وكانت خاتمة المطاف في سلسلة النظرات الأحادية المجزِّئةِ لكيان الإنسان ، النظرة الوجودية"السارترية"التي أنكرت كسابقاتها وجود الإله، لينصب الإنسان نفسه مكانه بدعوى إثبات وجوده، وتحقيق حريته، بعيدًا عن أوامر الدين ونواهيه وتوجيه الفلسفات العقلية وضغط العادات والتقاليد.
وقادت الوجودية جيل ما بعد الحرب العالمية الثانية إلى حالة يائسة من القلق والضياع والسلبية في الحياة والحرية غير المضبطة والفوضى الاجتماعية (23) .
ومن هنا فإن المناهج التغييرية في العالم التي توجهها تلكم الفلسفات المادية البحتة، لم تستطع أن تعدل من عرج الحضارة الحاضرة. ولم تقد المجتمع الإنساني إلى السعادة والتوازن، لأن هذه المناهج لا تنظر نظرة شمولية إلى الإنسان . وحتى لو نظرت فهي إنما تنظر تعين بشرية محضة، لا تفلح قط في مهمتها. لأن لأسرار الحياة الحيوانية للعالم الإنساني لا يمكن أن تدرك في عصر واحد. وهي من التعمق والتشابك والتعقيد بحيث لا يدرك أبعادها إلا خالق الكون والإنسان الذي أودع في الوجود هذه الأسرار، وهو عليم بها وبحركتها وضوابط موازنتها.
ومن هذا المنطلق الحكيم، فإن المنهج التغييري الإسلامي هو المنهج الصالح لقيادة حضارتنا الحاضرة، وملء الثغرات التي حدثت في منظومتنا الحضارية الخاصة. وذلك لسببين:
-الأول:
إن هذا المنهج، ليس منهجًا بشريًا، إنما هو من عند الله، خالق الوجود وعالم الأسرار، عنايته تصل إلى كل ذرة من ذرة من ذرات الوجود بما فيه ومن فيه.
-الثاني:
إنه منهج قائم على أساس شمولية مترابطة متوازنة، داخليتها مرتبطة بظاهرها ارتباطًا وثيقًا في وحدة متناسقة لا تستطيع أن تفصل جزءًا عن جزءٍ. وإن أدخلنا القسمة المنطقية بين أجزائه، فإنما نفعل ذلك من باب الفهم والتوضيح.
إذن فمنهج التغيير الإسلامي منهج شامل لتحريك طاقات الإنسان كافة. إذ هو لا يقتلها بل يخرجها من عالم القوة إلى عالم الفعل وينظمها ويحركها في الاتجاهات التي تنسجم مع أصل تكوينها.
ونحن في المجتمع الإسلامي لا يجوز في منهجنا التغييري لتجاوز السكون الزمني السابق، أن نعيد التجارب الأحادية الغربية الممثلة بالمبادئ التي تحدثنا عنها. بل لا بد لنا أن نتحرك داخل نمطنا الإسلامي في منهج التغيير، حتى يتم التغيير في إطار طبائع الأشياء، فنصل إلى حياة متقدمة متوازنة وحضارة تعبر بصدق عن كيان الإنسان الشامل وفطرته
المذهبية الإسلامية وجوهر الإنسان
خلق الله الإنسان وأودع فيه دوافع فطرية تعبر عن تكوينه الخاص الذي تتفرع منه غرائزه التي تشكل أساس وجوده. ولا يمكن للزمن أن يبدل أو يقتل تلك الغرائز والنوازع الفطرية، فهي أصيلة في الحياة الإنسانية فالإنسان هو الإنسان من حيث تلك الصفات الجوهرية. ولقد قرر القرآن الكريم ذلك في قوله تعالى:
(( … فِطْرة اللهِ الّتي فطر النّاس عليها لا تبديل لخلق اللهِ ذلك الدّينُ القيِّم ولكنّ أكثر النّاس لا يعلمون ) ) (الروم: 30) .
نعم إن تلك الغرائز يمكن أن تهذب وتوجه في ظل مذهبية متناسقة حتى تتحرك في مساراتها الصحيحة ولا تنتهي إلى انحرافات خطيرة وأمراض نفسية وجنسية واجتماعية.
إن حركة الإنسان في التاريخ لم تكن تتحرك باتجاه محاولة تغيير العمق الإنساني بقدر ما كانت تتوجه أساسًا إلى محاولة إحداث التبديل في علاقة الإنسان بالعالم الخارجي، أي علاقته بما حوله من الكائنات الحية، وتسخيره للقوى التي أودعها الله في هذا الوجود.
وبقدر ما يتعلق الأمر بتلك العلاقة، فإن الأحكام والمثل يمكن أن تتبدل من ظرف إلى آخر، دون أن يكون هناك بالضرورة خروج على المثل الخالدة الفطرية التي تنبعث من جوهر النفس الإنسانية وكيانه الطبيعي.
وفي مراحل تاريخية معينة، لم يستطع أصحاب المناهج التغييرية أن يدركوا حقيقة التفريق بين الجوهر الإنساني الأصيل وعلاقته العرضية بالعالم الخارجي، فساووهما في التعامل فألحقوا بحركة التوازن الحضاري أضرارًا كبيرة وسببوا لها انحرافات خطيرة.
على سبيل المثال، نأخذ الآباء النصارى الأوائل. فقد واجهوا المجتمعات المادية الإباحية الرومانية وغيرها، وأرادوا أن ينتشلوها من تلكم الحياة الهابطة، لا بتوجيه الغرائز الدافعة لها وصقلها بروحانية الديانة النصرانية، بل بنفي تلك الغرائز والدعوة إلى قتلها والقضاء عليها، فلم يتحقق قط هدفهم فيما أرادوا، بل ظلت النصرانية تصبغ تلك المجتمعات من فوق، أما أعماقها الحقيقة فقد ظلت أسيرة بلك الغرائز الثابتة في كيان الإنسان.
ولذلك فلم تستطع النصرانية في تاريخها أن تطبق نظرية"من ضربك على خدك الأيمن فأدر له الخد الأيسر"ونظرية"إذا زنت عينك فاقلعها"و"إن العلاقات الجنسية ولو كانت مشروعة فهي قذرة"لأن هذه النظريات لم تعبر عن أصالة الإنسان وغرائزه الفطرية.
ولذلك لم يستطع المنهج النصراني أن نؤثر في سير الحضارة الغربية ذات الأصول الرومانية فقد ظلت عبادة القوة والإباحية الجنسية تشكل المسارات الحقيقة للحضارة الأوروبية عبر تاريخها الطويل.
وكانت ردود فعل الاتجاهات المادية تجاه سيطرة التربية النصرانية الكنيسية قوية بحيث وقعت هي بدورها في الانحراف ذاته.
فلقد رسمت تلك الاتجاهات كلها صورة مادية حيوانية بحتة في عالم الإنسان وألغت المساحة التي تتصل بكيان الإنسان الروحي، فكانت النتيجة الحتمية الانحراف المعاكس الذي حدث في كيان الإنسان ، وهو الفراغ الذي أحدثه إنكار حقيقته الروحية، والذي أدى إلى أزمات نفسية وشعورية خانقة جعلت من الكائن الإنساني في ظل الحضارة الحديثة كائنًا قلقًا ضائعًا شقيًا، نتيجة الصراع الرهيب بين الغريزة الداخلية والمناهج المادية التغييرية التي خططت لطمس معالمها، لا بل قتلها إلى الأبد، بدعوى أن الإنسان يعيش في الطور الثالث من أطوار حركة التطور الاجتماعي وهو طور المعرفة الحسية، بعد أن مرّ على ما زعمه"أوجست كونت"بطور المعرفة الخرافية، وطور المعرفة العقلية!!
ولقد دلت عشرات البحوث العلمية الحديثة على أن الإنسان لا يمكن أن يتطور في صفاته الجوهرية، وأن التدخل الذي حدث لإنكار دور تلك الصفات هو المسؤول عما تعانيه الحضارة الحاضرة من عدم الاستطاعة في إيجاد صيغة متوازية للحياة الإنسانية (24) .
لقد نظر الإسلام إلى الإنسان من حيث هو جوهر أصيل له رغبات ذاتية فطرية لا بد أن تشبع وأن تحل مشاكلها في زل مذهبية ربانية تنظر إلى الإنسان نظرة أصيلة لا عرضية، ولذلك نجد أن الشريعة الإسلامية تعالج مشاكل الغرائز الإنسانية المتنوعة من مبدأ الاعتراف بوجودها. فجانبها الروحي يحتاج إلى مخطط عبادي يملؤه ويشعره بلذة العبودية لخالقه، حتى لا يبقى تائهًا حائرًا يعاني من الفصام. وجانبها الجنسي يحتاج إلى مخطط اجتماعي أخلاقي يضبط العلاقات الجنسية في المجتمع ويحصرها في داخل الأسرة، حتى لا يودي به ضغط الغريزة الجنسية إلى الدرك الأسفل من السلوك الحيواني غير المنضبط. وجانبها في غريزة الشبع يحتاج إلى مخطط اقتصادي يحافظ على التوازن المعاشي الذي يمنع انتقال المجتمع إلى حياة الترف من جهة والجوع المهلك من جهة أخرى. وجانبها في غريزة الطموح الإنساني يحتاج إلى مخطط يحقق آدميته ويثبت له حرية مهذبة مضبوطة، حتى لا ينتهي الأمر إلى استعباد طائفة لطائفة أخرى وسحقها تحت مطرقة غريزة الاستعلاء والطمع.