فهرس الكتاب

الصفحة 1536 من 1942

وقد راعى المسلمون في بناء بعض أبنيتهم خطر الاهتزازات الأرضية؛ فقد لاحظت الحكومة الاسبانية حديثًا أنّ قصر الحمراء في قرطبة، والذي بُني في القرن التاسع الميلادي قد ظل صامدًا حتى عصرنا هذا على الرغم من تعرض المنطقة لعدة زلازل دمرت كل ما حوله من بيوت ومبانٍ وبقي القصر قائمًا. . فشكّلت لجان علمية لدراسة هذه الظاهرة، فاكتشفوا أنّ بعض أعمدة القصر مفرغة من ا لداخل، وفيها قوالب من الرصاص الذي يُصبّ منصهرًا، وأنّ هذا التصميم الهندسي يمتص الصدمات العنيفة. أما حوائط القصر فقد صُنعت بنوعين من الحجارة على التوالي. . الحجارة الحمراء مع الحجر الرملي العادي، وهذا التصميم يدعم الجدران ضد الاهتزازات.

وقد احتل نابليون قرطبة من 1808م حتى 1812م فجعل قصر الحمراء مركز قيادة لقواته. . وعندما أراد الانسحاب منها وضع المواد الناسفة في بعض أبراج القصر وهو يتصور أنه سيدمره كله. . ولكن العنف الذي دمر برجين في القصر لم يؤثر على باقي القصر الذي ظل حتى يومنا هذا يتحدى عناصر الزمن والزلازل ومحاولات التخريب البربرية.

وحرص المسلمون على إيصال صوت الخطيب والمقرئ في المساجد الواسعة إلى أبعد مصلّ عن طرق تصميم خاص في جدران المسجد والأعمدة لنقل الصوت من المنبر وتوزيعه على الساحة بكل وضوح.

وقد اعتنى علماء المسلمين بصحة الإنسان فكانت الإنجازات المتعددة في مجال الطب والأدوية، فقد عرفوا خصائص بعض النباتات، وشكّلوا منها خلاصات طبية مختلفة، كما كانت مركبات الزئبق والأفيون معروفة قبل اشتغال المسلمين بالصيدلة، غير أنهم أسهموا إسهامًا كبيرًا في إتقان تحضيرها وانتشار استعمالها بعدما كانت تفتقر إلى جودة التحضير، وبعدما كانت لا توصف إلاّ في حالات نادرة، كما حضّر الصيادلة المسلمون الترياق المؤلف من عشرات الأدوية لمقاومة السموم. وكانت المستشفيات عند المسلمين على نوعين: منها ما هو خاص لبعض الأمراض كالأمراض العقلية، ومنها ما هو عام لجميع الأمراض، وكان بعضها ثابتًا، وكان بعضها الآخر متنقّلًا وهو أشبه بالمستوصفات النقالة أو الجوّالة، وأوّل من فعل ذلك الوزير علي الجرّاح أيام الخليفة المقتدر بإشارة من سنان بن ثابت بن قرة.

وفي مجال الفنون عرف المسلمون الخط الجميل الذي زُيّنت به المساجد والقصور والمدارس والمستشفيات والبيوت والعملات الخ . . . حتى إنها طالت الأسلحة التي زينوها بآيات من القرآن الكريم للتبرّك أولًا، وللتجميل ثانيًا.

لقد اهتم المسلمون بالزراعة وشهد لهم (جورج سارتون) في كتابه"المدخل إلى تاريخ العلم"حيث قال:"لقد كان التراث الإسلامي في حقل الأعشاب أعظم بكثير من تراث أية أمة أخرى، وهذا الاتجاه الذي لا نعرف له نظيرًا عند الأمم الغربية، يظهر من إنتاج علماء المسلمين في هذا المضمار"، ومما يبرز اهتمامهم بالزراعة كثرة المؤلفات حول النبات ومنها:"كتاب النبات"لأبي حنيفة الدينوري الذي عاش في القرن الثالث الهجري، وكتاب"الجامع لصفات أشتات النبات"للشريف الادريسي المغربي الصقلي الذي عاش في القرن الخامس الهجري، وكتاب"الأدوية المفردة"لضياء الدين البيطار الأندلسي الذي عاش في القرن السابع الهجري.

وفي مجال الصناعة توسّع المسلمون في الصناعات الكيميائية، فهم أول من صنع الصابون من الصودا، والكلمة الأوروبية"Suvon"أصلها عربي وهو صابون، كذلك برع المسلمون في صناعة الزجاج وطوّروا منه أنواعًا على درجة من النقاوة والجودة، ومن أعظم إنجازات المسلمين اكتشاف الأحماض مثل: النيتريك والكلوردريك التي اكتشفها الرازي عام 932م، وكذلك الأحماض العضوية مثل الخليك والليمونيك والطرطريك والنمليك. كذلك برع المسلمون في علم دباغة الجلود وتحضيرها.

وقد تجلّى اتساع الفاعليات العقلية، وهي الصفة الثانية للإنجازات الحضارية الإسلامية في عدة مظاهر:

أولها: علوم مبتكرة: ابتكر المسلمون عدة علوم ابتكارًا كاملًا ومنها علم أصول الفقه الذي ابتكره الشافعي، وعلم أصول العمران الذي وضع أصوله ابن خلدون، وعلم الكيمياء، وعلم الصيدلة، وعلم المثلثات، وعلم الجبر.

ثانيها: اكتشافات غيّرت مجرى التاريخ: اكتشف المسلمون عدة اكتشافات كان لها أثر كبير في توجّه الحياة البشرية وفي تغيير مجرى التاريخ وهي: اكتشاف الدورة الدموية، والتخدير، وخيوط الجراحة، والنظّارة، وتطوير صناعة الورق، والإبرة المغنطيسية، والبارود، والمضخة الماصة الكابسة التي أصبحت أساسًا لمحركات السيارات والقطارات اخترعها الجزري المولود 1165م، والكاميرا التي أصبحت نواة لكل الأجهزة البصرية والمرئية كالسينما والتلفاز اخترعها ابن الهيثم المولود سنة 965م، والرقّاص أو البندول فبفضله عُرف الزمن وصُنعت الساعات لدقة القياس اخترعه ابن يونس المصري سنة 1009م، والجبر وهو علم اخترعه الخوارزمي المولود عام 780م كان له الفضل في تطوير علوم الرياضيات والمحاسبة والكمبيوتر، وقوانين الحركة الثلاثة وهي القوانين المنسوبة إلى نيوتن بينما اكتشفها المسلمون قبله في القرن العاشر الميلادي، وبفضلها قام علم الميكانيكا الحديث وجميع الآلات المتحركة.

ثالثها: إنجازات في مختلف العلوم: ساهم المسلمون في إضافات علمية في مختلف العلوم؛ ففي علم الجغرافيا اكتشف المسلمون كروية الأرض وقاسوا محيطها، ووصفوا خطوط الطول وخطوط العرض، وعرفوا دوران الأرض حول نفسها، وفي الفزياء اكتشفوا سرعة الضوء، ومبدأ الجاذبية، وقاسوا الضغط الجوي، وعرفوا الثقل النوعي للأجسام ومراكز الأثقال، وفي الحساب اكتشفوا الصفر والنظام العشري.

والآن ما سبب الإعمار الشامل وسعة الفاعليات العقلية في الحضارة الإسلامية؟

يعود الإعمار الشامل في الحضارة الإسلامية إلى غياب فكرة النجاسة عن العمل الدنيوي التي جاءت في الديانات الأخرى، بل على العكس عد الإسلام العمل الدنيوي عبادة، فقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم:"وفي بضع أحدكم أجر. قالوا: أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟ قال: أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه فيها وزر؟ فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر". (رواه مسلم) ، وقد وجه الرسول المسلم إلى العمل الدنيوي وحتى إن قامت الساعة، فقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم:"إذا قامت الساعة وبيد أحدكم فسيلة فليغرسها فإنّ له فيها أجرًا" (رواه أحمد) ، وفي هذا الحديث إشارة أيضًا إلى إكبار الإعمار والبناء والزراعة، وقد نهى الإسلام عن الرهبنة بمعنى الانقطاع عن الناس وعن العمل الدنيوي، واعتبر الرسول صلى الله عليه وسلم الجهاد رهبانية هذه الأمة، فقد جاء عن أنس بن مالك عن النبي أنه قال:"لكل نبي رهبانية، ورهبانية هذه الأمة الجهاد في سبيل الله" (رواه أحمد) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت