في تلك المدارس كان يدرس المقرر في صورة واحدة ، من كتاب واحد مقرر . وما كان الإِنجليز يجهلون أن الصورة الواحدة المحدودة تحدد تفكير الدارس وتقتل ملكة الابتكار فيه ، لأن الابتكار ينشأ من رؤية الشيء الواحد في صور متعددة ومن زوايا مختلفة ، فيتعود الذهن على التحوير والتبديل ، وينشأ عن ذلك الابتكار والتطوير . وقد كانت مدارسهم في إنجلترا - في ذلك الوقت ذاته - تربي تلاميذها على أن يطلعوا على الموضوع الواحد في مصادر مختلفة فيتربى فيهم حب الاطلاع من ناحية ، والقدرة على الابتكار والاختراع من ناحية . ثم يمتحنون فيما استفادوه من دراستهم لا فيما حفظوه عن ظهر قلب . ولكنهم - في مصر - كانوا يحددون الأفهام والعقول ، خوفا من أن تنشأ فيها القدرة على التفكير !
وفي تلك المدارس كان الناظر الإنجليزي يحيط نفسه بجو من القداسة والرهبة ، كأنه إله يعبد ، يسري في النفوس منه الرعب ، وتتوجه إليه القلوب بالتوقير والتقديس ، وكانت تلك خير وسيلة - لا للتربية - وإنما لزرع العبودية في النفوس
وفي تلك المدارس كان يلقن التلاميذ أن مصر بلد متأخر لأنه زراعي ، لا يمكن أن تنشأ فيه الصناعة - عنوان التقدم - لأنه ليس فيه فحم ولا حديد . وأن أوربا على وجه العموم وإنجلترا بصفة خاصة ، بلاد متقدمة لأنها بلاد صناعية ، لأن فيها الفحم والحديد .
وفي تلك المدارس لم يكن يدرس القرآن ولا الدين .. إلا نتفا متناثرة تضر أكثر مما تنفع ..
فبينما كانت المدارس التبشيرية التي يحميها الاستعمار ويمكّن لها في الأرض ، تبدأ نشاطها اليومي بالصلاة في كنيسة المدرسة ، والتوجه إلى الله بالدعاء المسيحي - بما في ذلك التلاميذ المسلمون قسرا عنهم - فيرتبط الدين في وجدان التلاميذ بالنشاط والتطلع ، والحياة الباكرة القوية المستشرفة ، كانت حصص القرآن والدين في مدارس الحكومة توضع في نهاية اليوم المدرسي ، وقد كلّ التلاميذ وملوا ، وحنوا إلى الانفلات من سجن المدرسة البغيض إلى فسحة الشارع أو رحب البيت ، وكانت هذه الحصص توكل إلى أسن مدرس في المدرسة ، يسعل ويتفل ، ويمثل أمام التلاميذ ضعف الحياة الفانية المنهارة .. فيرتبط الدين في وجدانهم بالعجز والفناء والشيخوخة ، كما يرتبط بالملل والضجر والنفور .
وتوسعت سياسة دنلوب ، فأنشأ بضع مدارس ثانوية تمد الموجة الصليبية خطوات إلى الأمام ..
مدارس تسيرعلى النهج ذاته في كل شيء .. ولا تدرس شيئًا عن حقيقة الإِسلام !
فما التاريخ الإِسلامي الذي يدرسه التلاميذ ؟
نزل الإسلام:
1 -في قوم وثنيين يعبدون الأصنام فدعاهم إلى عبادة الله الواحد .
2 -وكانوا يئدون البنات فنهاهم عن ذلك .
3 -ثم دعاهم لنشر الدعوة فكانت الغزوات والفتوح التي انتهت بانتشار الإِسلام في البقاع التي يوجد فيها اليوم !
ومن ثم يكون الإسلام"منتهيا"قد فرغت مهمته ، ولم يعد له مهمة يؤديها في وقع الحياة !
فأولا: لم يعد هناك أولئك الوثنيون عباد الأصنام الذين يدعوهم الإسلام إلى عبادة الله الواحد ( وقد حجب الاستعمار أفريقيا ! )
وثانيًا: لم يعد أحد يئد البنات حتى يحتاج إلى دعوة الإسلام للقضاء على هذه الفعلة الشنيعة .
وثالثا: نشر الدعوة - أو الجهاد - قد توقف بحكم الظروف الدولية الحديثة ، ولم يعد له محل في العالم الحديث .
أما الإِسلام كقوة كونية انبعثت في الأرض لتهدي الناس إلى النور ..
أما الإِسلام كنظام يحكم الحياة البشرية من جميع أطرافها ويوجهها إلى الفلاح والخير ..
أما الإسلام كقوة فاعلة في واقع الأرض ..
أما الإِسلام كحضارة امتدت في أقطار الأرض وأقطار الزمن أكثر من ألف من السنين ..
أما الإسلام كحركة علمية أضاءت وجه الأرض كله واستقت منها أوربا ذاتها لتكوّن نهضتها الحديثة ..
أما الإِسلام كتنظيم اقتصادي وعدالة اجتماعية ..
أما الإِسلام كحركة تحريرية ، حررت ضمير الفرد من الخرافة كما حررته من العبودية لغير الله ، وحررت جموع الناس من الظلم الذي يقع عليهم من فساد النظم أو فساد الأشخاص ..
أما الإِسلام كشريعة أنزلها الله ليحكم بها الناس في الأرض ، ولتنفذ وتطاع ..
أما هذا كله ، فلا شيء منه يدرس للطلاب في المدارس .. وإنما يدرس الإِسلام - على أكثر تقدير - كمجموعة من العبادات يؤديها الإِنسان فيكون قد أدى كل ما عليه من"إسلام"!
أو يدرسونه مجموعة من الشبهات ! مجموعة من المظالم الفكرية والروحية والاجتماعية والسياسية ، تبيّنه في نظر الناس شيئًا ضئيلا هزيلا من ناحية ، ومن ناحية أخرى تبيّنه رجعية وجمودًا وتأخرًا ينبغي الانسلاخ منها في قوة ، والتخلص من هذه السبة التي تسمى الدين .
وفي مكان هذا كله يدرسون لهم أوربا !
أوربا هي القوة . وهي الحضارة . وهي العلم . وهي العدالة الاجتماعية . وهي الحرية والإخاء والمساواة . وهي التقدم الصاعد أبدًا في كل ميدان .
النظم الاجتماعية الحقة هي التي قامت في أوربا . والنظم الاقتصادية الحقة هي التي ابتدعها الفكر الأوربي . والنظم الدستورية الصالحة هي التي صقلتها تجارب الأوربيين . حقوق الإِنسان قررتها الثورة الفرنسية . والديمقراطية قررها الشعب الإِنجليزي . والحضارة وضعت أسسها الإِمبراطورية الرومانية .
وباختصار: أوربا هي العملاق الضخم الذي لا يقهر . والإسلام هو القزم الضئيل الذي عليه أن يتعبد هذا العملاق .. ليعيش !
ولم يكن ذلك كل شيء في سياسة دنلوب القسيس .
لقد كانت اللغة العربية - وما تزال - مرتبطة بالإِسلام في نفوس المسلمين ، العرب منهم وغير العرب سواء .
فلا بد إذن من تحقيرها والزراية بها ، حتى تنتقل الزراية والتحقير - بالطبيعة - إلى ما يرتبط بها من معاني الدين .
وليكن شخص معلم اللغة العربية هو موضع الزراية والتحقير ..
فبينما يقبض مدرس اللغة الإِنجليزية أو الجغرافيا والتاريخ أو الرياضة اثني عشر جنيها كاملة في الشهر ، تساوي في ذلك الزمان الحياة الرغيدة والوفر الذي تتكون منه ثروات وأراض وبيوت .. يقبض زميله مدرس اللغة العربية الذي يقوم بالعمل معه في نفس المدرسة ، ويأخذ جدولا مماثلا من الحصص أو أكثر .. أربعة جنيهات !
وفي الحال تتميز الطبقتان تميزًا شنيعا لا يقف عند حد .
فهذا موضع الاحترام في المدرسة والمجتمع ، ينال مكانته الاجتماعية والاقتصادية .. ويتزوج من"البيوتات"ويربي أبناءه في جو من الاستعلاء والترفع ..
وذلك يتأخر ويتواضع وينطوي على نفسه ، وتنزل مكانته الاجتماعية والاقتصادية .. ولا يتسنى له أن يتزوج من أسرة كريمة .. ويربي أبناءه في جو من الفقهر والمذلة والهوان .. ويلقاه الناس في كل مكان بالازدراء والنفور ..
أف ! هذا مدرس لغة عربية !
ولا تصيبه الضربة وحده في واقع الأمر .. وإنما تصيب معه اللغة العربية والدين !
ولم يكن هذا كل شيء ...
فمع الاستعمار الصليبي في العالم الإِسلامي كان التبشير يعمل على أوسع نطاق ممكن ، وفي قوة وإصرار وعنف ، لتقويض المفهوم الإسلامي في النفوس ، وزرع المفهوم المسيحي أو الأوربي بصفة عامة في قلوب الناس بدلا من مفهوم الإِسلام .
وأمامي كتاب"الغارة على العالم الإٍسلامي La Conquete du Monde Musulman" (61) يشتمل على حقائق مذهلة .. يذهل الإِنسان إذ يراها تنشر بهذه الصراحة ، ويذهل إذ يرى الخطوط التي وضعها التبشير والاستعمار معًا ما زالت عاملة في العالم الإِسلامي ، والسموم التي وضعاها معًا ما زالت سارية في نفوس المسلمين !