فهرس الكتاب

الصفحة 1359 من 1942

يرى د. محمد همام الفلسفة الإسلامية أن موضوع التأديب عمومًا يستخدم من أجهزة الدعاية المعادية للإسلام في غير موضعه. فالغرب من حيث المبدأ لا يرتب حقوقًا للزوج على الزوجة فنظام الزواج عندهم سواء كان دينيًا يتم في الكنيسة أو مدنيًا يتم في الشهر العقاري لا يرتب للزوج حقوقًا من قبل زوجته كما في الإسلام. والتأديب في الإسلام يتم في إطار حقوق الزوج من ناحية وفي إطار مسئولياته من ناحية أخرى. والإسلام لا ينظر للتأديب على أنه حق للزوج على الزوجة ولكن على أساس مسئوليته، فالزوج مسئول عن نظام الأسرة ومراعاة شئونها وتأديب أفرادها وضبط سلوكهم. في الغرب تنحصر مسئولية الزوج في الرعاية .. وهذه الرعاية عندهم مفهومها مبهم وغير محدد. ونتيجة لهذا الاختلاف الأساسي في المفاهيم يعتبر الغرب التأديب في حد ذاته امتهان للحقوق الإنسانية.

وإذا قال الغرب إن ضرب المرأة يسبب لها ضررًا فهل يتساوى هذا الضرر مع إباحة الشذوذ الجنسي للمرأة والذي يسبب لها ضررًا فعليًا حيث إنها لن تتزوج ولن تنجب أطفالًا ولن تروي أمومتها.

ويضيف د. محمد همام إن الفتاة لو تربت على خلق قويم وبأسلوب تربوي جيد فهذا سيجعلها تشعر بالمسئولية وسيبني شخصيتها على رجاحة العقل وبالتالي فحينما تتزوج فسوف يكون بينها وبين زوجها أرضية مشتركة ولن يحتاج الزوج في تقويمها إلى التوبيخ أو الضرب. أما إذا لم تحظ الفتاة بهذا القدر من التربية الإسلامية والخلق الإسلامي وكانت على قدر من المشاكسة والشراسة والنفور فإن التشاور والنصح الهادئ سوف يكون غير مجد، وبالتالي يضطر الزوج إلى الاختيار من البدائل الأخرى. والزوج العاقل لا يستخدم البدائل العنيفة أولًا بل يبدأ كما نصحه القرآن بالتدرج التصاعدي وينظر لطبيعة الزوجة وسلوكها وإلى أنجع الطرق للتعامل معها.

وينبه د. محمد همام إلى نقطة هامة وهي أن هناك فئة من الآباء والأزواج لا تلتزم بالفرائض والقيم الإسلامية فهم لا يصلون ولا يصومون ويشربون الخمر والمخدرات ويأتون السلوك الفاحش، وهؤلاء يضربون زوجاتهم وأولادهم ويحتجون بحقهم الشرعي. وبالتالي فنحن يجب أن نفرق بين رجل مسلم واع يلجأ إلى الرخصة الإسلامية بقدرها وفي وقتها وبشروطها وبين شخص آخر غير ملتزم بالإسلام ولكنه يستخدم الإسلام في تبرير سلوكه العدواني ضد زوجته وأولاده. فالضرب حالة استثنائية أي أنه يستخدم في حالات معينة ويمارس بقدره وبغرض الإصلاح. أما هؤلاء الفاشلون فيمارسون الضرب في كل وقت وبأسلوب عنيف وشرس ويهدفون إلى الإيذاء والإذلال والحط من كرامة الزوجة وليس بهدف الإصلاح.

انتقادات الغرب لنا يجب أن تزيدنا اعتزازًا بديننا

أما د. أحمد المحجوب أستاذ علم الاجتماع فيقول: إن للغرب أن يعتقد ما يشاء من العقائد وأن يتصرف بأي نوع من أنواع السلوك وأن يقيم مجتمعاته ونظمه كما يريد. فإذا شاء أن يجعل الأسرة عبارة عن امرأة تتزوج امرأة أو رجل يتزوج رجلًا أو رجل يتزوج امرأة ويعيش معه رجل آخر في المنزل فله ذلك. وإذا أراد أن يعطي الفتاة مطلق الحرية الجنسية بعد الزواج وقبله وكذلك الفتى وأن يجعل كما يحدث الآن للزوجة يومًا تترك فيه بيت زوجها لتذهب لصديقها وأن يجعل للزوج يومًا مثله فله ما يريد.

لكن المشكلة أن الغرب يريد أن يصدر إلينا هذه الأنماط المشوهة من العلاقات الاجتماعية ويجعلنا نؤمن بها وننفذها في بلادنا. إن الغرب في غيظ شديد من تماسك الأسرة المسلمة .. ويعلمون أنها أقوى الأسر تماسكًا في العالم، وهذا التماسك ناتج عن فلسفة إسلامية معينة في بنائها، ومنها حق الزوج في تأديب زوجته وأولاده.

وهذا الحق استثنائي ومشروط بشروط، فمن الأخطاء ما لا ينفع معها إلا الضرب.

إن الغرب وأتباعه في بلادنا كثيرًا ما يتهجمون على الإسلام ونحن ينبغي ألا نهتز من ذلك بل يزيد اقتناعنا بالإسلام الذي حفظ أسرنا ومجتمعاتنا هذه المئات من السنين، ولا ننتظر من غرب الحملات الصليبية والاستعمار الحديث وراعي الصهيونية أن يفعل غير هذا.

ويضيف د. أحمد المجدوب: إن أسلوب بناء الأسرة في الغرب سيكون هو نهاية الحضارة الغربية كلها، فحالات الطلاق وعدم الزواج وعدم الإنجاب والانصراف عن تكوين الأسرة والشذوذ. الخ. كل ذلك هو السوس الذي ينخر في عظم الحضارة الغربية وسوف يقوضها بأسرع مما نظن.

إن المرأة عندما تجد الضرب مشوبا ومصحوبا بحنان الضارب فهي حينئذ ستطيعه من نفسها، لأنها ستدرك بذلك أن المسألة ليست استذلالا إنما إصلاح.

هذا هو الفهم الإسلامي الصحيح لقضية الضرب بأنه التأديب المصحوب بعاطفة المؤدب المربي وهو الزجر وليس بمعنى الإيلام والإهانة، لذا فلتنكس سهام كل أولئك الذين هاجموا الإسلام واتهموه بأن علاجه للمشاكل الزوجية علاج صحراوي جاف لا يتفق مع طبيعة التحضر الذي يعمل على تكريم الزوجة وإعزازها. وقد جاراهم في ذلك بعض من أبناء الإسلام الذين طاروا وراء أفكار الغرب، وما علموا أن الإسلام لم يأت لجيل معين ولا لجماعة خاصة أو إقليم خاص أو بيئة محددة إنما هو إرشاد وتشريع عام لكل جيل وبيئة وعصر.

الموقف الشرعي

ويوضح د. عثمان مشهور الأستاذ في جامعة الأزهر هذه القضية بقوله: لقد استغل أعداء الإسلام مصطلح [الضرب] كما ورد في حق الزوج بتأديب زوجته، ليشيعوا بأن الزوجة في الإسلام مخلوق يتوجب على الزوج ضربه باستمرار وبسبب وبدون سبب، وأن الزوجة وسيلة تنفيث عن غضب الزوج، وتمتلئ كتب المستشرقين بالكتابات الحاقدة التي تصور الرجل المسلم لا يتوانى عن سلخ جلد زوجته بدون أي سبب في حين يعطف على ناقته، أي أن المرأة في الإسلام أقل قيمة من الناقة !!

وبالطبع لسنا هنا في صدد الرد على كتابات الحاقدين على الإسلام والمسلمين، بقدر ما نحن أمام توضيح حقيقة مفهوم الضرب التأديبي ضمن العلاقة الزوجية، فقد أباح الشرع للزوج أن يضرب زوجته لتأديبها، ولكن هذه الإباحة لا تصبح حقًا للزوج إلا بعد أن يستنفذ أسلوبي التأديب، وهما: الوعظ أولًا، ثم الهجر في المضجع ثانيًا، وبعد أن يستنفذ الزوج هاتين الوسيلتين ويتأكد من عدم نجاحهما في تأديب زوجته، وبالتالي فللقاضي الذي تعرض عليه حالة ضرب زوج لزوجته أن يتأكد إن كان الزوج قد لجأ أولًا إلى الوعظ ثم إلى الهجر، فإن ثبت لديه أنه لم يلجأ إليهما وبدأ بوسيلة الضرب أولًا فله أن يحكم لصالح الزوجة ويعاقب الزوج. وقد وضع الشرع قيودًا كثيرة على حق الزوج في استعمال الضرب لزوجته كأسلوب تأديب.

وأولها: القيد النفسي؛ وهو: أن الزوج إذا قدّر بأن تأديب زوجته لا يكون إلا بالضرب الشديد المؤلم فلا يجوز له الضرب، كما لا يجوز له الضرب إذا كان غاضبًا أو في حالة عصبية أو نفسية شديدة، بل يجب أن يستعمل حق الضرب وهو بحالة نفسية واعية وهادئة وبتقدير مسبق أنه لا يضرب زوجته بهدف إهانتها أو إيذائها، بل بهدف تقويمها وتأديبها وإعادتها إلى جادة الصواب وبما يقوي الحياة الزوجية والأسرية.

القيد الثاني هو: ألا يكون الضربُ مبرّحًا، وهو ما أمر به الرسول صلى الله عليه وسلم بقوله: 'فاضربوهن إذا عصينكم في المعروف ضربًا غير مبرح'، وهو تأكيدٌ على أنه لا يجوز للزوج أن يضرب زوجته ضربًا عند نشوزها ضربًا مبرحًا، حتى لو كانت لا يمكن أن تترك نشوزها إلا بالضرب المبرح، وبالتالي يجب أن يكون ضربه لها ضربًا بسيطًا لا يُغير لونًا أو يسبب كسرًا أو جُرحًا ولا يسيل دمًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت