فهرس الكتاب

الصفحة 1372 من 1942

مفكرة الإسلام: ظل نظام الوقف الإسلامي متفردًا في خصائصه ومقوماته عبر العصور .. وكان هذا النظام انعكاسًا حقيقيًا لما غرسه الإسلام في نفوس أبنائه من حب الخير ومحاربة شح النفوس. فرأينا مئات وآلاف الخيّرين الذين يوقفون أموالهم كلها أو جزء منها على الدعوة الإسلامية، أو على طلاب العلم ،أو على مجموعة من المساكين والفقراء، وكانت هذه الأوقاف تتمثل في الأراضي الزراعية والعقارات والمحلات وغيرها. إلا أنه مع تغير ظروف مجتمعاتنا وصل الأمر إلى حد اختفاء وإلغاء الأوقاف الخيرية في ظل الظروف الاقتصادية غير المواتية واتساع الفجوة بين الطبقات وازدياد أعداد الفقراء والمحتاجين.

فلسفة الوقف

يقول د. سيد دسوقي حسن أستاذ هندسة الطيران بجامعة القاهرة والمفكر الإسلامي إن منظومة الأعمال والأنشطة في أية دولة تتجه مع مرور الوقت إلى الجمود والجنوح إلى منطقة الأمان الاقتصادي بعيدًا عن الأعمال الريادية التي من شأنها أن تجدد شباب الأمة، والتي تحتاج بطبيعتها إلى روح المجازفة الحالمة. وفي مثل هذه الظروف تلعب فكرة الوقف دورًا أساسيًا في اجتياز حواجز الخوف الاقتصادي حيث تتيح المشروعات رصيدًا ماليًا يأخذ بيدها في أول الطريق ،ولا يخفى علينا الدور الكبير الذي قامت به فكرة الوقف في تاريخنا الإسلامي والخدمات الجليلة التي أدتها الأوقاف لمختلف مجالات الحياة.

والوقف نوعان: نوع سلبي متآكل كمن يوقف دارًا للفقراء فتبلى الدار مع الزمن وتنتكس قيمة النقود ويؤول الوقف في النهاية إلى لا شيء.

وهناك نوع من الوقف ينمو مع الزمن ويشب مع الأيام كمن يوقف المال على عمل إنتاجي من شأنه أن يساعد الناس على امتلاك قدرات إنتاجية يزيدون بها وقفهم ويجددون بها حياتهم. أو من ينفق المال ويوقفه حتى يمتلك الناس أدوات الإنتاج أو يمتلكون عملًا منتجًا أو خبرة أصيلة ،أو يحمل لهم أهل الخبرة من بلاد أخرى لينقلوا لهم خبرات بلادهم ، وكل ذلك يهدي في ميدان الحضارة إلى صراط مستقيم... وما نبتغيه هو وقف من النوع الثاني.

نوع منتج وليس نوعًا سلبيًا .. ونحن ندرك أن كثيرًا من أهل الخير في بلاد المسلمين يوقفون أموالهم على النوع السلبي وقليل منهم يوقف على النوع الثاني.

ويضيف د. سيد دسوقي إنه إذا كانت الحكومات والمؤسسات الرسمية تعاني مشكلات اقتصادية كبيرة لا تستطيع معها تحقيق ما يصبو إليه الناس فالمفترض أن يتدخل أهل الخير ليحلوا هذه المعضلة ويقدموا لمجتمعاتهم وينفقوا من أموالهم .. ولكن أين هم أهل الخير في بلاد المسلمين ؟ لقد انقطع زادهم فلم يعودوا ينفقون في أعمال الخير إلا قليلًا. وربما نعجب أنه في بلاد الفرنجة حيث يظن الناس أن الرأسمالية تنشب أظفارها .. لكننا نجد أن آلاف من المحسنين هناك يوقفون أموالهم على هذه الأعمال الخيرية .. وكل يوم تنشأ في بلادهم جمعيات خيرية لتنمية صناعات بعينها أو تعمل على ازدهار جامعات ومراكز بحوث علمية وتطبيقية. وعلى مستوى العالم توجد تسعون ألف جمعية خيرية منها اثنان وعشرون ألفًا في الولايات المتحدة وحدها تنفق ما يزيد على ثلاثين مليار دولارًا كمنح بحثية لتطوير العلوم والتكنولوجيا. ونحن - المسلمين - لا ملجأ لنا من القهر العالمي إلا أن نسعى بكل ما نملك لإيجاد الوقف الذي يساعد على الابتكارات وتنميتها.

الأوقاف من إضافات التشريع الإسلامي المثمرة

ويقول د. علي أبو المكارم عميد كلية دار العلوم السابق إن الأوقاف الخيرية تمثل في التاريخ الإسلامي رافدًا مهمًا من روافد بناء المجتمع والفرد معًا لأنها كانت تتيح للمجتمع الحصول على المال بوسائل اختيارية لتحقيق المصالح العامة كتعليم الطلبة والإنفاق عليهم خلال مرحلة دراستهم أو إنشاء المستشفيات أو الملاجيء فيما كان يسمى 'بالتكايا'. وكرصد الأموال لخدمة بيوت الله وتعميرها أو لمساعدة المحتاجين في كافة المجالات. ومعنى هذا أن الأوقاف الإسلامية بصورتها الصحيحة تتيح المساهمة الفعالة لأفراد المجتمع وتمكن المجتمع بالتالي من تحقيق التوازن الضروري في مجالات الإنفاق. ولقد كان ذلك كله سبيلًا للأفراد كي يشعروا بالرضا عن أنفسهم إذ ينفقون في سبيل الله ويخففون عن إخوانهم من الضعفاء والمحتاجين.

ومن الثابت تاريخيًا أن المساجد في العالم الإسلامي كانت تتلقى ريع ما يوقف عليها من عقارات وأراضٍ شأنها في ذلك شأن المستشفيات والتكايا وكان ذلك هو الذي يسر للمسلمين تقديم هذه الخدمات العامة منذ صدر الإسلام إلى مطلع أو أواسط القرن العشرين. وأظن أن إلغاء هذه الأوقاف والاستيلاء عليها قد ترتب عليه إحجام المسلمين القادرين على القيام بدورهم الذي قاموا به على مدى التاريخ .. وأحسب أن ذلك خطأ لا مفر من الاعتراف به ، لأنه حال دون مشاركة هؤلاء المسلمين مشاركة منظمة في رعاية مجتمعاتهم.

وليس صحيحًا ما يقال من أن الجهود الذاتية تستطيع أن تقوم بهذا الدور لأن هذه الجهود تفتقد الأساس الديني الذي يعطيها التجرد والفاعلية. وأرى أنه من الواجب الآن إعادة النظر في مسألة الأوقاف خصوصًا وأن الظروف الاجتماعية والاقتصادية تستدعي مزيدًا من المشاركة الجماهيرية وتقتضي من القادرين المساهمة الإيجابية في حل مشكلات المجتمع .. ولن يكون ذلك ممكنًا بصورة فعالة ونشطة إلا عن طريق الأوقاف الخيرية لأنها هي التي تمكن المسلم القادر من أن يضع أمواله في خدمة بيئته المحيطة به ومن أن يضمن استمرار الإنفاق منها بالشروط التي يراها دون أن تتدخل في ذلك إرادة الأجهزة الرسمية وما يعنيه ذلك من البيروقراطية.

فالاهتمام بالأوقاف الخيرية يمكن أن يترتب عليه في المستقبل كما ترتب عليه في الماضي اهتمام بأنماط معينة من التعليم أو بأشكال محددة من الرعاية الاجتماعية .. وهذا كله يتيح الفرصة بصورة إيجابية للحركة الاجتماعية لكي تحقق غايتها في إقرار السلام والطمأنينة بين أفراد المجتمع .. وهذا بالطبع غير ما يطالب به المسلم من الزكاة وما يجب عليه من الصدقات. وهكذا فإن الأوقاف الخيرية إضافة من إضافات التشريع الإسلامي لحل المشكلات الاجتماعية وتحقيق التوازن النفسي بين أفراد المجتمع من ناحية وبين الفرد والمجتمع كله من ناحية أخرى.

الأوقاف علاج للأنانية

أما د. أحمد عبد الرحمن أستاذ الفلسفة الإسلامية فيقول: إن المسلمين كانوا أذكياء حينما كانوا يوقفون أموالهم في شكل أراضٍ أو عقارات .. فالأرض لا تتبدد ولا يستطيع أحد أن يسرقها .. بينما لو كان الوقف في مشروعات تجارية لامتد إليها النهب والاختلاس. ونحن في هذه الأيام يجب أن تتكامل دعواتنا التربوية مع الإعلام والقيم السائدة في المجتمع. فالإعلام والفنون الموجودة الآن تخاطب الغرائز وتشجع على الأنانية وحب الذات .. أما العمل التطوعي فهو إنكار للذات وفيه حب الخير للناس .. والأوقاف الخيرية الإسلامية هي قمة العمل الخيري التطوعي الخالي من الأنانية.

ففي مجال التدابير الوقائية في الإسلام أو فيما يخص النواحي الأمنية فإننا نقسم الناس إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول هو الإنسان الذي يعمل لنفسه على حساب الآخرين ويؤذيهم فهو يقتلهم ويسرقهم، والقسم الثاني هو الإنسان الذي يعمل لنفسه ولا يؤذي غيره ولكنه ليس على استعداد لمساعدتهم ، والقسم الثالث هو الإنسان الذي يعمل لنفسه ويساعد الآخرين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت