فهرس الكتاب

الصفحة 1917 من 1942

إن مجال الاجتهاد مثل سائر المجالات يدخله الغث والسمين، والمؤهل ومدعي التأهيل، لكن الكثير من الاجتهادات سوف تطرد من الساحة ولا يكتب لها الصمود والبقاء والتطبيق لتهافتها وسقوطها.. فوعي الأمة وعصمتها كفيل بإسقاط كل فتوى واجتهاد لا تصيب الصواب ولا يتحقق صاحبها بالعلم والصلاح.. ولا تتلقى الأمة إلا عن أهل الثقة والخبرة، فكم من العبث تاريخيًا مورس على الأحكام الإسلامية ولم يكتب له الحياة والاستمرار.. فالله يحمي دينه ويحفظه، ويهيئ من يدفع عنه، ويوفق ويكتب القبول لمن ينصره.

لذلك أعتقد أن الخوف من دخول ساحة الاجتهاد من لا يحسن ذلك مبالغ فيه جدًا، ولا يجوز أن ينتهي إلى الحكم بإغلاق باب الاجتهاد، لأن الحق والصواب قادر على هزيمة الباطل.. والشر من لوازم الخير.. والتدافع بين الحق والباطل من سنن الحياة.. ولا يصح إلا الصحيح.

فليجتهد الناس بحسب إمكاناتهم.. وإذا كان الإنسان غير مؤهل للنظر والاجتهاد فسوف يكون مرفوضًا من أهل العلم والخبرة والمجتمع بعامة، لأنه يحمل عملة رديئة مزيفة لا تشتري شيئًا.. فوعي الأمة كفيل بمحاصرة الخروج والانحراف.

والإسلام دين حياة كامل.. والمسلم معرض بقدر علمه واستطاعته لقدر من النظر في الحل والحرمة لممارساته، بعيدًا عن الكهانات الدينية، فالقضية قضية علم يحاصر الجهل مهما ادعى الجاهل أنه عالم. ونحن هنا لا ندعو لأن يدخل الساحة من يحسن ومن لا يحسن، وإنما نقول: بأن الذي لا يحسن سوف يخرج عمليًا من الساحة لأن بضاعته مزجاة.. وبعض ما يمكن أن يترب على دخوله من مخاطر وإصابات، قد تكون مطلوبة ليأخذ الناس حذرهم، وهذه الإصابات لا يمكن أن تعادل المفاسد والإصابات الكبرى التي تترتب على إقفال باب الاجتهاد.

وناحية أخرى لا بد من التوقف عندها في هذا المجال، وهي ما تواضع عليه العلماء من أدوات الاجتهاد وشروطه المطلوب توافرها فيمن يقدم على عملية الاجتهاد.

وفي ضوء أن هذه الشروط في معظمها اجتهادية، شأنها شأن الكثير من القواعد الأصولية، وحيث إنه لم يتوفر لها إجماع يمنحها قدرًا من القطعية، لذلك تبقى باستمرار محلًا للنظر والاجتهاد، حيثما تطورت أدوات البحث.. ذلك أن بعض الشروط التي قد تبدو ضرورية في عصر له أدواته العلمية والمعرفية، قد تتراجع أهميتها وقيمتها في عصر آخر، إضافة إلى أن الأمة جميعها مخاطبة ببذل الجهد والاجتهاد لإقامة الأحكام الشرعية والتعبد لله، كل بقدر استطاعته العلمية والجسمية والمالية، وأن التشاور والحوار والمناقشة والمثاقفة والمجادلة كفيلة إلى حدٍ بعيد بتصفية الاجتهادات الواهية والمغرضة والمنحازة والمذهبية والطائفية، وهكذا، وسوف لا يمكث في الأرض إلا الصالح الذي ينفع الناس.

ونحن هنا لا نقول بإطلاق الحبل على الغارب، وإشاعة الفوضى، وإلغاء قيمة التخصص التي نلح دائمًا على توفرها، وإنما نرى أن فتح المجال للفكر والاجتهاد المحكوم بقيم الكتاب والسنة، وعصمة عموم الأمة وغيرتها وحرصها على دينها، ومدافعة العلماء العاملين مصداقًا لقول الرسول صلى الله عليه و سلم: (يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين ) (أخرجه البيهقي، وصححه الإمام أحمد والعلائي) ، يشكل سدًا أمام العابثين، وسوف لا يحمل من المخاطر ما يحمله إغلاق باب الاجتهاد، حيث لم يغلق عمليًا إلا على أهل التقوى والصلاح والخوف، أما أولئك الذين احترفوا كسر الحواجز وتوهين القيم والعبث بتراث الأمة، وتحريف الكلم عن مواضعه والتأويل الفاسد، فلم يمنعهم شيء من علم أو دين. والواقع شاهد على ذلك، وقد تكون المشكلة أننا نرفض الكهانات في الإسلام ويمارسها بعضنا عمليًا.

ولسنا بحاجة إلى معاودة القول: بأن إغلاق باب الاجتهاد يلغي عقل الأمة ويحد من مسيرتها، ويحاصر خلود الشريعة من الامتداد بأحكامها، ويفسح المجال لامتداد (الآخر) ، ويشيع من الرعب الفكري ما يشل الحركة الذهنية بشكل عام، علمًا بأن إغلاق الباب أيضًا لم يحل دون التحريف والانحراف، الذي ما كان ليكون لو ملئت الساحة بالخير والصواب، فتغييب الخير يعني الإيذان بحضور الشر.

وقد يكون من المطلوب اليوم، أكثر من أي وقت مضى، وقد حصل من التقدم في مجال الاتصالات ووسائلها ما لم يخطر على البال حتى في عصر الخيال العلمي، لدرجة أن الإنسان أصبح يرى ويسمع العالم من مكانه، كما حصلت ثورة معلوماتية هائلة وتطور في أدوات ووسائل الحصول على المعلومة وحفظها واسترجاعها، إضافة إلى عمليات التصنيف والأرشفة التي تجعل الإنسان في الصورة المحيطة لكل ما يريد، قد يكون المطلوب إعادة النظر في شروط الاجتهاد، التي اجتهد العلماء في وضعها في عصور معينة في ضوء رؤيتهم، وظروف عصرهم، وأدواتهم المعرفية، ودرجة تدوين العلوم، ووسائلهم في الحفظ، وما كان من أهمية الاعتماد على الذاكرة.

وأعتقد أن الوضع قد يكون تغير كليًا اليوم، فاللغة مدونة بمفرداتها ومعانيها ومجازاتها وقواعدها، فمعاجمها ومصطلحاتها موجودة ومسهلة لدرجة كبيرة، وأية مسألة من مسائلها ومفردة من مفرداتها يمكن الحصول عليها والوصول إليها بسهولة، والقرآن محفوظ بالصدور والسطور، وأشكال الحفظ والاستدعاء لا تحصى، وهي ما تزال تتطور يوميًا، ومؤلفات الناسخ والمنسوخ، والمحكم والمتشابه، وأسباب النزول، وما إلى ذلك من العلوم كلها متوفرة أمام الباحث، لدرجة أنها أصبحت مكشوفة وميسرة لعموم المتعلمين، والحديث استقر ومُيّز صحيحه من ضعيفه وموضوعه; وحسنه ومتواتره، والبحوث في هذا المجال استوفت التوثيق من حيث الرواية ودرجة الحديث، وبالإمكان اليوم بضغطة (زر) الحصول على نص الحديث ودرجة صحته ومصدره في الكتب المعتمدة (كتب الصحاح) ، وما على الباحث إلا النظر والدراية، وهكذا الكثير من الشروط الاجتهادية المطلوبة للاجتهاد، أفلا يقتضي ذلك كله إعادة النظر بهذه الشروط التاريخية، التي جاءت ثمرة لرؤية خاصة، في عصر معين له أدواته المعرفية وظروفه الفكرية ؟!

وبالإمكان القول: إن هذه الشروط التي تكاد تكون مستحيلة التوفر، وإن بدا أنها تسدد الطريق إلى الصواب، فإنها ساهمت بغلق باب الاجتهاد، ولم تؤد إلى تذليل طريقه، فهي أقرب للاستحالة، والحكم على عقل الأمة بالعطالة والإلغاء منها إلى المساعدة على النمو والامتداد.

ويمكن أن نقول: بأن الإسلام أصيب ولا يزال على يد أبنائه والمنتسبين إليه أكثر من إصابته من الخارج أو من (الآخر) ، بل لعلنا نحن الذين ساهمنا بسذاجة بتقوية أعداء الإسلام وتقويض الكيان الإسلامي، وحال المخلصين منا شبيه بحال الأم التي تحول بين الطبيب وابنها المريض حتى لا يتألم من تناول الدواء، فيؤدي الأمر إلى موته أو إلى استمرار مرضه.

وقضية أخرى في هذا السياق; وهي: أن التشعب المعرفي حتى في المجال والموضوع الواحد، وشيوع الاختصاص الذي أصبح سمة العصر، لم يعد يسمح، ولا يمكن معه لأي إنسان بالغًا من الذكاء ما بلغ، بالغًا من العمر ما بلغ، أن يدعي الإحاطة بكل شيء، والإجابة عن كل شيء، والاجتهاد في كل شيء.. والذي يدعي معرفة كل شيء والإجابة عن كل شيء نخشى أن نقول: (لا يعرف شيئًا) ! والذي لم يؤدبه الإسلام فلتؤدبه المعرفة وأخلاقها، حتى لا يقفو ما ليس له به علم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت