(ك) والذكر: بمعني الدراسة، كما في قوله تعالى: (واذكروا ما فيه ) (الأعراف:171) ، معناه: وادرسوا ما فيه.
(ل) والذكر: الصيت، والثناء، والشرف (ص والقرءان ذى الذكر ) (ص:1) .
(م) والذكر: بمعنى الخبر، كما في قوله تعالى: (سأتلوا عليكم منه ذكرا ً) (الكهف:83) ، يعني خبرًا.
(ن) والذكر: بمعني البيان، كما في قوله تعالى: (أوعجبتم أن جاءكم ذكر من ربكم ) (الأعراف:63و69) ، أي بيان من ربكم.
(س) والذكر:الكتاب الذي فيه تفصيل الدين، ومنه قوله تعالى: (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون ) (الحجر:9) .
(ع) الذكر: الصلاة، والتسبيح، والدعاء، والشكر، وتمجيد الله تعالى، وتهليله، والثناء على الله، بجميع محامده (4) .
(ص) وقد أحسن صنعًا، الحكيم الترمذي، حين ذكر قي كتابه: (تحصيل نظائر القرآن) ، أن من معاني الذكر: الجهاد. قال: (وإنما صار الذكر(الجهاد) في مكان آخر، لأنه إنما يجاهد عن لا إله إلا الله، ولإقامتها، وللذب عنها، فذلك الفعل هو ذكر) (5) .
ويلزم أهل الذكر، ليكونوا من أهل الثناء، والشرف، والرفعة حقيقية، أن يكونوا أهل فكر، وعظة، واعتبار، وعمل صالح، كالصلاة، والجهاد، وذكر الله بالقلب، واللسان، وذكر الله بتلاوة القرآن، وحفظه، وتدبره، ومعرفة بيانه، وأخباره، وذكر الله بالدعاء والتسبيح، والشكر، والثناء على الله تعالى.
هذا، وذكر الله واسع سعة معاني الدين، وشموله لشؤون الحياة كلها، كما نجد في الهدي النبوي، الأنموذج، والقدوة الحسنة. وقد كانت حياته صلى الله عليه وسلم، كلها ذكرًا، إذ كان يذكر الله في جميع أحيانه.
وهكذا كان فقه الصحابة..وهذه واحدة من الصحابيات الجليلات، كمثال على هذا الفقه: فعن أم الدرداء أنها قالت في تفسير قوله تعالى: (ولذكر الله أكبر ) (العنكبوت:45 ) .
فإن صليت، فهو من ذكر الله.
وإن صمت، فهو من ذكر الله.
وكل خير تعمله، فهو من ذكر الله.
وكل شر تجتنبه، فهو من ذكر الله.
وأفضل الذكر، تسبيح الله (6) .
صفات أهل الذكر
أهل الذكر هم المسبحون، الحامدون، التالون، المصلون، المقيمون لشعائر الله، وشرائعه، وهم المحبون لله تعالى، والمحبون لرسول الله صلى الله عليه وسلم، والذين يحبون إخوانهم في الدين، وهم المستجيبون لأمر ربهم، بالإكثار من ذكره تعالى.
قال تعالى: (يأيها الذين ءامنوا اذكروا الله ذكرًا كثيرًا * وسبحوه بكرة وأصيلا ً) (الأحزاب: 41-42) ، وقد جاءت هذه الآية، في سياق إثبات ختم النبوة والرسالة، لخاتم الأنبياء والمرسلين: (ما كان محمدُُ أبا أحدٍ من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين وكان الله بكل شيءٍ عليم ًا) (الأحزاب:40) .. وفي الذكر إشارة واضحة، إلى أن الذكر صفة ملازمة لنبينا صلى الله عليه وسلم، وأنه جاء بالذكر…. ذكرًا، ومذكرًا.
وفيها من لطائف الإشارات، أنها جاءت على رأس الأربعين آية من سورة الأحزاب، الموافقة لسن النبوة، عند نزول الوحي.
وقال تعالى: (والذاكرين الله كثيرًا والذاكرات أعد الله لهم مغفرةً وأجرًا عظيمًا ) (الأحزاب:35) .
وهذه الآية جاءت في سياق الأمر بذكر الله، وتلاوة كتابه، وإحسان الفقه في القرآن، علمًا، وعملًا، مع إخلاص الإسلام، والإيمان، وصدق للدين، والصبر، والخشوع، والإنفاق، والتصدق، والصيام، والعفاف، قال تعالى: (واذكرن ما يتلى في بيوتكن من ءايت الله والحكمة إن الله كان لطيفًا خبيرًا * إن المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات والقانتين والقانتات والصادقين والصادقات والصابرين والصابرات والخاشعين والخاشعات والمتصدقين والمتصدقات والصائمين والصائمات والحافظين فروجهم والحافظات والذاكرين الله كثيرًا والذاكرات أعد الله لهم مغفرةً وأجرًا عظيمًا ) (الأحزاب:34-35) ، وقال تعالى: (اتل ما أوحي إليك من الكتاب وأقم الصلوة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون ) (العنكبوت:45) ، أي ذكر الله لكم بالثواب، والثناء عليكم، أكبر من ذكركم له في عبادتكم، وصلواتكم.. قال معناه ابن مسعود، وابن عباس، وأبو الدرداء، وأبو قرة، وسلمان، والحسن، وهو اختيار الطبري (7) .. وثواب ذكر الله، هو أن يذكره الله تعالى، كما في الحديث القدسي: (من ذكرني في نفسه، ذكرته في نفسي، ومن ذكرني في ملأٍ ذكرته في ملأٍ خير منهم ) (8) .
والذكر النافع، هو ما كان مع العلم، وإقبال القلب، وتفرغه إلا من الله، وأهل الذكر، قد باعوا لله أنفسهم، وزكوا أنفاسهم في سبيل مرضاته، فما يقعدهم عن الجهاد شيء.. كيف لا وهم المتحققون بالتوبة، والعبادة الخالصة لله، وهي العبادة الجامعة لأركان الإسلام، وسهامه، وشعائره، وشرائعه، بالتوحيد الخالص، والصلاة الخاشعة، والإحسان في إيتاء الزكاة، وصيام رمضان والحج، والجهاد في سبيل الله، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والمحافظة على حدود الله تعالى، والدعوة إليه جل جلاله: (إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعدًا عليه حقًا في التوراة والإنجيل والقرءان ومن أوفى بعهده من الله فاستبشروا ببيعكم الذى بايعتم به وذلك هو الفوز العظيم * التائبون العابدون الحامدون السائحون الراكعون الساجدون الآءمرون بالمعروف والناهون عن المنكروالحفظون لحدود الله وبشر المؤمنين ) (التوبة:111-112) ، وقد ورد وصف المؤمنين من أهل الذكر، في سياق الجهاد، في صدر سورة الأنفال التي تسمى أيضًا سورة الجهاد، وسورة بدر: (يسئلونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين * إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم ءاياته زادتهم إيامنًا وعلى ربهم يتوكلون * الذين يقيمون الصلوة ومما رزقناهم ينفقون * أولئك هم المؤمنون حقًا لهم درجات عند ربهم ومغفرة ورزق كريم ) (الأنفال:1-4) . وذلك ليطهروا نفوسهم، عن الاشتغال بالاختلاف حول المغانم، ولتتعلق هممهم بالفردوس الأعلى، وليتحققوا الإيمان الكامل.
الجهاد وصدق الإيمان:
ثم إنه لا يكون صدق الإيمان بالله ورسوله صلى الله عليه وسلم، والاستقامة على دين الله، وأمره، إلا بالجهاد في سبيله تعالى، بالمال، والنفس، مصدقًا لقوله تعالى: (إنما المؤمنون الذين ءامنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصدقون ) (الحجرات:15) .
جهاد النفس:
ولا يكون جهادنا في ساحات القتال، إلا ونحن نجاهد أنفسنا جهادًا عظيمًا، حتى نتخلى عن رغائب الدنيا، وجواذبها الأرضية، ومن لم يجاهد نفسه، لم ينتصر عليها، فيخرج مقاتلًا للعدو الخارجي: (كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئا ًوهو خيرُُ لكم وعسى أن تحبوا شيئًا وهو شرُُ لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون ) (البقرة:216) ، وبجهاد النفس، يصير ما تكرهه حبيبًا إليها، حتى القتال، ومبارزة العدو، وتعريض النفس للخطر، وحينئذ فالمجاهدون لا يفرغون من غزوة، إلا وأعدوا أنفسهم لما بعدها، ولولا هذه الروح الدافعة، والسر العظيم في الجهاد، ما بلغوا في وجيز من الزمان مشارق الأرض ومغاربها. وفي بيان المقام العظيم لجهاد النفس يقول صلى الله عليه وسلم: (المجاهد من جاهد نفسه في ذات الله عز وجل ) (9) .
الجهاد: المعنى .. والمراتب
معنى الجهاد:
وتفسير الجهاد، في لغة القرآن الكريم، على ثلاثة وجوه:
1-الجهاد بالقول، في ذلك كما في قوله تعالى: (وجاهدهم به جهادًا كبيرًا ) (الفرقان:52) .