فهرس الكتاب

الصفحة 1625 من 1942

ولدقة مسألة أمر الغرائز، وحتى لا يحصل تجاوز معاكس أقول: إننا عندما نقول (مخطط الإسلام التغييري ) لا نقصد آراء الفقهاء التي قد تكون مرتبطة بظروفها الزمانية والمكانية. إذ أن بعض تلك الآراء كثيرًا ما انطلقت من ضغط العادات والأعراف، وحاولت محاصرة الغرائز، بل كبتها من منطلق الخوف الموهوم على أخلاق الناس، ومن مبدأ اتخاذ"التحريم"أصلًا في كل حالة من غير دليل شرعي قاطع أو حتى قوي.

وتلك الآراء تمثل جانبًا من الفكر الإسلامي في مرحلة معينة، ونحن قد قررنا أن أفكار المسلمين في أية مرحلة من مراحل التاريخ ليست معصومة، لأنها ليست وحيًا إلهيًا وإنما هي اجتهادات قد نقبلها في عصرها وقد لا نقبلها.

المهم ألا نخرج على الضوابط الإسلامية الصحيحة الثابتة بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ، في تربية الغرائز والاستجابة لدوافعها الصحيحة

المذهبية الإسلامية والمجال الغيبي

تبين لنا فيما سلف كيف أن الله سبحانه وتعالى جعل الإنسان خليفته في الأرض، وخلقه خلقًا فريدًا متميزًا وكلفه بأن يقوم بدوره العظيم والقيام بالأمانة العظمى التي ارتضاها لنفسه.

لقد زود الله الإنسان بالطاقات التي تحقق له هذه الخلافة على أكمل وجه على الأرض لا في مكان آخر. فمجال تفكيره واجتهاده وإبداعه هو هذه الأرض وما يتعلق بها من القوانين المادية التي حولها.

وإذا وجهت طاقته المادية والمعنوية إلى ولوج مجالات أخرى لا تتصل بتحقيق تلك الخلافة، فإنه يتيه فيها ولا يستطيع أن يتوصل إلى اليقين، فيضيِّع كثيرًا من الوقت الذي كان يمكن أن يصرفه في مهمته الكبرى في إنشاء الحضارة الإنسانية الموزونة.

وفي سبيل ألا يضل الإنسان في عوالم الغيب وضع الله تعالى في كتابه الكريم الحقائق النهائية التي يحتاجها، كي لا يتعب نفسه وفكره في هذا المجال، دون جني أية ثمرة، ليتفرغ إلى التفاعل مع الأرض والاستفادة من الزمن، لإنجاح عملية الخلافة الإلهية.

وانطلاقًا من هذا المبدأ، فإن على الإنسان في إطار الحقائق الإلهية التي وضعت أمامه أن يسلم بالتفصيلات الغيبية. فهو طالما آمن بإله خيالاته المادية في محاولة تصور ماهية الإله وصفاته. ولذلك فلقد دعاه الخالق سبحانه وتعالى إلى الإيمان بالغيب وجعل ذلك من أمارات صدق يقينه في قوله:

(( الّذين يُؤْمِنُون بِالغيبِ ويقيمون الصّلاة وممّا رزقناهم ينفقون ) ) (البقرة: 3) .

ثم بين له أن أي تحرك خيالي للعقل في غير ما كلّف به لا يكون مجديًا أبدًا ولن يوصل إلى المراد.

(( .. ليس كمثْلِهِ شيءٌ وهُو السَّميعُ البصِيرُ ) ) (الشورى: 11) .

إن العقل الإنساني على الرغم من طاقاته الكبيرة عقل محدود ناقص وجد أصلًا ليكون عقليًا عمليًا يشتغل في إطار عالم المادة، فيحاول الكشف عن قوانينه وأسراره. ومن أجله نجد العقل الإنساني في التاريخ كله، كلما حمِّل نفسه في قضايا ما وراء المادة أكثر مما يتحمل ضل وتاه ولم يصل قط إلى الأمان.

والدليل على ذلك آراء الفلاسفة والمفكرين في تلك القضايا الغيبية منذ أقدم العصور إلى اليوم، فهي عبارة عن مجموعة من الأفكار المضطربة والمتصارعة والمتضادة والساذجة في أحيان كثيرة، والتي تحمل كل قصور ذلك العقل المحدود في المجالات الغيبية المذكورة.

ومن جهة أخرى كلما عرف العقل الإنساني مقداره ومجاله واشتغل في إطار كشف أسرار عالم المادة، أنتج وأبدع في هذا الإنتاج.. والدليل على ذلك ثمرات الحضارة المادية عبر التاريخ التي حقق بها الإنسان جزءًا من خلافته على الأرض.

وكلما ادعى العقل الإنساني المعرفة المطلقة في حل أسرار عالم الغيب ضل وتاه وانتهى إلى الإلحاد والانحراف وارتمى في أحضان المادية وأنتج حضارة غير متزنة بعيدة عن تمثيل الفطرة الكونية والإنسانية بعدًا كبيرًا.

لقد انطلقت الحضارة الإسلامية من هذا المنطلق الإسلامي فاتجهت في علومها اتجاهًا تجريبيًا محضًا، استطاعت أن تنقذ الحضارة الإنسانية من العموميات الوصفية التي ورثتها من الحضارة اليونانية، وكان من نتيجة ذلك التقدم الكبير في علوم الطب والصيدلة والكيمياء وعلوم الحياة التي درست في الجامعات الإسلامية ابتداء من بخارى وطاشقند عبورًا ببغداد ودمشق والقاهرة إلى قرطبة الأندلس. ثم في الجامعات الغربية قرونًا.

ولا تزال المخطوطات التي كتبها لماء المسلمين تملأ المكتبات المنتشرة في حواضر الشرق والغرب.

لقد انتقل المنهج التجريبي من الحضارة الإسلامية إلى مراكز الثقافة الأوروبية فأثرت فيها تأثيرًا كبيرًا وحولت اتجاهها من المناهج الأسطورية إلى المناهج العلمية التجريبية الحديثة.

إن هذه القضية أصبحت من المسلمات العلمية التي يؤمن بها العلماء المنصفون والفلاسفة الأحرار من أمثال"جوستاف لوبون"و"سيديو"و"سارتون"و"جارودي"وغيرهم.

يقول جارودي:

"وعندما رحل الراهب الفرنسي"جربير"للدراسة في جامعة قرطبة، قفل راجعًا وقد بلغ من العلم مبلغًا صار يتهم من أجله بأنه قد تاجر مع الشيطان! وبعد أصبح البابا باسم"سلفستر الشاني". إننا ندين للعرب بكليات الطب الفرنسية الأساسية. وقد كانت"مونبلييه"في طليعتها. وقد ظلت كتب الطب العربية مثل كتب الرازي الشهير تنشر وتدرس حتى القرن السادس عشر في فرنسا، وحتى منتصف القرن التاسع في انجلترا. وكان العرب منذ القرن الثامن يجرون عملية سحب الماء الأزرق بإبرة جوفاء. وقد عرفوا الجبر بأكثر مما نعترف لهم به".

الشاعر"عمر الخيام"الذي عاش حوالي سنة"1100م"توصل إلى حل معادلات الدرجة الثالثة باستخدام الطريقة عينها التي سيستخدمها"ديكارت"بعد خمسة قرون. وبذلك وضع أسس الهندسة التحليلية.

وقد طل كتاب الجبر الكبير الذي ألِّفه وترجم إلى الفرنسية مرجعًا معتمدًا حتى سنة 1857م (25) .

ليس غرضنا هنا أن نكدس المعلومات عن التقدم العلمي ومنهجه في الحضارة الإسلامية، وإنما الذي نريد أن نؤكده أن المنهج الإسلامي اليوم وهو في طريقه إلى بناء الشخصية الإسلامية وحضارتها من جديد، عليه أن يؤكد في نظريته التربوية على جانب الدراسات العلمية، ويدعو إلى اتباع المنهج العقلي والعلمي والتجريبي والربط بين الظواهر، لمعالجة روح الخرافة والعقلية الأسطورية والمواقف اللاعقلانية واللا سببية التي فتكت بعقلية المجتمع الإسلامي في القرون الأخيرة، والتي جعلته يبطئ في تقبل التقدم العلمي والمنطق التجريبي والفلسفة العقلية والواقعية التي تعتمد العلل، تلك التقاليد العلمية التي شكلت ركنًا مهمًا في الحضارة الإسلامية في القرون التي قادت فيها الحضارة الإنسانية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت