إن منطلق حقوق الإنسان في الخطاب الغربي هو الحق الطبيعي المرتبط بذاتية الإنسان من الناحية الطبيعية - بغض النظر عن الفكر والمنهج - بينما الحق الشرعي للإنسان في الإسلام يستند إلى التكريم الإلهي، ويرتبط بمفاهيم الأمانة والاستخلاف والعبودية لله وعمارة الأرض، ولا ينفصل عن حقوق الله لارتباطه بالشريعة التي تنظمه، وهو ما يجعله غير قابل للإسقاط بعقد أو صلح أو إبراء، فحقوق الإنسان الشرعية ليس من حق الفرد أو الجماعة التنازل عنها أو عن بعضها، وإنما هي ضرورات إنسانية توجب الشريعة الحفاظ عليها من قبل الدولة والجماعة والفرد، فإذا قصَّرت الدولة وجب على الأمة أفرادًا وجماعات تحملها؛ لذا كان مدخل"الواجب الشرعي"في الرؤية الإسلامية هو المدخل الأصح لفهم نظرة الإسلام للإنسان ومكانته وحقوقه، خاصة السياسي منها، تحقيقًا للمنهج الذي يربط بين الدراسة الاجتماعية السياسية والمفاهيم الشرعية من أجل بلورة رؤية إسلامية معًا (9) .
وفي ظل غياب أو- تغيب -الوعي الإسلامي خلال القرنين الماضيين وتخلّف المسلمين, وتقهقر الحضارة الإسلامية, وفرض الفكر الأجنبي والغزو الثقافي والقوانين المستوردة التي جاء بها المستعمر. اختل وضع الإنسان, وظهرت انتهاكات الحقوق, وتنادى العلماء والدعاة والمصلحون لبيان تكريم الله للإنسان, وأن مقاصد الشريعة المقررة أساسًا هي المنطلق الرئيس لإنسانية الإنسان, مما يحتم أولًا العودة إلى حظيرة الدين, لينعم الإنسان بظلال الشريعة الوارفة, ويمارس عمليًا حقوق الإنسان ويطبقها فعلًا وليس دعاية أو شعارًا (10) .
ولهذا فإن من الأهمية بمكان بحث هذا الأمر وتأصيله شرعيًا وتربويًا، ولذا لابد من تقرير أن من أهم أهداف الشريعة الإسلامية هو"تحرير الإنسان ورفع شأنه وتوفير أسباب العزة والشرف والكرامة له (11) . كما أن من أهداف التربية الإسلامية المتعلقة بهذا المجال"مساعدة الإنسان المسلم، وفهم معنى وأبعاد الكرامة التي قررها القرآن الكريم, وتبصير الإنسان المسلم بضرورة احترام الحقوق العامة التي كفلها الإسلام وشرع حمايتها حفاظًا على الأمن وتحقيقًا لاستقرار المجتمع المسلم في الدين والنفس والنسل والعقل والمال" (12) . كما أن العدل والإحسان في علاقة الإنسان بالإنسان يحققان شعار فلسفة التربية الإسلامية"بقاء النوع البشري ورقيّه" (13) وقد أولت التربية الإسلامية اهتمامًا بالإنسان وتحديد حقيقته ، ووجوده وغايته.،... ومنهجه الذي يجب أن يكون عليه في حياته لتحديد ما ينبغي أن تكون عليه تلك الحياة من أنماط معرفية وسلوكية واجتماعية تحقق له الخير والسعادة" (14)
ولعلي في ختام هذه المقالة أبرز بعض النقاط التي تؤكد أهمية التربية على حقوق الإنسان:
1.نظرًا لأهمية التربية في حياة الأمة إذ هي التعبير الصريح عن عقيدتها وفلسفتها تنعكس من خلالها تصوراتها وأهدافها من الإنسان وتعكف على تحقيق غايتها منه.
2.إن أولى المختصين بالحديث والاهتمام بحقوق الإنسان، وتأصيلها هم التربويون ذلك أن التربية صنعة مادتها وخامتها الأولى الإنسان وغايتها بناؤه.
3.عدم وجود إطار مرجعي تربوي يوضح المبادئ والأسس النظرية للتربية الإسلامية على حقوق الإنسان، ويجلّي أهدافها ومصادرها وطرقها وخصائصها المميزة لها.
4.ندرة الدراسات التربوية التي تناولت هذا الموضوع - مقارنة بحجم القضية وزخمها العالمي- وهذه الدراسات تنطلق من حقوق الإنسان بتقنينها الغربي، وقد جاءت في مجملها محاولات باهتة، غايتها نقل التطبيقات والممارسات، و صبّ الأفكار الإسلامية في أطر وقوالب غربية بعيدة عن التأصيل التربوي الإسلامي الذي يعكس جوهر المنظومة القيمية الإسلامية متجاهلةً اختلاف و تباين الأنساق المعرفية بين النموذج الغربي والنموذج الإسلامي.
5.استجابةً لتوصيات منظمة المؤتمر الإسلامي، وبرنامجها العشري في قمتها الاستثنائية الثالثة المنعقدة في مكة المكرمة في الفترة 5 - 6 ذو القعدة 1426هـ والمتضمنة الدعوة لوضع ميثاق إسلامي لحقوق الإنسان، وتدريس التربية والثقافة والحضارة الإسلامية وتطوير مناهج دراسية تعزّز قيم التسامح وحقوق الإنسان.
الهوامش:
(1) نقد المعرفة التربوية المعاصرة. د.على خليل أبو العينين. ص7 بحوث مؤتمر نحو بناء نظرية تربوية إسلامية. عمان. الأردن. 1411هـ
(2) المرأة والعمل السياسي. رؤية إسلامية. هبة عزت. المعهد العالمي للفكر الإسلامي.1995 .ص 84
(3) النظرية السياسية الإسلامية في حقوق الإنسان. دراسة مقارنة د. مفتي والوكيل.كتاب الأمة .1410هـ ص 41.
(4) استنادًا على قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1966م وتوصية اللجنة الدولية لحقوق الإنسان قامت منظمة اليونسكوعام1972م باقتراح يحث الدول الأعضاء على تبني تدريس مبادئ تدريس حقوق الإنسان ضمن المناهج الدراسية. (حقوق الإنسان في الإسلام - إبراهيم المرزوقي - 1997م) . وانظر (إعداد وثيقة التربية على حقوق الإنسان) ورشة عمل عُقدت في الدوحة دولة قطر مابين 24- 28/12/1424هـ حضرها ممثلو الدول من معدي السياسات التربوية في وزارة التربية والتعليم، وأشرف على إدارتها خبراء عرب وأجانب برعاية المفوضية السامية لحقوق الإنسان واليونسكو واليونيسيف. وأوصت بالتوسع في تضمين مبادئ وأهداف التربية على حقوق الإنسان في التعليم (المعرفة -127- شوال- 1426هـ) .
(5) موقع الدورة الاستثنائية الثالثة لمؤتمر القمة الإسلامي 7-8 ديسمبر 2005م
(6) إشكالية حقوق الإنسان ضمن الوضع العربي الراهن,حميد مجدي, مركز أمان للدراسات الأردن ص3 www.amanjordan.org .
(7) يذكر الدكتور معروف الدواليبي أن (جان جاك رسو) كان له أستاذ عربي مسلم اسمه (أبوزيد) ، وأن (روسو) أخذ مقولة عمر بن الخطاب:"متى استعبدتم الناس، وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا"، وانطلق يتكلم في حقوق الإنسان، وأصدر عقده الاجتماع في أوروبا الإقطاع. مذكرات الدواليبي. عبدالقدوس أبو صالح. العبيكان. 1425هـ
(8) إشكالية حقوق الإنسان ضمن الوضع العربي الراهن,حميد مجدي, مرجع سابق ص5
(9) المرأة والعمل السياسي. رؤية إسلامية. .هبة عزت. مرجع سابق .ص 84، وانظر خطاب إلى الغرب. مجموعة مؤلفين. غيناء للنشر .1424 . ص 210
(10) الإسلام وحقوق الإنسان. ضرورات لا حقوق.محمد عمارة. القاهرة دار الشروق .1989 . ص14
(11) حقوق الإنسان في الإسلام. النظرية العامة. جمال الدين عطية. 1987 ص 20.
(12) حقوق الإنسان محور مقاصد الشريعة. أ. د. الريسوني وآخرون, كتاب الأمة ــ عدد 87, محرم 1423هـ.
( 13) حقوق الإنسان في الإسلام ، زكريا البدري, دار الكلمة الطيب, القاهرة, 1997, صـ 7.
(14) فلسفة التربية الإسلامية . ماجد عرسان الكيلاني .دار القلم .1423 هـ .ط2 ، ص 155
(15) نقد المعرفة التربوية المعاصرة . علي أبو العينين مؤتمر نحو بناء نظرية تربوية معاصرة .عمان . الأردن .1411هـ