إذا افترضا حسن النية في هؤلاء الذين قادوا محاولات النهضة في بلادنا في تاريخنا المعاصر فإننا نجدهم قد وقعوا في خطأ علمي فادح حينما تعاملوا مع منهجية التغيير بمعزل عن السياق الحضاري لها؛ لأنه في الواقع لا منهج هناك مجردًا من مقولاته ونماذجه؛ لأنه تشكل في أحشاء النماذج التي عالجها واكتسى باللحم من خلال الموضوعات التي ولّدها، والمنهج يقوم ويتشكل عبر عملية معقدة من خلال نمط مجتمعي محدّد مما يحدّد له مبادئه ومقولاته ونماذجه فالمنهج الأوروبي في النهضة تكوّن عبر تاريخ النمط الحضاري الأوروبي، وبالتالي فإن هؤلاء الذين أخذوا منهج التغيير الأوروبي، حتى لو رفضوا نظريًا المقولات الفلسفية الحضارية الأوروبية، إنما هم في الحقيقة يخدعون أنفسهم؛ لأن هذا المنهج خرج من خلال منظومة حضارية شاملة منهجًا ونماذج ومقولات وبالتالي فإن هذا النهج اكتسى وأخذ هذا الطابع الحضاري المميز له، ولكل حضارة شخصيتها المتميزة، ويكاد يكون هؤلاء الداعون إلى ما يسمى بالتطعيم الحضاري يتناسون حقيقة علمية معروفة وهي أن التطعيم في علم النبات مثلًا لا ينجح إلا بين النباتات المتقاربة عائليًا، وبديهي أن التطعيم والتلقيح بين الحضارة الإسلامية القائمة على التوحيد والعدل والحرية ورجاء الآخرة والحضارة الغربية القائمة على الوثنية، والمنفعة اللا أخلاقية والقهر والنهب أمر غير ممكن عمليًا وموضوعيًا.
إن الذين حاولوا بناء نهضة على أسس منهجية غربية لم يدركوا حقيقة موضوعية هامة، وهي أنهم لا يطبقون هذا المنهج في الفراغ، بل إن شعوبًا عاشت تجربة حيّة من الإسلام لفترة طويلة جدًا، إننا أمام حضارة إسلامية عريقة متميزة وثرية، حضارة تمتلك أصلًا نظريًا إلهيًا، وتمتلك ثروة من التطبيقات الاجتماعية الهائلة من خلال ما حدث طوال التاريخ الإسلامي من علاقات وحالات سياسية واقتصادية واجتماعية ارتبطت بالنص الإسلامي أو حادت عنه وواجهت هذه الحضارة مشكلات في كافة الميادين، وترتّب على تلك المشكلات فقه وثقافة وإجابات نظرية وتطبيقية في مختلف الفروع والمجالات الفكرية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية والنفسية، فضلًا عن ميادين العلوم الرياضية والطبيعية والفلكية.
وهكذا فإن القفز على هذا الواقع بكل أوجه الصحة والخطأ والإنجاز، والقصور فيه سبب فجوة هائلة في الوعي والسلوك على حد سواء، وإهدار كل الأساسات فوق التربة أو تحتها، بحيث كان علينا أن نسير منذ البداية وفقًا للمنهج الأوروبي، ناهيك عن أننا نسير في الطريق الخطأ، الأمر الذي يستلزم مئات السنين زمنيًا هذا إذا أمكن إخلاء الواقع من الوجدان والتراث الإسلامي وهو مستحيل قطعًا.
إن علم الاجتماع قد أكد على حقيقة بديهية لم يراعِها دعاة النهضة التغريبية وهي أن المنهج العلمي في أساسه أنماط اجتماعية معينة ينبغي أن يتم بمنهج هذه الأنماط ذاتها وليس بمنهج مغاير، وإلا فإن الأخطاء ستكون بالجملة أي أنه لا يمكن استقرار عملية النهضة والتنمية في مجتمعاتنا بمنهج مستمد من نمط الحضارة الأوروبية مثلًا، وبالتالي فإن شرط النهضة هنا هو أن تقرأ الواقع قراءة صحيحة، وشرط الصحة هنا أن تكون القراءة من خلال منهج نابع من هذا النمط الحضاري الذي نحن بصدده، وليس من خارجه.
غياب البعد الثقافي
محاولات النهضة الحديثة في بلادنا تواكبت مع عملية التحرر الوطني منذ الاستعمار ولا شك أن الصراع مع الاستعمار صراع سياسي واقتصادي وعسكري فلا شك أن الغرب الاستعماري قد استعمل ضدنا أقسى الوسائل العسكرية وأبشعها لتحقيق عملية القهر والنهب، وكذلك لم يتورّع عن استعمال كل الوسائل السياسية والاقتصادية في تحقيق أهدافه، وبالتالي كان من الطبيعي أن تشن حركات التحرر الوطني الحرب ضد الاستعمار عسكريًا وسياسيًا واقتصاديًا.
ولكن البعد الثقافي لتلك المواجهة كان غائبًا، وكأن هذا هو السبب بالتحديد في فشل مشروع النهضة بعد رحيل الاستعمار، بل الوصول إلى طريق مسدود أهدر كل المكاسب التي تحققت في المجالات العسكرية والسياسية والاقتصادية للمواجهة، بل أقسى من ذلك وأمر أصبحنا مهددين بعودة الاستعمار بجيوشه وأساطيله كالمسابق وبآليات أكثر تعقيدًا وأكثر كفاءة.
إن البعد الثقافي للمواجهة كان يعني ضرورة تصفية الرواسب الثقافية الاستعمارية حكوميًا وشعبيًا، لأن هذا البعد الثقافي مرتبط بتحطيم أو بناء المكونات العقدية والفكرية والحضارية والأنماط المعيشية والإنتاجية وأشكال العلاقات الجماعية والفردية وتحطيمها يعني هدم القلعة من الداخل ومسخ الشخصية وجعلها في حالة عدم قدرة على الصمود والمواجهة فضلًا عن تحقيق مشروع النهضة، أما بناؤها بصورة صحيحة فيعني التماسك الفردي والجماعي، والقدرة على المواجهة ـ والقدرة على تحقيق الذات الحضارية وتحقيق مشروع النهضة بالتالي.
التغريب أدّى إلى الاستبداد
ما حدث بسبب التغريب يمكن أن نشبّهه بنوع من الانفصال الشبكي بين الشعوب والنخبة الحاكمة، فأصبحت الشعوب بمعزل حقيقي عن عملية النهضة ولم تستطع النخبة السياسية أو الفكرية بحكم محدوديّتها أن تنجز عملية النهضة. إن الشعوب كانت وما زالت تحمل الوجدان الإسلامي، كانت وما زالت معبأة بالتراث ومفعمة بالعقيدة، ولا يمكن القضاء على هذا الوجدان أو طريقة التفكير بسهولة، وبالتالي فإن فرض مشروع نهضوي غير قائم على وجدان الجماهير وعقيدتها وحسّها الثقافي وتراثها التاريخي يجعل تلك الجماهير لا تفهم هذا المشروع، ولا تتحمس له أو ترفضه وتعاديه أو يحدث لها نوع من ازدواج الشخصية أو انفصامها، وبالتالي يعود إلى سلسلة من الأخطاء والخطايا تجعل مشروع النهضة في مهب الريح، وإذا كانت النخبة المغتربة جادة في محاولة تحقيق نهضة على أساس تغريبي فإن رفض الجماهير لهذا المشروع النهضوي التغريبي أو عدم حماسها له يجعل تلك النخبة تحاول أن تجبر الجماهير على الانخراط والحماس في هذا المشروع، وبما أن التركيبة الثقافية والوجدانية للجماهير لا تستجيب للتحريض الإعلامي النخبوي بهذا الصدد، فإن النخبة الحاكمة تجد نفسها لاجئة في النهاية إلى قمع الجماهير والاستبداد بها وإجبارها بالقهر على الانخراط في هذا المشروع وبالطبع تبدأ المسألة من هذه الزاوية وتنتهي إلى أن يصبح الاستبداد والقهر سمة أساسية للحكم التغريبي، بمعنى أن يصبح للاستبداد لبنته الخاصة والذاتية حتى بصرف النظر عن مشروع النهضة التغريبي أي أن التغريب يوجد الاستبداد خلقًا.
كلمة في مسألة العلوم الطبيعية
من الأشياء التي يتشدق بها دعاة مشروع النهضة التغريبي، أنهم يستهدفون الحصول على العلوم الطبيعية أو التقنية من خلال مشروعهم التغريبي المرتبط بالمنهج التغريبي في النهضة والمنفتح على الحضارة الأوروبية التي أنجزت تقدمًا علميًا باهرًا.
وينبغي هنا أن نضع الكثير من النقاط فوق الكثير من الحروف في هذه القضية الخطيرة.
ينبغي أن نعرف أن العلوم الطبيعية تنقسم إلى قسمين، قسم خاص بالحقائق العلمية، والمكتشفات العلمية، وقسم خاص بتوجيه هذه العلوم في اتجاه معين، أي لإنتاج سلعة ضرورية أو كمالية مثلًا، للقضاء على مرض أو لنشر مرض، أي لإنتاج أدوات تسعد الإنسان وتساهم في راحته أو لإنتاج أسلحة الدمار الشامل، لإصلاح البيئة والمحافظة عليها أو لتخريبها وتلويثها.