حتى ليمكن أن يقال: إن العبارات التي وجهها جنكيز خان، وتيمورلنك، وهولاكو إنما تمثل الواقع المحتوم في هذه الفترة، حيث وصفهم بأنهم 'ملوك وحكام ظلمة قد أشبعوا أنفسهم وأجاعوا شعوبهم، وأنهم غفلوا عن مفهوم الإسلام في عدالته ووحدته في المساواة وألحق، ولذلك فإن الله قد سلط التتار عليهم لينتقموا منهم، وأنهم آية الله على هذه القيادات الظالمة.
هذه العبارات التي أوردها التتار في رسائلهم إلى أمراء الإسلام إنما تمثل مفهوم التطور وحركة التاريخ، فما من قوة تضعف إلا ولقوة أخرى مجددة أن تسيطر عليها، وأن تحل محلها، وأن الدول إذا شاخت كان لابد لها أن تنهار، وكذلك كانت الدول الممثلة للإسلام من سمرقند إلى بغداد في هذه الفترة'616ـ656' بين سيطرة جنكيزخان وهولاكو قد أصابتهم الفرقة والضعف، واستسلمت إلى الترف والانحلال، وانطوت على نفسها فكان لا بد أن تطيح بها قوة جديدة شابة حتى يستيقظ المسلمون من غفلتهم، وقد جاءت موجة المغول الأولى 612هـ بقيادة جنكيزخان في جيش قوامه ستون ألف اجتاح هراة وسمرقند وبلخ وخوارزم وتدفق ما بين الصين والأدرياتيك، ثم كانت موجة المغول الثانية 656هـ بقيادة هولاكو، فاجتاح عالم الإسلام حتى بلغ بغداد فدمرها وأسقط الدولة العباسية، وقتل الخليفة المستعصم، وبلغ الشام واستولى على حلب.
ويعيد التاريخ نفسه لكنه اليوم يأتي باسم الحضارة والتقدم، من زعيمة الديمقراطية في العالم أمريكا، لماذا؟ لتحرير العراق كما أعلن بوش عند انتهاء الحرب.
'لقد حاربنا في هذه المعركة في سبيل قضية الحرية، وفي سبيل سلام العالم .. لقد تم تنفيذ عملية حرية العراق بمزيج من الثقة المتناهية والسرعة والجرأة لم يتوقعه العدو ... وقد صرنا نملك اليوم القوة الأعظم لأن نحرر بلدًا عبر سحق نظام خطير عدواني ... كما أننا شاهدنا من خلال صور العراقيين المحتفين بالتحرر افتتان البشر السرمدي بالحرية، ولم تنجح عقود من الكذب والتخويف في جعل الشعب العراقي يشعر بالحب تجاه مضطهديه، أو بالرغبة في أن يتم استعباده .. إن الرجال والنساء في كل ثقافة يحتاجون إلى الحرية تمامًا كمثل احتياجهم إلى الماء والطعام والهواء ... إننا نساعد في إعادة بناء العراق حيث شيد الدكتاتور قصورًا بدل المستشفيات والمدارس للشعب، وسنقف إلى جنب قادة العراق الجدد أثناء تشكيلهم حكومة جديدة بالشعب ومن الشعب وللشعب العراقي.
إن الانتقال من الديمقراطية إلى الحرية سيستغرق وقتًا، ولكنه يستحق كل مجهود، وسيبقى تحالفنا مع العراق إلى أن يتم إنجاز عملنا، وسنغادر بعد ذلك ونخلف وراءنا عراقًا حرًا'.
إعلان الاحتلال
بعد أقل من شهر يتحول التحرير إلى احتلال بقرار رسمي من الأمم المتحدة وبإجماع أعضاء مجلس الأمن وهذه أهم نقاط هذا القرار:
1ـ يعترف مجلس الأمن بأن قوات الاحتلال ـ ويشار إليها بالسلطة ـ لها سلطة ومسؤولية وواجبات محددة بموجب القانون الدولي.
2ـ تعمل السلطة على تأمين رفاهية الشعب العراقي، وستوفر الظروف التي تسمح له بتقرير مستقبله السياسي بحرية.
3ـ ترفع كل العقوبات التجارية والمالية المفروضة على العراق بعد اجتياح آب 1990م وبعده فورًا باستثناء الحظر على الأسلحة.
4ـ يشكل صندوق لتنمية العراق تحت إشراف المصرف المركزي العراقي ويعين مجلس دولي يضم ممثلين عن الأمم المتحدة، وصندوق النقد الدولي، والبنك الدولي، والصندوق العربي للتنمية، مرافقي حسابات مستقلين.
5ـ تصرف أموال صندوق التنمية بمبادرة من السلطة بالتشاور مع السلطة الانتقالية العراقية.
6ـ يحول مبلغ بليون دولار لم يخصص بعد في إطار برنامج 'النفط للغذاء' فورًا إلى صندوق التنمية، أما العائدات النفطية الأخرى غير المخصصة لغرض معين فستحول إلى الصندوق ما إن تغطي نفقات الأمم المتحدة.
7ـ يتحقق مدققو الحسابات في الصندوق من أن عائدات النفط العراقي، ومنتجات النفط والغاز الطبيعي تباع بأسعار السوق الدولية في حينه.
8ـ تودع كل عائدات النفط في الصندوق حتى تشكيل حكومة عراقية جديدة باستثناء 5% تذهب إلى صندوق الأمم المتحدة لتعويض الأضرار الناتجة عن اجتياح الكويت واحتلالها.
9ـ تكون عائدات العراق النفطية محمية من أي إجراءات قانونية حتى 13 كانون الأول 2007م باستثناء عمليات تلوث أو أي كارثة بيئية أخرى.
10ـ يشجع القرار الولايات المتحدة وبريطانيا على إطلاع مجلس الأمن بانتظام، ومجلس الأمن يدرس تطبيق القرار في غضون 12 شهرًا.
وهكذا أصبحت أمريكا هي المسؤولة عن نفط العراق وتنمية العراق، وحكم العراق على الأقل لسنتين قادمتين، وحيث تصوغ الحكومة العراقية التي تريد، وتتحكم في مصير الشعب العراقي كما تريد، ففي ظل حكومة عراقية، استمرت العقوبات ثلاثة عشر عامًا، وفي ظل الاحتلال ألغيت هذه العقوبات.
أسلحة الدمار الشامل
والظاهر من خطاب الرئيس الأمريكي أن الهدف الرئيسي بل الوحيد هو تحرير العراق المستعبد المتعاون مع الإرهاب، بينما كان سبب الحرب قبل وقوعها هو تدمير أسلحة الدمار الشامل الذي يملكه العراق ويشكل خطرًا على أمريكا، فقد ادعى تشيني نائب الرئيس الأمريكي بعد رفضه أداء الوكالة الدولية للطاقة الذرية في اليوم السابق لإعلان بوش مهلة الثمانية والأربعين ساعة قبل غزو العراق أن لدى الاستخبارات الأمريكية أدلة سرية على وجود السلاح النووي العراقي، يعلن وزير الدفاع الأمريكي دونالد رامسفيلد أمس في 4/5/2003م أن الولايات المتحدة لم تعثر حتى الآن على أسلحة دمار شامل في العراق، وقال رامسفيلد في حديث لشبكة 'سي إن إن': لا يوجد لدى واشنطن أي شيء جوهري للإعلان عن العثور عن أي أسلحة في العراق، ومن جهته أعلن وزير الخارجية الأمريكي كولن باول لشبكة 'إن بي سي' أنه لم يتم العثور على أي أثر لأسلحة نووية في العراق.
فقد قامت الحرب على أساس كاذب باعتراف القادة الأمريكيين الذين اعتبروا العراق خطرًا على أمريكا لامتلاكها أسلحة الدمار الشامل، وأما السبب الآخر وهو موضوع صلة العراق بتنظيم القاعدة الإرهابي، فقد تكفل بتكذيبه عميد مجلس الشيوخ الأمريكي السناتور الديمقراطي روبرت بيرد حيث أبدى استغرابه من تأكيد بوش في خطابه أن صدام حليف القاعدة، والسيطرة على العراق تعتبر انتصارًا للحرب على الإرهاب قائلًا: في الواقع ليس هناك أي دليل يربط هجمات 11 أيلول بالعراق.
ماذا جرى في العراق؟
لخصه الصحفي العربي جهاد الخازن بكلمات قلائل:
'أدت الحرب لإطاحة نظام صدام حسين إلى مقتل حوالي عشرة آلاف جندي عراقي، ومثلهم من المدنيين، ولا يزال المدنيون يقتلون إلى اليوم، وأصبح ثلاثة أرباع مواطني أغنى بلد عربي يعتمدون على المساعدات الغذائية، ولا يجدون ماءً صالحًا للشرب إلا من طريق منظمات الغوث الدولية، وبلغت نفقات الحرب 60 بليون دولار، أما نفقات التعمير فتقدر ما بين مائة بليون دولار ومائتي بليون دولار، ولن ينجو من أذى الحرب الجيل المقبل فواحد من كل أربعة أطفال عراقيين يعاني من سوء التغذية ومن المرض'.
وحين يتحدث عن أسباب الحرب يثير السؤال التالي: