اعتقد فعلًا أن الإسلام حقًا في مواجهة الغرب، والعولمة هي الصيغة المطروحة حاليًا.
وعلى أي حال، إن الإسلام كدين جاء يحمل طابعًا عالميًا على خلاف اليهودية التي جاءت مقتصرة على بني إسرائيل، جاء الإسلام كرسالة لبني البشر أجمعين قال تعالى (( وما أرسلناك إلا نذيرًا وبشيرًا للعالمين ) ).
فالإسلام في كثير من تعاليمه وفي الكثير من تطبيقاته وفي الكثير من ممارسات الرسول الكريم دلالة على الطابع العالمي: (( لا فرق بين عربي ولا أعجمي إلا بالتقوى ) ).
هذا يعني أن الإسلام له طابع عالمي وليس مُعَولمًا بمعنى أنه Universalim وليس Globalization حيث أن الإسلام وجهت له ضربات تتخذ شكلًا عالميًا معولمًا:
1.وذلك بضرب قوات التحالف الدولي للعراق على إثر ما درج على تسميته الآن بالحالة العراقية الكويتية.
2.محاولة طبع المنطقة العربية"الإسلامية"بالطابع الشرق أوسطي.
فخطوات عولمة العالم العربي بدت متسارعة جدًا وذات هدف لا يستهان به هو عولمة المنطقة العربية لابعادها وسلخها عن أي محاولة لأسلمتها. فبعد أن خرج العرب منهكين من أثار التحالف الدولي المعولم على العراق طُلب منهم للسلام في مدريد.
ومما سبق نخلص إلى أن الإسلام شيء والعولمة شيء آخر وفي هذا رد على من يدعي ترابطهما، لكن هذا لا ينفي أبدًا كون الإسلام دين عالميًا لكنه يبقى في الحقيقة موقع وهدف للمواجهة في ظل النظام العالمي الجديد.
فبعد نهاية الحرب الباردة أصبح هناك العديد من التنظيرات حول شكل العالم الجديد وبزت جملة من السيناريوهات والتوقعات تطرح أشكالًا متعددة مثل، فكرة صعود قطب آخر غير الولايات المتحدة، وتحول النظام إلى ثنائي القطبية، وأحيانًا يتطرق الحديث إلى استحكام قطب واحد تمثله الولايات المتحدة، بينما هناك تصور ثالث يشير إلى التعددية القطبية بحيث تشارك فيه أطراف أخرى مثل أوروبا الموحدة والهند والصين. (ومن العجيب أن هذه الاحتمالات التي تشير إلى قوى صاعدة لا تتضمن وجود أي دولة إسلامية كدولة رائدة فإذا كان هناك وفق التصور الذي يؤكد تحكم قطب واحد مهيمن على العالم، فهل يصبح كل العالم بذلك"دار حرب"؟) .
ومن جهة أخرى، للعولمة العديد من التجليات السياسية والتي تتركز في رفع شعارات الديموقراطية والتعددية الفكرية واحترام حقوق الإنسان.
هنا الإسلام لا يتعارض مع حقوق الإنسان، وفي الكثير من نصوصه ما يؤكد ذلك (( يا أيها الناس إنا جعلناكم شعوبًا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم ) ). إلا أن الإسلام لا يمكن أن ينسجم مع مصطلح الديموقراطية بالمفهوم الغربي، وهذا لا يعني أن الإسلام ديكتاتوري لكن الإسلام له خصوصيته فلا يمكن تأطيره وقولبته بالقلب وإطار معين وإلا كان هذا تقزيمًا له.
فالإسلام شيء والديموقراطية شيء آخر لأن الأخيرة تقوم على العلمانية والحرية التي لا سقف لها.
أما الإسلام يؤمن بالحرية المنسجمة مع حدود الشرع، ولا علمانية في الإسلام فالسلطة الدينية هي الأساس وحتى أن السلطة السياسية تُعد مكسبًا من مكاسب السلطة الدينية، لذلك الإسلام شيء والعولمة شيء آخر. وإن كان الإسلام في بعض جوانبه يلتقي مع العولمة مثلًا في حقوق الإنسان، إلا أن هذا الالتقاء لا يعبر عنه بالعولمة وإنما بالعالمية.
الباب الثاني: تقييم عام
الفصل الأول: مخاطر العولمة على الإسلام
لقد ذكرنا سابقًا أن الإسلام يحمل صورة تم تشويهها اليوم في العالم الغربي حيث أن صورة الإسلام في الغرب تمثل صورة الإرهاب والتطرف والكثير من العنف إزاء هذه الصورة المشوهه يعاني الإسلام والشعوب الإسلامية العديد من المشكلات والتي بدورها تجعل موقف هذه الشعوب ضعيفًا في مواجهة العولمة خاصة إذا ما علمنا أن أبرز مواقع الجوع الكبرى تقع في العالم الإسلامي، فمن أصل 200 مليون شخص جائع في العالم هناك 173 مليون منهم من المسلمين موزعين على النحو التالي: (12)
70مليون جائع في الهند.
12 مليون جائع في الصين.
50 مليون في آسيا الجنوبية.
26 مليون جائع في أفريقيا السوداء.
15مليون جائع في الشرق الأوسط و الشمال الإفريقي.
ومن جهة أخرى العالم الإسلامي يعاني من ضعف الإنتاج (13) فمثلًا مدينة واحدة في ألمانيا دوسلدروف يقدر ناتجها المحلي 1.8 مليار دولار ويقدر عدد سكانها ب 2 مليون نسمة، وهذا الناتج المحلي يعادل تمامًا الناتج القومي لأكبر دولة إسلامية سكانيًا وهي أندونيسيا التي تضم أكثر من 200 مليون نسمة. هذا يعني أن العالم الإسلامي يعاني من العديد من المشاكل ولنتذكر أن خلاصة الفصل السابق من البحث أن الإسلام والعولمة كلاهما في مواجهة والسؤال هنا:
هل يستطيع الإسلام والدولة الإسلامية مواجهة العولمة؟ وكيف ستتعامل هذه الدول مع الإسلام ومع العولمة في وقت واحد؟
وعلى أي حال يتضح لنا في هذا البحث أن الإسلام كحضارة جاء في مواجهة الحضارة الغربية والتي تتمثل بالعولمة نجد أن الإسلام يتعرض للكثير من التحديات والمصاعب فالعولمة كظاهرة حضارية تقودها الولايات المتحدة الأمريكية (14) تواجه الإسلام كحضارة وكأفراد إذ أن هناك محاولات الغزو الثقافي عبر استغلال الجامعات والمعاهد فمثلًا الجامعة الأمريكية في القاهرة طرحت الاستبيان التالي على أحد الطلبة الراغبين في الدراسة للحصول على درجة الماجستير:
-ما رأيك في إذاعة أذان الصلاة في الإذاعة والتلفزيون؟
-هل توافق على إذاعة بعض الأحاديث النبوية عقب الآذان؟
-ماذا نسمي المقاتلين في الشيشان؟ هل هم مناضلون أم إرهابيون؟
في الحقيقة إني أرى أن مثل هذه الأسئلة تحاول أن تضلل الفرد المسلم وتجعله يقع في دائرة الشك ويبتعد عن الإسلام دينًا وحضارة ليقترب أكثر نحو العولمة والحضارة الغربية.
وتبرز خطورة الغزو الثقافي للحضارة الإسلامية في أن أبناء هذه الحضارة لا يقرؤون إذا ما قارنهم بأبناء الحضارة الغربية، كما أن أبناء الحضارة الإسلامية يتلقون الأبناء والمعارف ولا يصدرونها للعالم بعكس أبناء الحضارة الإسلامية في العصور السابقة الذين تتلمذ الغرب على أيديهم أما اليوم فنحن ننتظر أن يأتي الخبر وتأتي المعلومة إلينا ولا نقوم بصنعها.
وبهذا يقول الدكتور السيد يسين"إن الخصوصية الثقافية للمسلمين والعرب مهددة على اعتبارات المشكلة التي يثيرها الباحثين في العالم الثالث والذي يعد العالم الإسلامي من ضمنه هي أن تدفق الرسائل الإعلامية والثقافية يأتي من المراكز الرأسمالية الإعلامية بكل قوتها وقدراتها التكنولوجية ويصب في دول الأطراف كمجتمعات والتي تصبح في الواقع مجرد مستقبله لهذه الرسائل الإعلامية بكل ما فيها من قيم وهي في الغالب قيم سلبية مدمرة".
وإذا نظرنا لسلبيات العولمة اقتصاديًا فإننا نجد أن إحدى آليات العولمة وهي التكنولوجيا قد أدت إلى البطالة وبالتالي أصبح عندنا حوالي مليار عاطل عن العمل في العالم منهم 15% من الدول العربية الإسلامية.
وفي الحقيقة إن مخاطر العولمة ستزداد في ظل المجتمعات التي تعاني من الأمية والجهل فنسبة الأمية نسبة لا يستهان بها في العالم الإسلامي ففي موريتانيا حوالي 62% والسودان 53% وهذا يعني أن هذه المجتمعات غير مؤهلة لمواجهة النظام العالمي الجديد"العولمة".