إن الأشعريين ـ قبيلة من اليمن ـ كانوا إذا أجدبوا أو أرملوا ـ أي افتقروا وأصابهم الجدب والقحط ـ، جمعوا ما عندهم من زاد واقتسموه بينهم بالسوية .. فهم منِّي وأنا منهم (23 ) ومن تاريخ الإسلام في العهد العباسي نعرف ( أن الحكومات المتعاقبة تعهدت بتقديم الرعاية الصحية المجانية للمواطنين جميعًا دون تمييز في الأديان والمذاهب ) (24 ) .. فهل نكون رجعيين ـ يا ترى ـ إذا طالبنا الآن ، بعد أكثر من اثني عشر قرنًا هجريًا أن تعود الرعاية الصحية المجانية للمواطنين كما كان الحال في العهد العباسي ؟!
إن مشكلة النازحين من الريف إلى المدن الذين يعيشون على هامش الحواضر.. بل على هامش الحياة هي ـ أي المشكلة ـ تتمة الصورة البائسة للاجئين وللمحرومين عمومًا في ديار المسلمين.
الدول النامية.. أم الدول الفقيرة ؟!
تشكل ديار المسلمين الجزء الأكبر من العالم الثالث في أفريقيا وآسيا .. هذا العالم الذي يُسميه الغرب ـ نفاقًا وخداعا ً ـ: ( الدول النامية ) ! والعالم كله، كما هو معروف مقسوم الآن إلى (عالم الشمال ) الغني المتقدم تكنولوجيًا، والمستغِل ـ بكسر الغين ـ؛ و ( عالم الجنوب ) الفقير المتخلف المستغِل ـ بفتح الغين ـ، ولكن الغرب ـ الرأسمالي والماركسي على السواء ـ يتحاشى ظاهرًا استعمال كلمة التخلف والفقر ويُطلق على العالم الفقير المعدم تعبير ( الدول النامية ) والخبث في هذا التعبير يظهر من معنى الكلمة بالإنجليزية
(هناك دلائل كثيرة على أن الأوضاع المادية لمجموعات كبيرة من الناس في العالم الثالث هي أسوأ مما كانت عليه منذ عقدين من الزمان ) (25 ) .
ورغم ما يشاع ويذاع ويملأ الأسماع عن المعونات الخارجية للدول (النامية ) .. فإنها .. لا تنمو !! بل تزداد فقرًا على فقر؛ يقول (جورج وودز ) المدير السابق للبنك الدولي في المعونات الاقتصادية:
( إذا استمر الحال على هذا المنوال تكون كمية رؤوس الأموال الخارجة من الدول النامية أكثر من البالغ التي دخلتها في فترة خمسة عشرعامًا وذلك بسبب الفوائد المرتفعة ) (26 ) .
وتؤكد مصادر أخرى هذا الرأي فتقول:
( هناك درجة من المصداقية في القول بأن مساعدات التنمية زادت( الطين بلَّة ) وجعلت الدول النامية المستلمة للمساعدات أسوأ مما كانت عليه .. قبل أن تُساعد ) (27 ) .
ولعل أطرف الأمثلة وأحدثها عما تفعله ( المعونات الخارجية ) هو قصة صندوق النقد الدولي مع مصر في اتفاق برنامج التثبيت الاقتصادي والذي عقده البنك مع جمهورية مصر العربية للفترة ما بين 1978م - 1981م، وكان الهدف المعلن لهذا البرنامج هو إخراج مصر من أزمتها الاقتصادية وتقليل نسبة عجز ميزانها التجاري؛ وفي الدراسة التي أجراها الدكتور رمزي زكي الخبير الأول في معهد التخطيط القومي المصري ظهر أن (الصندوق ) دخل مصر عام 1978م وهي مدينة بـ ( 8000 ) مليون دولار .. وخرج (الصندوق ) إيّاه منها عام 1981م وهي مدينة بأكثر من (18000 ) مليون دولار .. أي أن كل مواطن مصري كان مديونًا بـ (422 ) دولار للعالم (28 ) .
وتفصيلًا للديون المصرية كتبت ( ناهد فريد ) في مجلة صباح الخير ما يلي: ( إن إجمالي الديون المصرية حسب دراسة البنك الدولي للإنشاء والتعمير بلغ في منتصف عام 1982م( 2ر19 ) مليار دولار وهكذا أصبح ترتيبنا التاسع بين أكبر الدول المدينة في العالم .
كان إجمالي ديون مصر في بداية عام 1970م 6ر1 مليار دولار
وفي نهاية عام 1973م 1ر2 مليار دولار
وفي نهاية عام 1976م 10 مليار دولار
وفي عام 1980م 054ر13 مليار دولار
وأصبح في منتصف عام 1982م 2ر19 مليار دولار
ولو قسمت الديون هذه الديون المتراكمة على عدد السكان لوجدنا أن الفرد الواحد مديون عالميًا بحوالي (420 ) دولارًا في السنة، والغريب أن دخل الفرد الواحد أيضًا لا يتعدى (460 ) دولارًا في السنة ) (29 ) .
وتذكر دراسة أخرى ملخصًا لواقع الحياة الاقتصادية في مصر تحت العنوان التالي: (تضاعف أعباء الديون(7 ) مرات في أقل من 6 سنوات وزيادة العجز التجاري 40 مرة ) (30 ) .
وبمناسبة الحديث عن الديون الخارجية وتراكمها في كثير من الدول المسلمة أعرض الجدول التالي وفيه بعض الأرقام المذهلة التي ـ تزايدت بصورة هائلة في العقد الماضي (ما بين 1970 ـ 1980م ) بحيث شكلت في عام 1980م أكثر من خمسين بالمائة من إجمالي الناتج القومي.
وكما أن الدين بالنسبة للفرد هو هَمٌّ بالليل وذلٌّ بالنهار، كذلك ديون الدولة المستدينة التي تصبح عالة على دائنيها معتمدة عليهم اعتمادًا كليًّا في حياتها وحياة شعوبها. وإذا تذكرنا أن الدول الكبيرة هي الدائنة في الغالب، أو المؤسسات الدولية الخاضعة لها نجد كيف تؤثر هذه الدول الكبيرة في سياسات الدول الفقيرة المدينة ( في سياساتها الداخلية والخارجية ) ومن أراد الاستزادة في موضوع المعونات يمكنه الرجوع إلى الكتاب الذي أشرت إليه قبلًا.
تراكم الديون الخارجية العامة لبعض دول العالم المسلم (32)
الدولة
عام 1970
عام 1980
المبلغ بالملايين
بالدولار
الأمريكي
النسبة المئوية
من إجمالي
الناتج القومي
المبلغ بالملايين
بالدولار
الأمريكي
النسبة المئوية
من إجمالي
الناتج القومي
أفغانستان
باكستان
5ر30 %
7ر34 %
السودان
3ر15 %
2ر37 %
اليمن الجنوبي
أندونيسيا
1ر27%
5ر22%
موريتانيا
8ر16%
7ر139%
مصر
8ر23%
7ر51%
المغرب
6ر38%
نيجيريا
4ر6%
5ر5%
تونس
2ر38%
9ر33%
سورية
8ر12%
1ر20%
تركيا
4ر14%
4ر22%
الجزائر
3ر19%
7ر38%
السنغال
6ر11%
9ر34%
ولا يقتصر عدم التوازن في المداخيل عالميًا على وجود دول غنية ودول فقيرة، بل هناك في الدول الفقيرة خلل كبير في التوازن الاقتصادي والاجتماعي؛ وإليكم هذا المثل الآخر عن الظلم الاجتماعي في ديار المسلمين، من بلد صغير هو لبنان: يقول الكاتب الاقتصادي السيد/ عدنان كريمة في دراسة طريفة عن (أصحاب الملايين ) في لبنان ما يلي:
كلمة [مليونير ] ـ أي رجل يملك مليونًا من الليرات اللبنانية كحد أدنى ـ لم تعد مستهجنة في الثمانينيات كما كانت في الستينيات .. وبعض الشيء في السبعينيات، ففي الستينيات كان في لبنان حوالي (500 ) مليونير ( وسكان لبنان هم أقل من ثلاثة ملايين نسمة ) ؛ وقد ارتفع الرقم في نهاية العام 1972م إلى حوالي (900 ) مليونير ثم ازداد عدد (المليونيريين ) خلال السبعينات فوصل في نهاية علم 1979م إلى حوالي (12000 ) مليونير وقفز في العام الماضي ـ أي 1982م ـ إلى أكثر من عشرين ألفا (33) ً ومن المعروف أن الحرب الأهلية المستعرة، وغزو إسرائيل للبنان خَلَّفت مئات ألوف الأيتام والمشردين والمعوقين والجياع من فلسطنيين ولبنانيين بالإضافة لأكثر من مائة ألف قتيل وجريح وتدمير شديد لوسائل المعيشة لجميع الطبقات .
يقول السيد/ ( عدنان كريمة ) في آخر مقاله عن أصحاب الملايين في لبنان: