فهرس الكتاب

الصفحة 1792 من 1942

وهجره القرآن في واقعنا المعاصر، اتخذ صورًا ثلاث:

الأولى:الفصل بين كتاب الله المقروء، وكتابه المنظور، أي الكون.

الثانية:الأمية، وأعني بها الأمية الحضارية، والثقافية، والدينية، وأمية الحرف.

الثالثة:القصور عن فهم عالمية الدعوة.

1-الفصل بين الكتاب المقروء والكتاب المنظور:

الفصل بين كتاب الله المقروء، وهو القرآن، وكتاب الله المنظور، وهو الكون، يشكل في خارطة همومنا اليوم، تحديا كبيرًا.

ولابد من إنهاء هذا الفصام، وإزالة الخصام، بين المصحف والكون، في كثير من أرجاء العالم الإسلامي، حتى يكون الذي يتلو القرآن، ناظرًا في الكون، يتأمل خلق السماوات والأرض، ويتدبر سر التوافق بين الأجرام، والتوازن بين الكواكب، ليهتف في الآخر مقرًا موقنًا: (صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة ونحن له عابدون ) (البقرة:138) ، (ما خلقت هذا بطلًا سبحنك ) (آل عمران:191) ، ويدرك سر وجوده: (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ) (الذاريات:56) .

لهذا ندب القرآن قارئيه، بالسير في الأرض، تنقيبًا للخيرات، وطلبًا للأرزاق، وأعمارا للكون، واعتبارًا بسننه، وقوانينه، ونواميسه: (قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق ثم الله ينشئ النشأة الآخرة إن الله على كل شيء قدير ) (العنكبوت:20) (قد خلت من قبلكم سنن فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين هذا بيان للناس وهدًى وموعظة للمتقين ) (آل عمران:137-138) ، (لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس ولكن أكثر الناس لا يعلمون ) (غافر:57) ، وهذا هو سبيلنا إن أردنا حقًا أن يكون القرآن دستورنا.

2-الأمية:

أن تبقى الأمية في العالم الإسلامي، إلى يوم الناس هذا، أمر لا ينبغي أن يكون، لأنه بدون محوها وإبعادها عنا تمامًا، لا يمكننا إقامة أي صرح لحضارتنا، إذ أن حضارة الإسلام قام أساسها على: (اقرأ باسم ربك الذي خلق ) (العلق:1-2) ، فكانت (اقرأ) ، أو الأمر بالقراءة، أول كلمة تتنزل من السماء الدنيا، على قلب النبي محمد صلى الله عليه وسلم.

ولكن حقيقة الإشكال، ليست في الأمية الحرفية، بقدر ما هي في الأمية الثقافية، التي لا تعي الكتاب، وإن نظرت فيه، لا تتدبره، وإن قرأت آياته.. إنها الأمية التي تجعل أصحابها يقيمون حروف الكتاب، ويضيعون حدوده، وقد نعى الله تعالي هؤلاء فقال: (أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها ) (محمد:24) ، (كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولوا الألباب ) (ص:29) ..هذه هي حقيقة الإشكال: الأمية التي لا تعي الكتاب، ولا تتدبره،ولا تتفاعل دينيًا مع مشكلات العصر.

3-القصور عن فهم عالمية الرسالة:

إن القصور عن فهم عالمية الكتاب، يفضي إلى القصور في تبليغ الرسالة، ونشر الدعوة في العالمين، وقد قامت الأدلة على عالمية الرسالة منذ العهد الملكي في تنزيل القرآن العظيم: (وما هو إلا ذكر للعلمين ) (القلم:52) (إن هو إلا ذكر للعلمين ) (التكوير:27) ، (تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعلمين نذيرًا ) (الفرقان:1) .

وكان الرسول صلى الله عليه وسلم تبعًا للكتاب الذي أنزل عليه، رسولًا للعالمين، ورسالته رسالة عالمية: (قل يا أيها الناس إنما أنا لكم نذير مبين ) (الحج:49) ، (وما أرسلنك إلا كافة للناس بشيرًا ونذيرًا ) (سبأ:28) ، (وما أرسلنك إلا رحمة للعالمين) (الأنبياء:107) ، وأمته من ورائه أمة عالمية، همّها دولي، ودعوتها للبشرية، وما أخرجها الله إلا للناس، آمرة بالمعروف، ناهية عن المنكر: ( كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله ) (آل عمران:110) ، (وكذلك جعلناكم أمة وسطًا لتكونوا شهداء على الناس ) (البقرة:143) .

دور التنمية الثقافية في التنمية الاجتماعية والاقتصادية الشاملة

ونتجاوز العناصر السلبية في مواقف بعض مؤسساتنا وجماعتنا، التي لا تلبث أن تزول بنهضة الأمة، نهضةً شاملة، بكل عناصر الحضارة، الثقافية، والاجتماعية، والاقتصادية، وهي جوانب يعزز بعضها بضعًا، ويقويها، لتسهم جميعًا في صياغة مستقبل الحضارة الإسلامية.

فالحضارة الإسلامية، هي حضارة أمة منتجة عاملة.. معتنية بالتنمية، والاعتماد على الذات، مع تفضيل للاستثمار الزراعي، لكونه أكثر بركة، ونفعًا، وأعظم تحقيقًا للأمن الغذائي، وحرية القرار، والاستقلال.. وفي تقدير العمل، وأهمية تداول المال، واستثماره، بلغ فقهاؤنا مبلغًا عظيمًا، حتى إن بعضهم قال فيمن ضاع له مال، أن يبذل مثله إن لزم إيجارًا في استخراجه، حتى لا يعطل تداوله بين الناس.. ومن الفقه، قطع الصلاة حفاظًا على روح متقوم.

والتوجيهات النبوية، تحض على العمل والإنتاج، يقول صلى الله عليه وسلم: (إن قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة، فإن استطاع أن لا تقوم حتى يغرسها، فليغرسها ) (21) .

وقد سلكت بلادنا الإسلامية، مذاهب شتى في التنمية، ولكن فشلت كل محاولة في التنمية الاقتصادية، أو الاجتماعية، لكونها معزولة عن أصالة وتراث أمتنا..إذ لا سبيل إلى نهضة أمتنا، وسيادة حضارتنا، إلا بالتماس الهدى من شرع الله.

وما دامت هذه نظرة الحضارة الإسلامية، للتنمية والإنتاج، فإنها إذًا تقوم على أمور، هي:

أولًا:إن الإسلام يعارض جمع الثروات في يد واحدة، أو أيد معدودة، دون الناس، لذلك نادى القرآن بتوزيع الثروات، من الفيء، والغنيمة، والزكاة، والخراج، والعشور، والتركات بين أكبر عدد ممكن من أفراد المجتمع: (كى لا يكون دولة بين الأغنياء ) (الحشر:7) .

ثانيًا: الأرض لمن يحييها، لمحاربة الإقطاع، الذي كان يأخذ الأرض كلها، نظير ضرائب صغيرة.

ثالثًا: الملكية الحقيقية لله، كما في أكثر من عشرين، آية في القرآن، نذكر منها: قوله تعالى: (وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه ) (الحديد:7) .

وقوله تعالى: (وأتوهم من مال الله الذي أتاكم ) (النور:33) .

وقوله تعالى: (ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما أتاه الله ) (الطلاق:7) .

أما الحضارة الغربية، فإن نظرتها للثروة، والمال، تقوم على الرأسمالية، التي تعطي للمالك الحرية المطلقة، من حيث أنه هو المالك الحقيقي، الذي أوتي على علم عنده، ولا علاقة لله بماله.

أي مستقبل لثقافتنا في وجه التحديات المعاصرة والمستقبلية ؟

المستقبل للإسلام، ليس هو مجرد شعار نتبناه، محوطًا بالأمل والرجاء، إنما هو دين، وعقيدة..نؤمن يقينًا، ونوقن بجزم، أن المستقبل للإسلام، لأن المسلم بحكم إسلاميته، وتدينه، يؤمن بالمستقبل، وأن لكل مشكلة حلًا، ولكل مسألة جوابًا، ولكل داء دواءًا، وقد قرر هذه الحقيقة كتابنا المحفوظ، وسنة نبينا المعصوم.

1-بشائر قرآنية:

فمن آيات النصر وبشائر المستقبل، في القرآن الكريم، وهي بغير حساب:

(أ ) قوله تعالى: (ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عباديَ الصالحون ) (الأنبياء:105) ، فوراثة الأرض، مستقبل ينتظر الصالحين من عباد الله، الذين التزموا دينه، وأقاموا شرعته.

(ب ) ويتأكد ذلك بظهور الإسلام، وسيادته، وهيمنته على الأديان كلها، مصداق قوله تعالى: (هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولوكره المشركون ) (التوبة:33) .

2-بشائر نبوية:

والسنن، جاءت تترى، تثبت هذه الحقيقة، وتقررها، وتنبه عليها:

(أ) روى مسلم وغيره، عن ثوبان، وشداد بن أوس، رضي الله عنهم، مرفوعًا: (إن الله زوى لي الأرض، فرأيت مشارقها، ومغربها، وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زوي لي منها ) (22) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت