هذا الداء التاريخي هو الذي أصاب الأمة في مفهوم الإسلام الذي ننهض من قاعدته ولذلك ضعفت الأمة بداية في المفاهيم وسوف تنهض أيضًا انطلاقًا من المفاهيم، يجب أن تصفّى الفكرة الإسلامية من كل ما شابها من اجتهادات البشر وتفريعات الخلق التي أضفت على هذه الفكرة ازدحامًا شديدًا من الأفكار والتصورات غطى على النظرة الصحيحة والتصور السليم للإسلام وأهدافه وغايته وسبل الحركة به. ومن الشاق جدًا إن لم يكن مستحيلًا اجتماع هذه الفرق على نهج واحد ولكن أول خطوة وأجدى مرحلة هي الاتفاق على الثوابت وتغييب القضايا الخلافية، ومن واجب العلماء والدعاة والعقلاء في الأمة أن ينطلقوا نحو هذا الهدف ليس بالدعوة إلى الحوار وإنما بالدعوة إلى إنهاء الخلاف والسكوت عنه والتعهد بتجاوز هذه القضية، وإذا ما حدث ذلك فسوف تذوب هذه الخلافيات بشكل تدريجي ولا بأس أن يكون نسبيًا في ظل الثوابت الكبرى.
إن حشد كل الطاقات وتكتل جميع الفئات أمر لن تنهض الأمة بدونه.
لماذا أسلمنا؟ ما الذي يريده الله منا؟
ما هو دورنا كمسلمين؟ وما هي وسائلنا وغاياتنا؟
إننا في حقيقتنا حلٌ، فأصبحنا في واقعنا أزمة.
نحن نملك قوة التغيير للعالم ولكننا لم نستطع أن نغير من أنفسنا شيئًا، ومن هنا يأتي القول: إن إحياء الفكرة الإسلامية وبث الوعي في عقول المعنيين بهذه النهضة هي الخطوة الأولى في هذا التغيير.
ومن قرأ التاريخ جيدًا يرى أن مجموعة من الخلفاء والقادة حاولوا تجاوز هذه القضية بالسكوت عن التفصيلات مع عدم الرضى عنها من أجل المصلحة الكبرى، فهذا أمير المؤمنين علي رضي الله عنه يسكت عن الخوارج ما لم يرفعوا السلاح ويرضى ببقائهم معه ومخالطتهم وصلاتهم في المساجد وهم أهل بدعة مغلظة شهد عليهم الرسول صلى الله عليه وسلم بالمروق من الدين وبأنهم كلاب النار إلى غير ذلك، وفعل هذا أيضًا عمر ابن عبد العزيز رضي الله عنه مع الخوارج والأمثلة على ذلك كثيرة، كل ذلك لخدمة الثوابت الكبرى، ويكفي أن الإسلام أقر التعايش مع غير المسلمين.
الانبعاث عبر الأمة:
من أولويات النهضة الإسلامية أن تنبعث الحركة النهضوية منها لا من خارجها، وأن تنتقل من الدعوة الحزبية والمؤسسية المحدودة إلى الدعوة الشاملة للأمة بأكملها.
إن الحل الأسلم والأكمل هو في علاج الأمراض التي أدّت إلى الهبوط والتخلف ثم وضع البدائل لها أثناء ذلك بطريقة قانون الإزاحة التي تتمثل في ملء الأجزاء المزاحة بأجزاء علاجية صحيحة على شكل تدريجي من الأصول إلى الفروع ومن الضروريات إلى الحاجيات. كل هذا في كيان الأمة وجسدها وليس بالإنزال وطريقة التنظيرات العامة الهلامية غير المركزة.
الانبعاث عبر الأمة يقتضي من المعنيين بالنهضة الذوبان في كيان الأمة والامتزاج بها امتزاجًا صحيحًا يجمع الاحتكاك والالتصاق المباشر بالحصانة المنهجية والتكوينية والظهور من خلالها والنهوض منها وبها.
ومن أجل أن ننبعث انبعاثًا صحيحًا يجب أن ندرك أهمية ربط الأمة ربطًا مباشرًا بما تعانيه من معضلات ومشكلات، وإحياء مشاعر القاعدة الجماهيرية العريضة بواقعها وما يحيط بها، والتخلي عن أسلوب المفوضيات العليا الزائفة وادعاءات الحلول النخبوية التي أهلكت الأمة بمجملها. وعدم الاستئثار بالآراء والتفكير والتعامل مع الأمة كالقطيع من الغنم.
إشاعة النزعة الجماعية والشورية ونبذ الفردية؛ لأن الأسلوب الفردي والنظام الأحادي تزهق تحته روح الأمة وإذا ما استمر كذلك فإن النهضة تصبح ضربًا من الخيال. هل من المعقول أن تقوم أمة ذات مشكلات هائلة ومعضلات معقدة ويحيط بها أعداؤها من كل مكان على مجموعة قليلة وعدد محدود من العقول والتجارب غير المجدية غالبًا في لحظة تهمش فيها كل مقدرات الأمة العقلية والفكرية والإرادية وتغفل جميع الإمكانات المجمدة!! إن من أعظم المهمات التي تتطلبها النهضة الإسلامية: بث روح الحرية في فتح أبواب الممارسة في النقد والبناء ولو شكليًا في البداية.
من الأولويات للنهضة الإسلامية: إشاعة أدبيات الجماعة والشورى وتهيئة النفس المسلمة على مستوى الأمة للتعايش مع هذه الخطوة الرئيسة في النهضة المستقبلية.
إننا بهذا الركن المهم من أركان النهضة ندفع الحركة النهضوية نحو الأمام؛ لأننا سنفجر الطاقات ونفتح أبواب الإبداع والتطوير والحضارة تلقائيًا، وسيكون ذلك من إفرازات الحرية والمشاركة الجماعية في البناء دون شك.
هذه الأمة المباركة تملك طاقة جبارة في صناعة الحياة ولكن حين تعطى الحرية ويطلق عقالها وتمتلك هي زمامها.
التكتل حول القضايا الكبرى:
أعتقد أن الحل هو في التكتل حول القضايا المصيرية الكبرى، تكتلًا مدروسًا ومنظمًا وشاملًا لكل توجهات الأمة ولكل شعوبها لا كما هو معتاد في انحسار الاهتمام بهذه القضايا على المؤسسات الحاكمة أو الجماعات والتكتلات الحزبية.
ولو لم يكن من قضية إلا قضية فلسطين لكان فيها أعظم الكفاية لحشد الأمة خلفها وتجنيدها ورفع معاني التقدم والنهضة خلالها، فكيف إذا كانت القضايا الكبرى متعددة الأحجام والنوعيات والجنسيات؟
فقضية فلسطين تأتي في الدرجة الأولى وهي من المجمع عليه إسلاميًا وغير إسلامي وقضية التخلف وقضية حقوق الإنسان وقضية التعليم وقضية القوة والتكنولوجيا وغيرها من القضايا.
ولا شك أن البلاء يأتي بكثير من المصالح لبني الإنسان إذا ما وجد قومًا من العقلاء يستغلون هذا البلاء وتلك المحنة للنهوض والثورة على الرجعية والتخلف والضيم وأسباب التردي وعوامل التراجع.
ومن الطبيعي أن تتناسى الأمة قضاياها الهامشية لمعالجة المسائل الكبرى.
وقد خسرت الأمة كثيرًا عندما فقدت بعض الفصائل الإسلامية وعيها بصرف الأنظار إليها بدلًا من القضايا المصيرية عن طريق ممارسات أتت في غير موضعها زمانًا ومكانًا.
دراسة القضايا الإسلامية على الطريقة المؤسسية:
أعتقد أن الأمة لو أحيت الأسلوب المؤسسي في دراسة القضايا والأزمات وأصدرت تحليلاتها عن رؤية جماعية لكان الحال أصلح مما نحن عليه, ولكن التعصب ورؤية الذات والنظرة المحدودة المنبثقة من الحزب أو التكوين الفكري أو الجماعة تمنع ذلك. ومن نظر في حالة الأمة نحو فلسطين والمقاومة الآن تبين له الأمر واتضح، فقومٌ يدعون إلى استمرار المقاومة وقوم يرون أنها انتحار وغيرهم يراها عبثًا، وبين محرم ومحلل وهلم جرًّا، إن الذي نحن بحاجة إليه في هذه الآونة هو إنشاء مؤسسات بحثية تبحث القضايا بعمق وجدارة وتخصص على طريقة كشف الداء وتشخيص العلم وطرائق الخلاص والنجاة على طريقة الأبعاد الزمنية والخطط المستقبلية البعيدة لأن ذلك سيجنب الأمة العشوائية والضعف المزمن في احتواء الأزمات ويقلل من الارتباك الناتج عن الأحداث العرضية هنا وهناك
معوقات وعوامل نهضة الأمة .. قراءة تحليلية نقدية لنخبة من المفكرين والدعاة [2/ 2]
ذي الحجة 1423 هـ
عبدالله الطنطاوي:
دعوة للتدبر: