فهرس الكتاب

الصفحة 1912 من 1942

إن الفهم الإسلامي للوطنية يقوم على رابطة روحية عميقة، عنوانها العقيدة، وفلسفتها الاستخلاف، فتطبيقاته سواء ضمن جغرافية الغرب أو جغرافية العالم الإسلامي تتنزل ضمن مرجعية واحدة للجغرافية، وهي أن الأرض كلها لله. من هذا المنطلق تحرر تيار «الوطنية الإسلامية» الذي ساد فكر النهضة من عقدة الخوف من الروابط القومية «فواجب أن يعمل الإنسان لوطنه، وأن يقدمه في العمل على سواه.. وواجب أن نعمل لإحياء الوحدة العربية وتأييدها ومناصرتها..باعتبارها الثانية في النهوض..وواجب أن نعمل للجامعة الإسلامية، باعتبارها السيادة للوطن الإسلامي العام..ولا تعارض بين هذه الوحدات بهذا الاعتبار، كل منها يشد أزر الأخرى ويحقق الغاية منها» ( [9] ) .

حين سئل الرسول صلى الله عليه وسلم أن «يا رسول الله: أمن العصبية أن يحب الرجل قومه؟، أجاب: لا، ولكن من العصبية أن ينصر الرجل قومه على الظلم» ( [10] ) . فليست العصبية منبوذة بذاتها، وإنما هي مشروطة بصلاحها وعدلها وخيريتها الإسلامية، بل وقد تصبح بهذه المعيارية من صفات الأفاضل الأخيار استنادًا إلى الحديث الشريف: «خيركم المدافع عن عشيرته ما لم يأثم» ( [11] ) . إن ارتباط المسلم المهاجر بالمواطنة الغربية قد تحركه دوافع الغيرة على حقوق جماعته المسلمة، ولكنه لن يكون له وزن وتأثير ما لم يرتكز على البعد الإنساني للهوية الإسلامية: «الناس بنو آدم، وآدم من تراب» ( [12] ) .

فخلفية رباط الأخوة الإنسانية هي التي يجب أن تقود الرغبة في تقديم الأنموذج الإسلامي الرائد في أخلاق المواطنة، فهي خلفية الدعوة إلى الإسلام، دين الفطرة وخطاب التوحيد الذي أجمعت عليه دعوات الرسل: (( وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِى كُلّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُواْ اللَّهَ وَاجْتَنِبُواْ الْطَّاغُوتَ ) ) (النحل:36) .

إن رسالة مواطنة المسلم في الغرب هي رسالة عالمية الإسلام وإنسانيته. ففي عقد المواطنة الذي يصله بالغرب صورة حية وعميقة لعالمية رسالة الإسلام، التي لا تؤمن بغير حدود الله وضوابطه في التعامل مع الحدود العرقية والثقافية والجغرافية المصطنعة، التي وضعها الإنسان.

ولا تعارض بين أن يذود المسلم عن حرمات موطنه الأصلي ووطنه الجديد طالما في فعله نية في الصلاح وفكرة في الإصلاح الإنساني، تنبني على فهم حضاري إنساني للانتماء الوطني. إن حالة التمزق التي يمكن أن تعتري الهجرة الإسلامية في الغرب بين الالتزام بمشكلات العالم الإسلامي، والإسهام بالأنموذج الإسلامي، والنهوض والارتقاء بمكانة الإسلام في الحياة الغربية، يعود إلى خلل في تصور وحدة الانتماء لحضارة الإسلام.

فالانتماء لدائرة الإسلام في لحظة تاريخية معينة، ليس هو انتماءً بسيطًا وسطحيًا لدائرة جماعة فرقية أو قومية شعوبية وعرقية، أو حتى جزء جغرافي من العالم اصطلح عليه الغرب بعالم الإسلام أو العالم الإسلامي، إنما هو انتماء لدائرة الأمة المركبة، أمة الرسالة، أي أمة المسلمين، وأمة الدعوة، أي باقي الإنسانية التي ندعوها إلى الإسلام، والتي نعتقد في سلامة فطرتها وجبلتها الإسلامية. فالهجرة هي مرحلة ضرورية في الدعوة من أجل أن يتسع أفق أمة المسلمين نحو أمة الإسلام، أمة البشرية جمعاء.

نحو خطاب حضاري بديل: ملاحظات ختامية

لم تكن دوافع الهجرة الإسلامية نحو الغرب ومنطلقاتها اختيارية في عمومها ، فهي وليدة إكراهات عدة محلية ودولية، بحثًا عن الرزق والأمن والرفاهية، وتلبية لحاجات الغرب في دعم موارده البشرية وتغطية عجز نموه السكاني. أما الوجه الاختياري في هذه الهجرة فمدخله الأساس ومقتضاه هو السنة التاريخية، التي أشار إليها «ابن خلدون» في مقدمته حول ولع المغلوب في الاقتداء بالغالب، وهو ولع يتنزل في عالمنا اليوم ضمن حضارة الغرب، طلبًا للمعرفة والعلم، أو استفادة من التجربة التقنية والمؤسسية، أو انبهارًا بالتجليات الشكلية في العادات والذوق.

والوجه الإرادي في مشهد الاختيار هذا ضعيف، لكونه يفتقر إلى رؤية ذاتية في تصور الهجرة تحصنه من مزالق الذوبان والانصياع لإرادة الغالب. فبمثل ما هاجر إلينا الغرب «مستشرقًا» ، دارسًا لحكمة تراثنا الإسلامي، فإن عالم الإسلام اليوم يمتلك الطاقات البشرية الكاملة للهجرة العلمية الدراسية للغرب، ضمن مناهج يستنبطها في نقد العلوم الاجتماعية، أو النقد التاريخي، أو الأدبي، أو الأديان المقارنة، أو ضمن إطار ما يعرف «بالاستغراب» في مقابل «الاستشراق» .

قد لا يكون مجديًا مقابلة استغراب \\\"إسلامي\\\"باستشراق \\\"غربي\\\"، لاختلاف المنطلقات الفلسفية والأخلاقية الإسلامية عن الغربية، وإلا فسنحدث نمطًا تغريبيًا جديدًا في دراسة الغرب. ولن تكون محاولاتنا في نقد الغرب سوى إنتاجًا لنسق تقليدي جديد، فضلًا عن أن منهج الاستشراق، المزيج بين التاريخي والإنثروبولوجي والثيولوجي، لم يعد يفي بحاجة مناهج البحث الحديثة التي تعتمد الدقة في المقاربة، وتتبنى مناهج العلوم الاجتماعية في دراسة تراث الإسلام، وهو ما يفسر تنامي علماء الاجتماعيات المتخصصين في دراسة الإسلام، من مثل «بورجا» و «آتيان» و «سيزاري» وغيرهم.

وليس الغرب كومًا من الأيديولوجيات والمواقف يسهل دحضها بتصورات فكرية بديلة، فهو معنى حضاري يحوي فلسفات وعلوم وأنساق من التفكير مركبة، لا يمكن أن يُواجَه إلا بمشروع حضاري متكامل ومركب كذلك، ينظر إلى الأبعاد المختلفة في تأسيس الحضارة، النفسية والعقلية والروحية، ويجعل الهدف الأسمى له بناء الأجيال قبل بناء الأبطال، وبناء المدنية في أوسع وأدق مؤسساتها قبل النماذج المثالية التجريبية المصغرة، التي برعت الحركات الإصلاحية المعاصرة في الترجمة لها.

إن البشرية وهي تمر بمنعرج مقولات \\\"موت الإنسان\\\"و\\\"نهاية التاريخ\\\"لفي أمس الحاجة إلى بديل حضاري قابل للدراسة بلغة العصر، وقابل للفهم بمناهجه وأدواته، يستطيع أن يوازن بين حاجات الروح وإبداع العقل ومتطلبات الواقع. وإن الفكر الإسلامي بما يمتلكه من ميراث ومحصول حضاريين هائلين قادر أن يتطور من فكر جماعي ومذهبي وفرقي ضيق نحو فكر يخاطب الإنسانية جمعاء، يتجاوز عقد الخوف من الغرب ومن حداثته، أو عقد التعالي عليه والتحقير من شأنه، نحو إدماج قضاياه ضمن القضايا الرئيسة التي تستلزم ردودًا عميقة. فالخطاب الإسلامي لا يزال يتكبد وقع الصدمة الحضارية التي خلفها الاكتساح الغربي الشامل، التي ألزمته مراوحة ذاته طيلة القرون الثلاث الأخيرة لنهضة الغرب الحديثة.

ثم لا بد أن ندرك أن لا سبيل لخطاب دعوي معاصر فاعل داخل الحدود الجغرافية للغرب أو خارجها لا يستطيع أن يكون حجاجيًا ومجادلًا بالتي هي أحسن، بالمعنى القرآني، إن هو لم يجب عن تحديات الحداثة ولم ينخرط في تساؤلات ما بعد الحداثة. فالجمهور الإسلامي والغربي على حد السواء لا يمكن أن يقنع مستقبلًا بخطاب الطمأنة المتداول بكون الإسلام يمتلك الحل، كل الحل، وأن الحضارة الغربية هي حضارة \\\"المسيح الدجال\\\"، وهي تنذر بعلامات اقتراب الساعة واقتراب أفولها. لقد تأسست جميع مدارس الفكر الأصولي والكلامي والفلسفي والتربوي والعمراني على مناهج المحاججة، التي تفترض صلاحية الفكر الإسلامي للجميع، ولزوم أن يكون خطابه عالميًا مقنعًا، لدى المسلم وغير المسلم، فيكون حينئذ تعبيرًا عن فكر ناقد لمذاهب ونحل العصر، ومقارن لها، ومنافح عن الدين ضد أخطارها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت