فهرس الكتاب

الصفحة 1438 من 1942

7-إن جميع ما يذكر من مقومات هذه الأمة يستند إلى هذا الأصل، ويقوم عليه: فما ندعو إليه من توثيق روابط الأخوة والمودة، وما نأمر به أو ننهى، لا يثمر ولا يغني ما لم يكن الدافع إليه والغاية منه القصد لله، وابتغاء مرضاته. وإذا تسرب الشرك إلى شيء من عمل أحبطه ودمره: وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ [65] } [سورة الزمر] .

8-والحياة التي تقوم على التوحيد تصان فيها الفرائض، وتؤدى الواجبات: ويتساند فيها أهل التوحيد معتصمين بحبل الله غير متفرقين، وتقوم نعم الله التي لا تحصى بين أيديهم لتكون عونًا على إعلاء كلمة الله في إحقاق الحق، وإبطال الباطل، ونصر المظلوم بإنصافه وتأمينه، والظالم بالأخذ على يده.. وبهذا تحافظ الأمة الإسلامية على خيريتها، وتعز بإيمانها وأداء رسالتها، وتفلح بالدعوة إلى سبيل ربها:وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [104] } [سورة آل عمران] .

إنها أمة مجاهدة ذات رسالة خالدة، فرض عليها أن تحيا مرابطة في سبيل الله تجير المظلوم وإن كان من غيرها، وتأخذ على يد الظالم وإن كان منها، وتعلي كلمة الله في كل شأن من شئونها.

والإسلام يعتبر المسلمين أمة واحدة تجمعها العقيدة ويشارك بعضها بعضًا في الآلام والآمال: وأي عدوان يقع على قطر من أقطارها، أو على فرد من أبنائها؛ فهو عدوان عليها جميعًا.

ولكي تستطيع هذه الأمة أن تنهض برسالتها، وأن تؤدي ما أوجب الله عليها؛ لابد أن تعمل دائمًا على تحقيق الأسباب التي تعينها على ذلك، وأن تحافظ على المقومات الأصيلة الثابتة التي تميز شخصيتها وتجعلها أمة دعوة ورسالة.

وواقع الأمة الإسلامية الآن لا يحتاج إلى بيان، ولكن من الخطأ أن نظن أن ما وصلت إليه يستحيل علاجه، ومن الخطيئة أن ندع اليأس يتسرب إلى النفوس، وأن نترك أولئك الذين لا يريدون لأمتنا إلا مزيدًا من الفشل وذهاب الريح، أن يفرضوا عليها الرضى بالواقع، أو يجعلوها تؤمن بالتبعية لغيرها في شرق، أو غرب.

فإن أمتنا تملك- بفضل من الله- أن تبدأ البداية الصحيحة دون حاجة لشرق أو غرب، وعليها أن تدرك أن ما سلط عليها من أعدائها بسبب معاصيها وقعودها عن أداء رسالتها وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ [30] } [سورة الشورى] .

فعلى أمتنا أن تبدأ بما أمر الله به:...فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [1] } [سورة الأنفال] ..عليها أن تكف شرها عن نفسها وأن تأخذ على يد العابثين الذين يفسدون في الأرض، ويقطعون الأرحام.

في الجاهلية تداعت قبائل من قريش إلى حلف، وقد تعاهدت على أن لا يجدوا بمكة مظلومًا من أهلها وغيرهم ممن دخلها من سائر الناس إلا قاموا معه، وكانوا على من ظلمه حتى ترد مظلمته، فسمت قريش ذلك الحلف:' حلف الفضول'.

أفلا يتداعى المسلمون لما ينقذ حياتهم، ويرد كيد أعدائهم، ويدفع الشر والبلاء عنهم، أفلا يتداعى المسلمون لتحقيق أمر الله فيما بينهم، والأخذ على يد الظالم، وإنصاف المظلوم، إن تحقيق معنى الأمة الإسلامية في أدنى صورة ممكنةٍ قد غاب كثيرًا عن حياة المسلمين، فغدت الأمة نهبًا لكل طامع وتحقق ما حذر الرسول صلى الله عليه وسلم منه في قوله: [يُوشِكُ أَنْ تَدَاعَى عَلَيْكُمْ الْأُمَمُ مِنْ كُلِّ أُفُقٍ كَمَا تَدَاعَى الْأَكَلَةُ عَلَى قَصْعَتِهَا] رواه أبوداود وأحمد. لقد تحقق ما حذر الرسول صلى الله عليه وسلم منه، وتداعى الأكلة من أمم الكفر في شراهة وضراوة لتمزيق الجسد الإسلامي، وفصل أجزائه بعضها عن بعض.

ومنذ فترة قيل عن تركة الرجل المريض، وأخشى أن يكون الاصطلاح لديهم الآن تركة الرجل الميت، ولكنني أؤمن أن الأمة لن تموت مهما بدت مظاهر الضعف والسكون فيها.

وسائل النهوض بأمتنا الإسلامية:

وعلينا أن نبحث في غير يأس في وسائل النهوض بأمتنا الإسلامية، فإنها أمة باقية بإذن الله إلى قيام الساعة، ومنها:

أولًا: أسلوب التربية والثقافة والإعداد للإنسان في عالمنا الإسلامي يحتاج إلى مراجعة إصلاح بحيث تتوحد الغاية، وتتسق الوسائل، وتمضي لما يجب أن يكون:

إن أصحاب المذاهب في شرق أو غرب يعملون على صياغة الإنسان في أمتنا الإسلامية ليكون لهم لا لأمته، وينفقون في سبيل ذلك من الجهد والمال لصياغة إنسان الغد لصالحه، وكل ما وقع من اغتصاب أرض المسلمين في أي مكان أو زمان قد مهد له من قبل بالاستيلاء على الإنسان.

الإنسان هو الأساس الذي تقوم به، ومن أجله الحضارة والنهضة، والعناية به هي السبيل للنهوض بأمتنا من كبوتها، ولا تصلح الأشياء إلاَّ بإيجاد الإنسان الصحيح، من أجل هذا أرسل الله الرسل وأنزلت الكتب.

وأمتنا الإسلامية - وأمامها من التحديات - ما لا يخفى على أحد عليها أن تعد الإنسان بالإيمان الموجه للنفوس إلى الخير والإصلاح، وبالعلم الذي تنشده النهضة في جميع شئون الحياة بحيث لا تكون الأمة الإسلامية في قبضة غيرها، فالأمة الإسلامية إذا احتاجت إلى مائة ألف طبيب عليها أن تعمل على إعداد هذا العدد بتخصصاته المتنوعة، وأن تدرس في صبر وأناة حاجتها في كل شأن، وأن تعرف ما تملكه من طاقات وإمكانات قبل أن تطلب عونًا من أحد. وفي جميع الأحوال تكون مهمة الدين إعداد الإنسان لكي يصلح في الأرض ولا يفسد.

والمهمل في عمله والمقصر فيه مفسد غير مصلح، والقعود عن الأخذ بالأسباب معصية ومفسدة تتيح للغير أن يتفوق أَمام قاعد، وعامل أمام خامل، والتنافس قائم بين الخلق، وأهل الباطل لن يسكتوا أبدًا عن إضعاف أهل الحق ...لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا... [118] } [سورة آل عمران] .

ويا له من ضياع.. ويا لها من مفسدة حين تظل أمة الحق عالة على أهل الباطل، لا تسل عن الاتباع والطواعية، إتباع أهل الحق لأهل الباطل حتى لو دخلوا جحر ضب، وطواعيتهم فيما يريدون لأهل الحق من ردهم بعد إيمانهم كافرين.

والأمة الإسلامية إن هي قصرت في أن تصنع الضروري من وسائل حياتها؛ احتاجت إلى غيرها من دول الكفر وقد يؤثر ذلك في مقومات حياتها من عقيدة وسلوك. والذين يتصورون أن العمل للدين يقف عند تعليم الناس بعض الفرائض التي لا تأخذ من حياة المسلم إلا دقائق معدودات يخطئون في فهم الدين، ويعزلونه عن الحياة، وهم يحسبون أنهم محسنون صنعًا.

إن العقيدة تتحرك بموجبها الحياة كلها لتكون في صلاتها وتشكلها ومحياها ومماتها لله رب العالمين. ومن أجل العقيدة طولِبنَا بالنظر في خلق السماوات والأرض، وفي أنفسنا لنظفر بثبات العقيدة ووسائل حمايتها، لذا فإن الإعداد والتربية لا يفصل فيهما مصنع عن مسجد، فيقال: هذا للدين وذاك للدنيا، لا يفصل كد وجهد عن تسبيح وذكر: فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [10] } [سورة الجمعة] .

وإعداد المسلم على هذا الفهم والعمل به؛ يزيل من دنيانا نحن المسلمين كثيرًا من التوتر الذي يقع بين الأفراد والجماعات، ويقيم صراعًا في داخل الأمة الإسلامية يجني ثماره من يتربص بها ويضمر الشر لها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت