فهرس الكتاب

الصفحة 1695 من 1942

فقلت: لا .. وإنما تتعاقب هذه العصور كما تتعاقب فصول الربيع والخريف والصيف والشتاء ، بنظام ثابت ، وتوقيت محدد ، وفق سنن ربانية محكمة .

ثم تابعت أقول: وأما مثالك الآخر ، الذي اخترته من عالم الطب ، فهو كذلك لا يؤيد اعتراضك على ثبات السنن ، فالجدري مثلًا الذي اختفى منذ سنوات قريبة ، لم يختف نتيجة تغيير في سنة المرض ، بل اختفى لأسباب معروفة ، أهمها تعميم استخدام اللقاح الواقي من الجدري على نطاق واسع في بلدان العالم قاطبة .

قال صاحبي يعترض من جديد: ولكن اللقاح لم يعد مستعملًا الآن ، ومع هذا لم تعد تسجل أية حالات جديدة من المرض ؟

قلت: أجل ، هذا صحيح فعلًا ، فقد أوقف العلماء استخدام اللقاح لأنهم أصبحوا واثقين من أن الجنس البشري قد اكتسب نوعًا من المناعة المتأصلة ، التي أصبحت تشكل إخلالًا في سنة الإصابة بالجدري .. إذ تتطلب هذه السنة الخاصة بالعدوى بالأمراض المعدية ، وجود عاملين رئيسيين ، هما:

1 -العامل الممرض ( وهو فيروس الجدري في المثال المذكور ) .

2 -الجسم القابل للعدوى والمرض .

ويعتقد أن لقاح الجدري ، جعل أجسام البشر غير قابلة للعدوى والمرض بجرثومة الجدري ، أي حدث إخلال بالعامل الثاني ، الذي يلزم لحدوث هذا المرض .. وهذا يعني أن سنة الإصابة بالمرض لم تتعطل أو تتبدل ، بل حدثت هنالك موانع حالت دون فعل هذه السنة ، وهذا - طبعًا - بالنسبة للجدري فقط ، وأما بقية الأمراض السارية ، فلم يحدث فيها مثل هذا ، ومازالت هذه الأمراض تصيب أعداد كبيرة من البشر كل يوم .. مما يعني أن داء الجدري قد يعود إلى الظهور مستقبلًا ، إذا ما زالت الموانع التي تحول دون ظهوره اليوم.

وكما هو الحال بالنسبة لداء الجدري ، فكذلك الحال بالنسبة لداء ( الإيدز ) فهو يخضع أيضًا لسنة الأمراض السارية التي أشرنا إليها .. وقد ظهر هذا الداء عندما تهيأت الظروف لظهوره .

وقاطعني صاحبي فقال: وما قولك في الحديث الشريف الذي جاء فيه (.. لم تظهر الفاحشة في قوم قط حتى يعلنوا بها إلا فشا فيهم الأوجاع التي لم تكن في أسلافهم ) ؟

قلت: صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه لا ينطق عن الهوى .. ولكن هذا الحديث يا صاحبي يمثل برهانًا على ثبات السنن ، فإن ظهور أوجاع جديدة بين الناس ، لا يعني أنها تتطلب خلق سنن جديدة من أجلها ، وإنما يكفي أن تتوفر الشروط اللازمة لحصولها ، وهي كما قلنا آنفًا:

وجود العامل الممرض ، أي فيروس الإيدز بالنسبة للحالة التي تعرضها ، وهذا الفيروس ربما يكون قد خلق قبل هذا الزمان بآماد بعيدة ، أو أنه خلق حديثًا بمشيئة الله ، نتيجة تفاعل بعض السنن الكونية ، فيما بينها ، بسبب ظروف طارئة جديدة .

والعامل الآخر استعداد الجسم البشري للإصابة بهذا المرض ، وهذا الشرط يمكن أن يتوفر في أي زمان ، إما لأن جسم الإنسان يمتلك أصلًا مناعة ضد المرض الجديد ، وإما لضعف يطرأ على الجسم فيجعله قابلًا للعدوى بهذا المرض .. وقد اثبتت الدراسات الحديثة أن تعاطي المخدرات ، وممارسة الشذوذ الجنسي ، يضعفان مناعة الجسم، ومما يؤيد هذه الحقيقة انتشار داء الإيدز خاصة في البلاد التي فشت فيها مثل هذه الفواحش .. وعلى هذه الشاكلة يمكن أن نفهم حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم .. فهو لا يحتم حصول تغيير أو تبديل في السنن التي فطر الله عليها أمور خلقه .

موقف الإنسان تجاه ثبات السنة:

.. وثبات السنة على صورة واحدة لا تتبدل ، يشكل نوعًا من العقبة أمامنا بقدر ما يمنحنا قدرة على التعامل معها والتحكم بمسارها ، إذ كيف يمكننا أن نوجه السنة أو نسخرها لخدمتنا ، ونحن لا نملك أن نغير شيئًا من طبيعتها ؟ هنا يمكن أن نشبه السنة بالجدار المتين ، الذي لا يمكن هدمه ، ولا اختراقه ، ولا زحزحته عن مكانه ، فمثل هذا الجدار يمثل - دون ريب - نوعًا من التحدي أمامنا .. غير أننا يمكن أن نواجه هذه العقبة دون تغيير شيء من صفات الجدار .. فيمكننا مثلًا أن نستخدمه للاستناد وإقامة جسر فوقه ، أو نستخدمه كجزء من بناء غرفة ، أو نستخدمه لدرء الريح والشمس .. وبهذا نستطيع التحكم بالجدار من غير تبديل في وضعه أو اتجاهه أو صفاته .. وكذلك هي سنن الله في الخلق ، والله عز وجل وهبنا القدرة على تسخيرها في شؤون حياتنا بهدايته لنا إلى كشف صفاتها ، وإعطائنا القدرة على التصرف بها ، من خلال هذه الصفات ، وليس من خلال تغييرها .

ويمكن أن نقدم مثالًا آخر يزيد الفكرة وضوحًا .. فقد خلق الله عز وجل العناصر الكيميائية المختلفة ، وجعل لكل منها صفات كيميائية وفيزيائية ثابتة لا تتغير ، ومع هذا فقد استطاع الإنسان بفضل الله أن يحصل من هذه العناصر على صفات جديدة ، من خلال التفاعلات التي تتم بين بعض العناصر وبعضها الآخر .

وتعد سنة الله في الخلق بمثابة عناصر كيميائية ، ذات صفات ثابتة لا تتغير ، وكما نحصل من تفاعل العناصر الكيميائية على مركبات جديدة ، وصفات جديدة ، فكذلك التفاعل بين السنن ، التي فطر الله عليها أمور الخلق ، فإن هذا التفاعل يمدنا بقدرات تسخيرية جديدة ، لم تكن متاحة لنا من قبل .. ونضرب لهذا مثلًا من عالم الفضاء والأقمار الصناعية .. فمن المعلوم أن هناك سنتين مختلفتين تتحكمان في دوران الأقمار الصناعية حول الأرض:

(1) سنة الجاذبية الأرضية.

(2) وسنة القوة الطاردة المركزية.

فالقمر الصناعي إنما يستقر في مداره الثابت حول الأرض نتيجة تفاعل هاتين السنتين ، فيما بينهما، فالجاذبية الأرضية تشد القمر الصناعي نحو مركز الأرض بقوة معينة ، بينما تدفعه القوة الطاردة بعيدًا عن مركز الأرض بقوة مساوية للأولى بالمقدار ، ومعاكسة لها بالاتجاه ، فتكون المحصلة استقرار القمر في مدار ثابت حول الأرض .

وعلى هذه الصورة من الفهم يجب أن يكون تعاملنا مع السنن ، التي فطر الله عليها أمور الخلق ، فليس لنا أن نفكر في تعديل صفاتها ، أو تبديلها ، وإنما علينا أن نعرف صفاتها ، وأن نتصرف بها وفق هذه الصفات الثابتة ، التي قدرها الله عز وجل كما شاء .

3-الاطراد:

والاطراد في ( اللغة ) : التتابع والتسلسل.

ونعني باطراد السنة تتابع حصولها ، أو تكرار آثارها على الوتيرة نفسها كلما توافرت شروطها ، وانتفت الموانع التي تحول دون تحقيقها .. ونضرب مثلًا لهذا تركيب الماء ، فالماء يتركب من اندماج غازين مختلفين هما الأكسجين والهيدروجين وفق المعادلة الكيميائية التالية:

وقد أصبح في مقدورنا اليوم أن نعيد تشكيل الماء من هذين الغازين بطرق اصطناعية ، بعد أن عرفنا الشروط التي تتحكم باندماجهما ، أهم هذه الشروط أن ندمج العنصرين بمقدارين متناسبين ، وفق قاعدة النسب التي اكتشفها العالم الكيميائي ( دالتن ) والتي تقول: ( إن الاتحاد الكيميائي بين العناصر يجري طبقًا لنسب معينة من هذه العناصر ، في ظروف وشروط خاصة بكل منها ) فهذه القاعدة تعد سنة مطردة تخضع لها جميع التفاعلات الكيميائية التي تتم بين مختلف العناصر .. وكلما وفرنا شروط هذه السنة حصلنا على نتائج التفاعل المطلوب ، حتى ولو أعدنا التفاعل مئات المرات.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت