة أخرى إلى عصر الحضارة الإسلامية عندما كان العلماء ينتقلون من بلد إلى آخر بحرية تامة دون أي تدخل من جانب السلطات السياسية، التي لم يكن الخلاف بين كياناتها في ذلك الوقت بأقل مما هو الآن، ثم لا بد أن نعترف أن العلم والتقدم العلمي لا يحظى بالاهتمام الأول في عالمنا الإسلامي.. وكلما تحدث كارثة نحاول استحضار العلم لبعض الوقت ثم ننساه بعد ذلك.. إن خطة قومية جريئة ومدعومة بالسلطة ومدروسة سيكون لها أثر كبير، حبذا لو كان هناك صحوة علمية في العالم العربي والإسلامي ككل وتنافس في هذا المجال الشريف. فالتخطيط العلمي لن تنفذه إلا سلطة سياسية، ولن تموله إلا سلطة سياسية، ولن تحميه وتدافع عن مكتسباته إلا سلطة سياسية.

* نحن كمجتمعات إسلامية لدينا مؤسسات شعبية وخيرية ولدينا أدوات خاصة مثل الزكاة والصدقة والوقف والهبة.. كيف يمكن توظيف هذه الأمور لإحداث نهضة علمية وتكنولوجية؟

** الأمة التي تنتظر لقمة العيش والملابس وكل شيء من الآخر، أمة غير جديرة بالحياة على هذه الأرض.. فما بالنا إذا كانت هذه الأمة هي الأمة الإسلامية.. وإذا سلمنا أن العلم والتقنية هما لحمة التقدم وسداه، فإن كل ما يصرف لدعم هذا العلم وتقدمه يأتي من قبيل إعزاز الدولة الإسلامية كما أرادها الله .. وهكذا يمكن أن ننفق على هذه المجالات من الزكاة والصدقات والوقف .. فبدلًا من أن يوقف الناس أراضيهم وعقاراتهم للسكن.. يمكن إقامة مشروعات لتنمية الابتكارات لرعاية الموهوبين وتدريب الشباب على أنماط تقنية عالية.

* في هذا الإطار هل توافق على أن علماءنا فضلوا المال والراحة والهجرة وتركوا بلادهم؟ وكيف يمكن توظيف هذه العقول لخدمة ما نتطلع إليه من تقدم علمي؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت