فهرس الكتاب

الصفحة 1874 من 1942

إن لكل حالة من أحوال الحياة، سعادة كانت أم شقاء، زمنًا تحل فيه، وآخر تنتهي عنده، وأزمانها هذه لا تتقدم ولا تتأخر، ولذلك فالمطلوب من الإنسان أن يعالج هذه الأحوال بالوسائل المشروعة، مع الانتظار حتى تسفر الحالة عن ضدها، بمرور زمنها، وانقضاء أجلها، كما ينقضي الشتاء، فيسفر عن الصيف، وينقضي الليل فيسفر عن النهار، فمن طلب ضوء النهار بين العشائين، فلن يحصل عليه، بل إن ظلمة الليل تزاد حتى تبلغ نهايتها، ثم يطلع الفجر، ويحل النهار، ولو طلب إعادة الليل بعد حلول النهار لم تجب دعوته، لأنه طلب الشيء في غير وقته، فيبقى ساخطًا.. ومن شأن هذا القلق والسخط، أن يقضي به إلى سوء الظن بالله تعالى، والتخبط في معالجة الأقدار، وهكذا تفضي الحالة السيئة، إلى ما هو أسوأ"."

طرح جريء قد نجد بعضه لدى الحسن البصري.

وقد وجدت سائلًا يتوجه إلى شيخ الإسلام ابن تيمية فيسأله رأيه فيما قاله الشيخ الكيلاني في القدر.

رأي شيخ الإسلام فيما ذكره الشيخ الكيلاني:

لقد كتب الشيخ مقدمة ألخصها أولًا، لأنتقل بعدها إلى رأيه الصريح فيما قاله الشيخ الكيلاني.. يرى شيخ الإسلام أن جميع الحوادث هي بقضاء الله وقدره، وقد أمر الله تعالى أن نزيل الشر بالخير، والكفر بالإيمان، والبدعة بالسنة، والمعصية بالطاعة، وكل من كفر أو عصى فعليه أن يتوب، وعلى الإنسان عدم ترك السعي فيما ينفعه الله به، متكلًا ومحتجًا بالقدر، كما عليه مدافعة الأعداء وجهادهم ومقاتلتهم.. ثم يقول بعد ذلك (22) :"فالذي ذكره الشيخ رحمه الله، هو الذي أمر الله به ورسوله."

والمقصود من ذلك: أن كثيرًا من أهل السلوك والإرادة يشهدون ربوبية الرب، وما قدره من الأمور التي ينهى عنها، فيقفون عند شهود هذه الحقيقة الكونية، ويظنون أن هذا من باب الرضا بالقضاء والتسليم، وهذا جهل وضلال، قد يؤدي إلى الكفر والانسلاخ من الدين، فإن الله لم يأمرنا أن نرضى بما يقع من الكفر والفسوق والعصيان، بل أمرنا أن نكره ذلك وندفعه بحسب الإمكان، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم:"من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان" (23) .

فالمؤمن إذا كان صبورًا شكورًا، يكون ما يقضى عليه من المصائب خيرًا له، وإذا كان آمرًا بالمعروف، ناهيًا عن المنكر، مجاهدًا في سبيله، كان ما قدر له من كفر، سببًا للخير في حقه، وكذلك إذا دعاه الشيطان والهوى، كان ذلك سببًا لما حصل له من الخير، فيكون ما يقدر من الشر - إذا نازعه ودافعه، كما أمره الله ورسوله - سببًا لما يحصل له من البر والتقوى، وحصول الخير والثواب وارتفاع الدرجات….""

مفارقة في القدر:

ثمة مفارقة في الموقف، فالإنسان إذا قام بمشروع فنجح يقول: خططت وفعلت وفعلت، فإذا أخفق أو فشل قال: هذا قدري.. وقد لا يكون كذلك، بل نتيجة تخطيط سيء، وتدبير فاشل.

وأقرّب المسألة بمثال: فالطالب الذي تهرّب من الدراسة ولا يذاكر كما ينبغي فإذا فشل في الامتحان فذلك ثمرة سلوكه، لكنه إذا استمر في حضوره، وذاكر أولًا بأول، ثم حدث حادث في الطريق إلى الامتحان جعله يتخلف، فإذا اعتذر بالقدر قُبل ذلك منه.. لكن الإنسان يحب أن ينسب لنفسه كل خير ونجاح، وكل فشل يرميه على القدر، وهنا المفارقة.

5-تحمل الإنسان للأمانة:

يمكن وصف الإنسان بأنه باحث عن الأمانة، فإذا كان فقيرًا جد واجتهد بكل طاقته ليحصل على المال، والمال أمانة، وفيه حقوق، وإذا مرض فعل كل شيء ليسترد عافيته، والصحة والعافية أمانة، وإذا تزوج فلم ينجب أطفالًا، فعل كل ما في وسعه لينجب أطفالًا، والأطفال أمانة، وإذا طلب العلم حاول أن يجمع منه الكثير، والعلم أمانة.

فالإنسان بشكل عام باحث عن الأمانة، وقد تحدث القرآن الكريم عن الأمانة فقال: (إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأَبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسانُ إنه كان ظلومًا جهولًا ) (الأحزاب: 72) .

وقد نقل ابن كثير عن مقاتل قوله (24) :"إن الله تعالى عرض الأمانة على السماوات والأرض والجبال، فاعتذرت عن حملها وقالت: ليس بنا قوة، ولكنا مطيعون، ولا نعصيك في شيء أمرتنا به، ثم توجه تعالى لآدم، فقال: أتحمل هذه الأمانة وترعاها حق رعايتها؟ فقال آدم: مالي عندك؟ قال يا آدم، إن أحسنت وأطعت ورعيت الأمانة، فلك عندي الكرامة والفضل، وحسن الثواب في الجنة، وإن عصيت ولم ترعها حق رعايتها وأسأت فإني معذبك، وأنزلك النار، قال: رضيت يا رب وتحملها".

سيد قطب والأمانة

تعرض سيد قطب للموضوع وأفاض فيه، يقول: (25) "إن السماوات والأرض والجبال، هذه الخلائق الضخمة الهائلة، التي يعيش الإنسان فيها، أو حيالها، فيبدو شيئًا صغيرًا ضئيلًا، هذه الخلائق تعرف بارئها بلا محاولة، وتهتدي إلى ناموسه الذي يحكمها بخلقتها وتكوينها ونظامها، وتطيع ناموس الخالق طاعة مباشرة، بلا تردد ولا تدبر ولا واسطة… كلها تمضي لشأنها بإذن ربها، وتعرف بارئها، وتخضع لمشيئته بلا جهد منها ولا كد ولا محاولة.. لقد أشفقت من أمانة التبعة، أمانة الإرادة، أمانة المعرفة الذاتية، أمانة الله بإدراكه وشعوره، يهتدي إلى ناموسه بتدبره وبصره، ويعمل وفق هذا الناموس بمحاولته وجهده، يطيع الله بإرادته وحمله لنفسه، ومقاومة انحرافاته ونزعاته، ومجاهدة ميوله وشهواته، وهو في كل خطوة من هذه الخطوات مريد مدرك، يختار طريقه، وهو عارف إلى أين يؤدي به هذا الطريق، إنها أمانة ضخمة، حملها هذا المخلوق الصغير الحجم، القليل القوة، الضعيف الحول، الذي تناوشه الشهوات والنزعات والميول والأطماع."

إنها المخاطرة أن يأخذ الإنسان على عاتقه هذه التبعة الثقيلة، ومن ثم (كَانَ ظَلُومًا ) لنفسه

(جَهُولًا ) لطاقته، هذا بالقياس إلى ضخامة ما زج بنفسه لحمله، فأما حين ينهض بالتبعة، حين يصل إلى المعرفة الواصلة إلى بارئه، والاهتداء المباشر لناموسه، والطاعة الكاملة لإرادة ربه، والاهتداء والطاعة التي تصل في طبيعتها وفي آثارها إلى مثل ما وصلت إليه من سهولة ويسر وكمال، في السماوات والأرض والجبال، الخلائق التي تعرف مباشرة، وتهتدي مباشرة وتطيع مباشرة، ولا تحول بينها وبين بارئها وناموسه وإرادته الحوائل، ولا تقعد بها المثبطات عن الانقياد والطاعة والأداء.

حين يصل الإنسان إلى هذه الدرجة، وهو واع مدرك مريد، فإنه يصل حقًا إلى مقام كريم، ومكان بين خلق الله فريد، إنها الإرادة والإدراك والمحاولة، وحمل التبعة، وهي ميزة هذا الإنسان على كثير من خلق الله، وهي مناط التكريم، الذي أعلنه الله في الملأ الأعلى، وهو يُسْجِد الملائكة لآدم.

وأعلنه تعالى في قرآنه، وهو يقول: (وَلَقَدْ كَرَّمنا بني أدم ) (الإسراء: 70) ، فليعرف الإنسان مناط تكريمه عند الله، ولينهض بالأمانة التي اختارها، والتي عرضت على السماوات والأرض والجبال، فأبين أن يحملنها وأشفقن منها.. فاختصاص الإنسان بحمل الأمانة، وأخذه على عاتقه أن يعرف نفسه، ويهتدي بنفسه، ويعمل بنفسه، ويصل بنفسه.. هذا كان ليحتمل عاقبة اختياره، وليكون جزاؤه من عمله، وليحق العذاب على المنافقين والمنافقات، والمشركين والمشركات، وليمد الله يد العون للمؤمنين والمؤمنات، فيتوب عليهم مما يقعون فيه، تحت ضغط ما ركب فيهم من نقص وضعف، وما يقف في طريقهم من حواجز وموانع، وما يشدهم من جواذب وأثقال، فذلك فضل الله وعونه، وهو أقرب إلى المغفرة والرحمة بعباده.. حاولت نقل النص، بهدف نقل الفكرة كاملة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت