فهرس الكتاب

الصفحة 1515 من 1942

وأنتم تشددون على أن الإسلام كدين ليس (عدوًا للحضارة) أو (عدوًا لحقوق الإنسان) . ونحن نوافق تمامًا. وأنتم تشيرون إلى أن العنف السياسي والمتطرف ليس (خاصًا بالمفهوم الديني) أو (ليس مرتبطًا بديانة معينة) . ونحن نوافق تمامًا على ذلك أيضًا.

وفي هذا السياق, فإننا نذكر, ويا للأسف جنوح بعض الأميركيين الى الإدلاء بآراء متهورة في شأن الدين الإسلامي وأخرى تتوخى الأذى به . وبعض هذه الآراء تناقلته وسائل الإعلام بكثافة. على أن الدلائل تشير في الوقت نفسه إلى أن هذه الآراء لا تعكس وجهة نظر الغالبية العظمى من المواطنين الأميركيين.

وأنتم تدعوننا كمثقفين أميركيين ألى (مراجعة جادة) لموقفنا من الإسلام, ومدّ جسور الحوار مع المفكرين المسلمين البارزين والذين يمثلون الفكر الإسلامي العريض. وهذا هو تحديدًا ما نسعى إليه, وأحد مظاهره رغبتنا في الجواب على رسالتكم.

*حيث نسيء فهم بعضنا بعضًا:

للأسف, إن استعمالنا المتكرر في رسالتنا لعبارة (القيم الأميركية) أدى إلى بعض الإرباك والإبهام, كما يظهر من اعتراضكم في ردكم على ما اعتبرتموه دعوة من الولايات المتحدة موجهة إلى المسلمين لاعتناق (المبادئ الأميركية) . والواقع أن قصدنا كان صياغة طروحاتنا في إطار عالمي شامل, غير مقترن بأية خصوصية وطنية أو فردية. وكان علينا توضيح هذا القصد توضيحًا أفضل. ونحن هنا نعلن قناعتنا بأن القيم الأساسية التي ننطلق منها ليست خصوصية على الإطلاق.

ونحن في رسالتنا كتبنا أن (أفضل ما نطلق عليه(في الولايات المتحدة) بحسب الصيغة الشائعة تسمية (القيم الأميركية) ليس حكرًا على أميركا بل هو إرث مشترك للإنسانية جمعاء). إضافة إلى ذلك, فإن ما سميناه (القيم الأميركية) يعكس في بعضه ما جاء ليُثرينا من التقاليد والمفاهيم التي حملها المهاجرون الوافدون إلينا من مختلف المجتمعات في أرجاء العالم معهم. ففي هذا الإطار, نجد أن تأكيدنا عالمية القيم الإنسانية الأساسية يشابه الطروحات التي تقدمتم بها في رسالتكم.

وثمة جانب آخر من جوانب سوء التفاهم على ما يبدو ينبع من استعمالنا المصطلحين الإنكليزيين (SECULAR) و (SECULARISM) . فرسالتكم تشير إلى أننا نحبذ العلمانية, والواقع أننا في رسالتنا نرفض العقيدة العلمانية المتشددة (العلمانوية) التي نعرّفها أنها (نظرة إلى العالم قائمة على رفض الدين أو العداء للدين) . لكننا, من جهة أخرى, ندافع عن مبدأ الحكومة الدنيوية, ونقصد به النظام الدستوري الذي لا يمنح رجال الحكم السلطة انطلاقًا من مكانتهم في الهرمية الدينية أو على أساس تعيين السلطات الدينية إياهم في مناصبهم. فتحبيذ الدولة (الدنيوية) ليس إذن اعتناقًا للعقيدة العلمانية المتشددة (العلمانوية) . بل خلاف ذلك صحيح على الغالب بالنسبة إلينا. ولذلك كتبنا أن (الولايات المتحدة تكون في أفضلها حين تسعى إلى أن تكون مجتمعًا يجمع الإيمان والحرية, وكل منهما يرتقي بالآخر) . وقلنا أيضًا انه (من الجانب الروحي, فإن فصل الدين عن الدولة يسمح للدين بأن يكون دينًا, عبر نزعه من السلطة القاهرة للحكومة) .

وبعض سوء التفاهم هذا قد يعود إلى صعوبة التعريب. فعلى سبيل المثال, إن المصطلح العربي (العلمانية) قد يُفهم أنه ينطوي على العداء للدين, غير أنه يستعمل عادة أساسًا لتعريب كل من المصطلحين الإنكليزيين (SECULAR) و (SECULARISM) . فقد يكون المطلوب استعمال مصطلح (دنيوي) الذي لا ينطوي على أي عدائية إزاء الدين للتعبير عن المفهوم الذي نحبّذ.

وبشكل عام, فإن انتشار العقيدة العلمانية المتشددة (العلمانوية) والنتائج المترتبة عليها في الولايات المتحدة وغيرها من المجتمعات الغربية, والعلاقة في كل المجتمعات بين الإيمان الديني وحرية المعتقد, هي من المسائل المهمة التي تستحق المتابعة والحوار فيها بعضنا مع بعض.

حيث نختلف:

نقطة الخلاف الأولى بيننا وبينكم هي في أنكم في رسالتكم لا تأتون إطلاقًا على ذكر دور مجتمعكم في احتضان العنف (الجهادي) (3) وفي حمايته ونشره, وهو العنف الذي يهدد العالم بأسره اليوم, بما فيه العالم الإسلامي.

فعلى سبيل المثال, عند الإشارة إلى الضحايا الأبرياء الثلاثة آلاف الذين سقطوا في اعتداء الحادي عشر من أيلول (سبتمبر) , لا تتحدثون عن (منفّذين) فحسب, بل عن (المنفذين المفتَرضين) . وهذه العبارة تؤلمنا وتخيّب أملنا. كيف يسعنا أن نصدق أنكم لا تعلمون أن 15 من أصل 19 من المهاجمين هم من التابعية السعودية؟ وأن زعيمهم أسامة بن لادن هو في الأصل سعودي؟ أو أن تنظيم القاعدة الذي أرسلهم قد حصل على مدى السنين على الدعم المالي المهم من البعض في بلادكم؟ أو أن نسبة مرتفعة من المقاتلين التابعين لـ (طالبان) ولـ (القاعدة) , والذين قبضت عليهم الولايات المتحدة في أفغانستان, هم من السعوديين؟ أو أن انتشار العنف الذي تقدم عليه الجماعات الإسلامية في أنحاء العالم, من أفغانستان إلى أندونيسيا والولايات المتحدة, يمكن تتبع أصوله, في بعضه على الأقل, إلى الدعم المالي والسياسي والديني من مصادر في بلادكم؟

هذه الوقائع معروفة جيدًا, وليس ثمة خلاف على حقيقتها الموضوعية. لكن رسالتكم توحي بأن هذه الوقائع ليست وقائع على الإطلاق, بل (افتراضات) , وأن المسألة برمتها, أي من هم الإرهابيون ومن يدعمهم, خارجة عن موضوع الأزمة الحالية.

ونحن ندرك بعض الأسباب الممكنة التي تدفعكم إلى تجنب النقاش في الموضوع. غير أننا لو كنا, مثلًا, قد كتبنا أن بلادنا في تاريخها قد شهدت تجربة الاسترقاق (المفترض) , أو أن سكان البلاد الأصليين (الهنود) قد تعرضوا لظلم (مفترض) , لكنا توقعنا منكم أن تردوا, بحق, أن هذا الإنكار المبدئي للوقائع ينفي إمكان الحوار الصادق. وقياسًا, وفي سبيل متابعة الحوار في ما يتعدى هذه الرسالة, نطلب منكم بإخلاص أن تقدموا إلينا رأيكم الصريح في ما يتعلق بالدور المهم للبعض في مجتمعكم في اعتداء 11 أيلول, كما في انتشار العنف الذي تقترفه الجماعات المتذرّعة بالإسلام في أرجاء العالم.

وأنتم تكتبون (ان الولايات المتحدة لو اعتمدت العزلة عن العالم داخل حدودها) فإنه لم يكن ليعني المسلمين ما تعتنقه وتمارسه من مبادئ وقيم. وهذا القول صادق, على الأقل في بعضه. لكننا لا نعتقد بأن من الحكمة لبلادنا (أو لأية بلاد أخرى في هذا الصدد) أن تعتمد (العزلة عن العالم داخل حدودها) . ونحن نشير هنا الى أن الكثير من الشخصيات والمجموعات من بلادكم تنشط في ترويج مفهومها للدين الإسلامي لا في الولايات المتحدة فحسب, بل في كثير من الدول الأخرى التي لا نية لها ولا قدرة على التأثير الفاعل خارج حدودها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت