فهرس الكتاب

الصفحة 303 من 1942

"وهذا عبد الله ( ابن عبد الله بن أبيّ ) رضي الله عنه وأرضاه نموذج رفيع للمسلم المتجرد الطائع: يشقى بأبيه ويضيق بأفاعيله ويخجل من مواقفه ، ولكنه يكن له ما يكنه الولد البار العطوف . ويسمع أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد أن يقتل أباه هذا . فيختلج قلبه بعواطف ومشاعر متباينة ، يواجهها هو في صراحة وفي قوة وفي نصاعة . إنه يحب الإِسلام ويحب طاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم ويحب أن ينفذ أمره ولو في أبيه . ولكنه لا يطيق أن يتقدم أحد فيضرب عنق أبيه ويظل يمشي على الأرض بعده أمام ناظريه . وهو يخشى أن تخونه نفسه ، وألا يقدر على مغالبة شيطان العصبية ، وهتاف الثأر . وهنا يلجأ إلى نبيه وقائده ليعينه على خلجات قلبه ، ويرفع عنه هذا العنت الذي يلاقيه . فيطلب منه إن كان لا بد فاعلا أن يأمره هو بقتل أبيه . وهو لا بد مطيع . وهو يأتيه برأسه . كي لا يتولى ذلك غيره ، فلا يطيق أن يرى قاتل أبيه يمشي على الأرض ، فيقتله ، فيقتل مؤمنًا بكافر .. فيدخل النار .."

"وإنها لروعة تواجه القلب أينما اتجه وأينما قلّب في هذا الموقف الكريم . روعة الإيمان في قلب إنسان وهو يعرض على رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكل إليه أشق عمل على النفس البشرية - أن يقتل أباه - وهو صادق النية فيما يعرض . يتقي به ما هو أكبر في نظره وأشق .. وهو أن تضطره نوازعه البشرية إلى قتل مؤمن بكافر ، فيدخل النار .. وروعة الصدق والصراحة وهو يواجه ضعفه البشري تجاه أبيه وهو يقول:"فو الله لقد علمت الخزرج ما كان لها من رجل أبرّ بوالده مني . وهو يطلب من نبيه وقائده أن يعينه على هذا الضعف ويخرجه من هذا الحرج ، لا بأن يرد أمره أو يغيره - فالأمر مطاع والإِشارة نافذة - ولكن بأن يكل إليه هو أن يأتيه برأسه !

"والرسول الكريم يرى هذه النفس المؤمنة المتحرجة ، فيمسح عنها الحرج في سماحة وكرامة:"بل نترفق به ونحسن صحبته ما بقي معنا".. ومن قبل هذا يكف عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن رأيه:"فكيف يا عمر إذا تحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه"؟"

"ثم تصرف الرسول صلى الله عليه وسلم في الحادث تصرف القائد الحكيم .. وأمره بالسير في غير أوان ، ومتابعة السير حتى الإِعياء ، ليصرف الناس عن العصبية المنتنة التي أثارها صياح الرجلين المتقاتلين: يا للأنصار ! يا للمهاجرين ! وليصرفهم كذلك عن الفتنة التي أطلقها المنافق عبد الله بن أبي بن سلول ، وأرادها أن تحرق ما بين الأنصار والمهاجرين من مودة وإخاء فريدين في تاريخ العقائد وفي تاريخ الإنسان .."

"وأخيرًا نقف أمام المشهد الرائع الأخير: مشهد الرجل المؤمن عبد الله بن عبد الله بن أبيّ ، وهو يأخذ بسيفه مدخل المدينة على أبيه فلا يدعه يدخل ، تصديقًا لمقاله هو:"ليخرجن الأعز منها الأذل"ليعلم أن رسول الله هو الأعز ، وأنه هو الأذل . ويظل يقفه حتى يأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فيأذن له . فيدخلها بإذنه . ويتقرر بالتجربة الواقعة من هو الأعز ومن هو الأذل . في نفس الواقعة . وفي ذات الأوان ."

"ألا إنها لقمة سامقة تلك التي رفع الإيمان إليها أولئك الرجال . رفعهم إلى هذه القمة وهم بعد بشر بهم ضعف البشر ، وخوالج البشر . وهذا هو أجمل وأصدق ما في هذه العقيدة ، حين يدركها الناس على حقيقتها ، وحين يصبحون هم حقيقتها التي تدب على الأرض في صورة أناسي تأكل الطعام وتمشي في الأسواق" (48)

قال أنس بن مالك:"بينما أنا أدير الكأس على أبي طلحة وأبي عبيدة بن الجراح وأبي دجانة ومعاذ بن جبل وسهيل ابن بيضاء حتى مالت رءوسهم من الخمر ، إذ سمعت مناديا ينادي: ألا إن الخمر قد حرّمت . قال: فما دخل علينا داخل ولا خرج منا خارج حتى أهرقنا الشراب وكسرنا القلال . وتوضأ بعضنا ، واغتسل بعضنا ، وأصبنا من طيب أم سليم ثم خرجنا إلى المسجد" (49) .

وعن أبي بريدة عن أبيه قال:"بينما نحن قعود على شراب لنا ونحن نشرب الخمر ، إذ قمت حتى آتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلم عليه ، وقد نزل تحريم الخمر ، فجئت أصحابي فقرأت الآية عليهم إلى قوله:"فهل أنتم منتهون ؟"قال: وبعض القوم شربته في يده شرب بعضًا وبقي بعض في الإِناء ، فأراقوا ما في كئوسهم ، ثم صبوا ما في باطيتهم وقالوا: انتهينا ربنا . انتهينا ربنا" (50)

"وما تكونت عصابات للتهريب ، ولا لجأت الدولة إلى أحكام الإِعدام والسجن ومصادرة الأموال والأملاك ، ولكنها المبادرة إلى التنفيذ في يسر وطاعة امتثالا لأمر القرآن (51) ".

وعن صفية بنت شيبة قالت:

"بينما نحن عند عائشة ، قالت: فذكرن نساء قريش وفضلهن ، فقالت عائشة: إن لنساء قريش لفضلا ، وإني والله ما رأيت أفضل من نساء الأنصار ولا أشد تصديقا لكتاب الله ، ولا إيمانا بالتنزيل . لما نزلت في سورة النور: ( وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ ) انقلب رجالهن إليهن يتلون عليهن ما أنزل الله إليهم منها ، يتلو الرجل على امرأته وابنته وأخته وعلى كل ذي قرابته ، فما منهن امرأة إلا قامت إلى مرطها المرجّل فاعتجرت به (52) تصديقا وإيمانا بما أنزل الله من كتاب" (53) .

"كان المشركون في مكة قد منعوا عددا من المؤمنين من الهجرة وحبسوهم بها وقيدوهم بالأغلال وعذبوهم ليفتنوهم عن دينهم ، فلما كان عهد الحديبية ، نص فيه على أن من يهرب منهم ويأتي المدينة يرده الرسول صلى الله عليه وسلم إلى مكة . وقد استطاع أبو بصير"عتبة بن أسيد"أن ينفلت من محبسه ، وسار على قدميه سبع ليال حتى وصل المدينة ، فبعث المشركون في إثره برجلين ليتسلماه وفاء بعهد الحديبية ، وكان موقفا عنيفا على المؤمنين أن يردوا شابا مؤمنا إلى المشركين ليعذبوه بعد ما لقي منهم من عذاب وما بذل من جهد ومشقة حتى بلغ المدينة ، وظن أبو بصير أنه قد أمن واستراح من الفتنة والعذاب ، ولم يتصور أن يسلمه الرسول صلى الله عليه وسلم لأعدائه . فلما أمره الرسول صلى الله عليه وسلم أن يرجع ، ودفعه إلى سفيري قريش ، قال: يا رسول الله تردني إلى المشركين يفتنوني في ديني ؟ فقال له:"يا أبا بصير: إنا قد أعطينا هؤلاء القوم ما قد علمت ، ولا يصلح لنا في ديننا الغدر ، وإن الله جاعل لك ولمن معك من المسلمين فرجا ومخرجا". فقال أبو بصير متعجبا: يا رسول الله ! تردني إلى المشركين ؟! فقال له:"انطلق يا أبا بصير ، فإن الله سيجعل لك مخرجا". ودفعه إلى الرجلين ليعودا به إلى مكة" (54) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت