فهرس الكتاب

الصفحة 288 من 1942

ومن أجل أنها لم تنبثق من ذلك الأصل؛ ولم تجئ من هذا المصدر، فإنها قامت على أساس مناقض لفطرة الإنسان؛ ولم تراع في الأسس التي قامت عليها، ولا في الوسائل التي اتخذتها، ولا في الطريق التي سارت فيه.. لم تراع في هذا كله احتياجات [الإنسان] الحقيقية، المنبثقة من طبيعة تكوينه، وأصل خلقته وحقيقة فطرته، وأهملت إهمالًا شنيعًا أهم مقوماته-التي بها صار الإنسان إنسانًا- ولم تهملها فحسب، بل طاردتها في جفوة وعنف.. وسارت في طريق معارض للحقيقة الإنسانية، وللحاجات الحقيقية لبني الإنسان، وللقيم الصحيحة التي ينبغي أن تطبع الحياة الإنسانية وتميزها.

ومن ثم أخذ [الإنسان] يشقى شقاءً مريرًا بالحضارة، التي قامت-أو المفروض أنها قامت- لخدمته وترقيته وإسعاده.. وحين تتناقض [الحضارة] مع [الإنسان] فالنتيجة الحتمية بعد فترة-تطول أو تقصر- من صراع الإنسان مع الحضارة، ومن الآلام والتضحيات، والخسائر والمرارات، أن ينتصر الإنسان، لأنه هو الأصل. ولأن فطرته أعمق وأبقى من أنماط الحضارة الطارئة عليها.. الحضارة المنبتة عن الله، وعن منهجه للحياة.

ثم ماذا؟

ثم إنه الخواء ينخر في روح الحضارة الغربية، بمذاهبها جميعًا، وبأنظمتها جميعًا، الخواء الذي تختنق فيه روح [الإنسان] ، وتنهدر فيه قيمة [الإنسان] ، وتنحدر فيه خصائص [الإنسان] .. بينما تتكدس [الأشياء] وتعلو قيمتها، وتطغى على كل قيمة للإنسان!

إن بريق الحضارة المادية لا يجوز أن يغشي أبصارنا عن حقيقة الشقاء الذي باتت تعانيه البشرية في ظل هذه الحضارة. وإن الصواريخ المطلقة، والأقمار الصاعدة، لا يجوز أن تلهينا عن الدرك الذي ينحدر إليه [الإنسان] ومقومات [الإنسان] !

إن الإنسان هو أكرم ما في هذه الأرض. إنه هو الكائن الأساسي فيها، والمستخلف في مقدراتها. وكل شيء فيها في خدمته-أو ينبغي أن يكون كذلك-و [إنسانيته] هي المقوم الأعلى الذي يقاس به مدى صعوده أو هبوطه. وسعادة روحه هي مقياس ما في الحضارة التي يعيش فيها من ملاءمة لطبيعته أو مصادمة..

فإذا رأينا [الإنسان] ينحدر في صفاته [الإنسانية] وفي تصوره للقيم الإنسانية..

إذا رأيناه وقودًا للآلة، أو عبدًا لها، أو تابعًا ذليلًا من توابعها..

إذا رأيناه- تبعًا لهذا- ينحط في تصوره وذكائه وأخلاقه..

إذا رأيناه يهبط في علاقاته الجنسية إلى أدنأ من درك البهيمة..

إذا رأينا وظائفه الأساسية تعطل وتذوي وتتراجع..

إذا رأيناه يشقى ويقلق ويتحير، ويعاني من القلق والحيرة ما لم يعانيه قط في تاريخه من الشقاء والتعاسة، والأمراض العصبية والنفسية، والشذوذ والعته، والجنون والجريمة.

إذا رأيناه هاربًا من نفسه، ومن المخاوف، والقلاقل التي تلفه بها الحضارة المادية، والأنظمة الاجتماعية، والسياسية، والأخلاقية، والفكرية.

إذا رأيناه هائما على وجهه يقتل سآمته وملله، بما يقتل به روحه وجسمه وأعصابه، من المكيفات والخمور، أو ما يشبه المكيفات والخمور من الأفكار السود، ومذاهب اليأس والقنوط الملبس والضياع الأليم.. كما في [الوجودية] وغيرها من مذاهب الفكر التعيسة.

إذا رأيناه يئد نسله، أو يبيع أولاده، ليشتري بهم ثلاجات وغسالات كهربائية-كما جاءتنا الأنباء عن أوروبا الضائعة.

إذا رأيناه في مثل هذه الحال النكدة.. فإن جميع ما يصل إليه [العلم] في معزل عن [روح الإنسان] من تيسيرات للحياة المادية، ومن رفاهيات حضارية.. لا يغير شيئًا من حقيقة الانحدار الذي تهوي إليه البشرية؛ ومن حقيقة الشقاء الذي تعانيه؛ ومن حقيقة التعاسة التي تزاولها.. ثم.. من حقيقة فشل هذه الحضارة وقرب نهايتها.. ومن ثم حقيقة الحاجة الماسة إلي نظام آخر أصيل، بريء-في أساسه- من العيوب الأساسية التي أفسدت حياة البشر؛ وضيعت عليهم ثمار العلم والمعرفة والتقدم الحضاري.. نظام يسمح للإنسانية بأن تحقق غاية وجودها الإنساني-كما أرادها خالقها العظيم- وأن تستخدم [العقل] و [العلم] و [التجربة] استخدامًا آخر، يتناسق مع احتياجاتها الحقيقية؛ ومع مقتضيات فطرتها الأصيلة.

لقد انتهى دور الرجل الأبيض.. انتهى دوره سواء أكان روسيًا أم أمريكيًا، إنجليزيًا أم فرنسويًا، أم سويسريًا أم سويديًا.. إنه لابد من قاعدة من التصور الاعتقادي لكافة المذاهب والمناهج والنظم والأوضاع التي تقوم عليها حياة [الإنسان] . لابد من تفسير صحيح للوجود، ولمركز الإنسان فيه، ولغاية وجوده الإنساني. وهذا ما أغفلته حضارة الرجل الأبيض، بل حاربته حربًا شعواء، يستوي في هذا جميع الأنظمة السائدة في الغرب، وفي الشرق جميعًا.

والإنسان في حاجة إلى [عقيدة] تعمر قلبه؛ وتنبثق منها تصوراته؛ وتقدم له التفسير الشامل لحياته وللكون من حوله؛ ولعلاقته هو والكون بالخالق الأعلى.. [عقيدة] ترسم له أهدافًا أكبر من ذاته، وأعم من جيله، وأبعد من حاضره، وأرفع من واقعه؛ وتربطه بذات علوية، لها عليه رقابة وسيطرة؛ يحبها ويخشاها؛ ويتقي غضبها ويطلب رضاها؛ وينتظر عونها على الخير؛ ويستحي من مواجهتها بالشر؛ ويرجو جزاءها العادل الكامل، الذي يعوض عليه ما يفوته في صراعه للشر في هذه الحياة الدنيا؛ ويربط حياته كلها بها؛ ويتلقى عنها نظام حياته، ومناهج فكره وسلوكه؛ كما يتلقى عنها شعائر عبادته سواء بسواء.. فتستقيم حياته كلها حزمة واحدة، لا فصام فيها ولا صدام..

ولقد يشغل الإنسان بعض الوقت بجوعة الجسد، وما يتعلق بها من الإنتاج بشتى وسائله وصنوفه، ومن المتاع الحسي بشتى ألوانه ومذاقاته.. وما أن تهدأ هذه الجوعة حتى تتحرك في الكائن الإنساني جوعة أخرى. جوعة لا يسدها الطعام، ولا يرويها الشراب، ولا يكفيها الكساء، ولا تسكنها كل ضروب المتاع.. إنها جوعة من نوع آخر. جوعة إلى الإيمان بقوة أكبر من البشر؛ وعالم أكبر من المحسوس؛ ومجال أكبر من الحياة الدنيا.. وجوعة إلى الوئام بين ضمير الإنسان وواقعه، بين الشريعة التي تحكم ضميره والشريعة التي تحكم حياته. بين منهج حركته الذاتية، ومنهج الحركة الكونية من حوله. جوعة إلى [إله] واحد؛ يتلقى منه شريعة قلبه، وشريعة مجتمعه على السواء.. وكل نظام للحياة لا يحقق السعادة للكائن البشري إلا إذا تضمن كفاية هذه الجوعات المتعددة في كينونته الواحدة.. وهذه السمة هي التي خلت منها حضارة الرجل الأبيض!

ولهذا السبب-من وراء كل سبب- انتهى دور الرجل الأبيض..

المُخَلِّص

'إن هتافات كثيرة من هنا ومن هناك، تنبعث من القلوب الحائرة وترتفع من الحناجر المتعبة .. تهتف بمنقذ، وتتلفت على [مخلص] ، وتتصور لهذا المخلص سمات وملامح معينة تطلبها فيه..وهذه السمات والملامح المعينة لا تنطبق على أحد إلا على [هذا الدين] .

المستَقبل لهذا الدّين

وحين يتقرر أن الإسلام:

هو وحده القادر على إنقاذ البشرية مما يحدق بها من أخطار ماحقة، تدلف إليها مقودة بسلاسل الحضارة المادية البراقة.

وهو وحده القادر على منحها المنهج الملائم لفطرتها، ولاحتياجاتها الحقيقية.

وهو وحده الذي ينسق بين خطاها في الإبداع المادي، وخطاها في الاستشراف الروحي.

وهو وحده الذي يملك أن يقيم لها نظامًا واقعيًا للحياة يتم فيه هذا التناسق الذي لم تعرفه البشرية قط إلا في النظام الإسلامي وحده على مدى التاريخ ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت