(ولقد بدأ المفكرون في القرن العشرين يدعون إلى حكومة عالمية , فأين هم من الإسلام ورسوله الكريم الذي دعا إلى أخوة المسلمين في الدين , وأخوة الناس جميعًا في الإنسانية , ولم يجعل لعربي على أعجمي فضلا إلى بالتقوى والعمل الصالح , وألغى الفروق بين الأفراد والطبقات والعناصر والأجناس والألوان والشعوب , وجعل أساس الحكم المحافظة على الكرام والإنسانية ونشر كلمة الله والهدى والنور والحق والخير والمعرفة , الدين واحد والناس جميعا أخوة يحكمهم حاكم واحد بما أنزل الله , ويقول توماس كارل يل في كتابه الأبطال(( إن الرسالة التي أداها ذلك الرسول الكريم( صلى الله عليه وسلم ) مازالت السراج المنير مدة ثلاثة عشر قرنًا لأكثر من مائتي مليون من البشر , وإن رجلًا كاذبًا لاستطيع أن يوجد دين وينشره , وعجيب واليم الله أمية محمد ( صلى الله عليه وسلم ) فلم يقتبس من نور أي إنسان آخر , ولم يغترف من مناهل غيره , ولم يكن إلا كجميع الأنبياء , أولئك الذين أشبههم بالمصابيح الهادية في ظلمات الدهور ))) (1)
2-المرونة والشمول والتطور: مما يبين شمولية الحضارة العربية الإسلامية أنها لم تقتصر الحضارة الإسلامية على مدينة الإسلام وحدها بل ضمت إليها مدينة العرب قبل الإسلام وما اقتبسته من مدنيات أخرى في الشرق والغرب من خلال عملية التأثير المتبادل , ثم افرغ هذا المزيج في قالب خاص طبع بالنزعة العلمية وحب الاستقصاء والابتكار ولم يقتصر الإبداع والابتكار على العلوم الشرعية فقط ولكن كان واضحًا في معارف العلوم والآداب والفنون الأخرى ومن معالم شموليتها أنها اهتمت بتربية الفرد والمجتمع من النواحي المختلفة في الحياة الدنيا والآخرة وسعت إلى التوفيق بينهما وقد اهتمت بعالم الملك والملكوت دون تقصير بجانب للجانب الأخر لأنهما مترابطين ترابط وثيق , ولما كان الإسلام خاتمة الرسالات فمن الضروري إن تكون حضارته حضارة متطورة تستطيع إن تسع كل تطورات الحياة الإنسانية ولا تقف جامدة إمام متغيرات الحياة البشرية في واقعها الفردي والجماعي , فاعتمدت في تشريعاتها على الكتاب والسنة والاجتهاد والذي يتضح لنا من خلال المؤلفات المختلفة في العلوم الإسلامية والإنسانية والطبيعية المختلفة .
3-الإيمان والولاء للإسلام وعقيدته: تؤمن هذه الحضارة بالله ورسالاته وأنبيائه عليهم السلام وتهتدي بهدى خاتم النبيين محمد صلى الله عليه وسلم فمتى سماكان الشخص متشرب لهذه الفكرة ومؤمن بتا ويعمل على أساسها فإنه يعتبر من المسلمين حيث انه من السهل الإنظماl للمسلمين لأن الدين الإسلام مرتبط كل الارتباط بهذه الفكرة والتي لتتعارض مع العقل لأن الإسلام يقوم أساسًا على مبدأ تعقل الإيمان والاقتناع بت ولالتفت لما دونها من انتماء لشعب أو منطقة أو قبيلة او عنصرية , بل حث الإسلام على إستغلال ما أتانا الله من نعم كثيرة كخلقة الله عز وجل للإنسان من مادة وروح والتي متى ماروعية فإن حياته تسير نحو الصلاح قال تعالى ( وابتغ فيما اتاك الله الدار الآخرة , ولاتنس نصيبك من الدنيا ) وقال الرسول صلى الله عليه وسلم ( ومامن مسلم يغرس غرسًا أو يزرع زرعًا فيأكل منه انسان او طير او بهيمة الا كانت له به صدقة ) . ولعل الدين الإسلامي قد أكد على ضرورة الولاء للإسلام والمسلمين دون غيرهم في ظل الدولة الإسلامية وحضارتها قال تعالى ( لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون الله ) وقوله تعالى ( إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا ) ولم يكن الرسول صلى الله عليه وسلم يهادن الكافرين ولو كانوا من أقرب أقربائه كعمه أبي لهب , وقد حث الإسلام على العمل ولم يهمل جانب المادة بل ربط العمل بالإيمان بل تعتبر الحضارة الإسلامية حضارة إيمان وعمل وانتاج قال تعالى ( وقل أعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون )
( جعل الإسلام رابطة العقيدة الأصل الذي يجتمع ويتفرق عليه الناس ورفض كل العصبيات: الطبقية والقومية والعنصرية والقبلية , وماشابه ذلك , يقول المولى عز وجل < يا أيها الناس أتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالًا كثيرًا ونساء > ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم < أيها الناس: إن ربكم واحد , وأباكم واحد , كلكم لآدم وآدم من تراب , إن أكرمكم عند الله أتقاكم , ولا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى > ) (2)
4-نزعة التسامح والإنسانية: تتجلى صورة النزعة الإنسانية في الحضارة الإسلامية من خلال طريقتين الأولى رسالة الإسلام التي جاء بها القرأن الكريم وحدث الرسول صلى الله عليه وسلم بها والثانية هي ماورثة العرب من الأخلاق الحميدة التي رواها لنا التراث العربي , ولقد ذكرت العديد من الألفاظ في القرأن الكريم والسنة النبوية والتي تحث على الإنسانية وتدعوا إليها في كل زمان ومكان , فعن معاذ بن جبل أنه قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( أوصيك بتقوى الله , وصدق الحديث , ووفاء العهد , وأداء الأمانة , وترك الخيانة , وحفظ الحياد , ورحمة اليتيم , ولين الكلام , وبذل السلام , وحفظ الجناح ) , وقد حث الرسول صلى الله عليه وسلم على التواصل والمبادرة الإنسانية حيث قال: أفضل الفضائل ان تصل من قطعك , وتعطي من حرمك , وتصفح عمن ظلمك ) , فالحضارة الإسلامية حضارة إنسانية ملائمة لفطرة الإنسان وخصائصه المتعددة ومسايرة لتطلعاته وقادرة على تلبية حاجاته , فهو في نظر الإسلام كائن حي خلقه الله تعالى واختاره من بين المخلوقات جميعا ليكون خليفة الله في ارضه لأنه مؤهل للتكليف الالهي والمسئولية , وقد ارسل إليه الرسل كي يهدونه إلى سواء السبيل , بل وقد نظر الإسلام إلى غير المسلمين من أهل الذمة نظرة تسامح وأعطاهم حقوقهم وقد أثنى العديد من المؤلفين المسلمين على العلماء والكتاب من أهل السنة وهو مالم تعرفه أوروبا .
( ولا يزال الغرب يدعي أن أول من أعلن حق الإنسان في الحرية والأخاء والمساواة وأنه واضع حقوق الإنسان , وما أشد جرأة هؤلاء وهؤلاء على الحقائق , فلقد سبقهم الإسلام بأجيال وقرون إلى إعلان حقوق الإنسان وتأييدها وحمايتها , ومابالكم بدين حرر المرأة من جور الرجال , وحرر العامل من ظلم صاحب العمل , وحرر الرقيق والخدم من العبودية والهوان , وحافظ على حق الإنسان في الحياة والأمن , وحقة في الملكية , وفي الكرامة الإنسانية , وفي تكوين الأسرة , وفي الإشتراك في إدارة شئون الدولة , ودعا إلى العدالة بأجلى معانيها , وإلى الأخاء بأصدق مدلولاته , وإلى الحرية الكاملة , والمساواة الشاملة , والاشتراكية العادلة , وحمى أتباع الأديان الأخرى , وجعل لهم ماللمسلمين وعليهم ماعليهم من واجبات وحقوق , شعاره في ذلك الآية الكريمة < يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى , وجعلناكم شعوبًا وقبائل لتعارفوا , إن أكرمكم عند الله أتقاكم > , فلقد كان أفلاطون وأرسطو من فلاسفة اليونان يقرران حرمان العمال والصناع والموالى من الحقوق المدنية , لانحطاط مايمارسونه من مهن , وكان غيرهما يضع الرقيق والحيوانات في منزلة سواء , فأين هذا من سماحة الإسلام وسمو مبادئه , التي سوت بين الناس جميعًا ) (3)