"ولا شك في أن إرساليات التبشير من بروتستانتية وكاثوليكية تعجز عن أن تزحزح العقيدة الإِسلامية من نفوس منتحليها ، ولا يتم لها ذلك إلا ببث الأفكار التي تتسرب مع اللغات الأوربية . فبنشرها اللغات الإِنجليزية والألمانية والهولندية والفرنسية يحتك الإِسلام بصحف أوربا وتتمهد السبل لتقدم ( ! ) إسلامي مادي ، وتقضي إرساليات التبشير لبناتها من هدم الفكرة الدينية الإسلامية التي لم تحفظ كيانها وقوتها إلا بعزلتها وانفرادها".
وهو كلام كذلك له خطورته . فهو يبين لنا - فيما أحسب - هدف الاستعمار الصليبي من نشر اللغات الأوربية في البلاد الإسلامية التي يستعمرها . إنه أولا وقبل كل شيء هدم الفكرة الدينية الإِسلامية .. ثم إنشاء أي شيء بعد ذلك ، أو عدم إنشاء شيء على الإطلاق ! فالمهم هو الهدم وليس هو الإِنشاء .. باعتراف شاتلييه نفسه إذ يقول في الفقرة التالية:
"ولا ينبغي لنا أن نتوقع من جمهور العالم الإِسلامي أن يتخذ له أوضاعا وخصائص أخرى إذا هو تنازل عن أوضاعه وخصائصه الاجتماعية ( المستمدة من الفكرة الإِسلامية ) إذ الضعف التدريجي في الاعتقاد بالفكرة الإِسلامية وما يتبع هذا الضعف من الانتقاض والاضمحلال الملازم له ، سوف يفضي بعد انتشاره في كل الجهات إلى انحلال الروح الدينية من أساسها لا إلى نشأتها بشكل آخر":
كلام صريح لا يحتاج إلى تعليق .. فتعليم اللغات الأوربية هدفه إضعاف الاعتقاد بالفكرة الإِسلامية . وهذا الضعف مقدر له - في علم الاستعمار الصيبي وتدبيره - أن يتبعه انتقاض واضمحلال ملازم له .. وهذا هو المطلوب !
وهنا نقف لحظة لنرد على هذا السؤال: هل كنا نمتنع إذن عن تعلم اللغات الأوربية - وهي الوسيلة الكبرى أو الوحيدة للمعرفة في الوقت الحاضر - بسبب أن الاستعمار يستخدمها لإِضعاف العقيدة الإِسلامية ؟
كلا ! فالامتناع عن تعلم اللغات وإقفال باب المعرفة حماقة لا يطلبها لنفسه عاقل ! وإنما السبيل هو أن نتعلمها بوعينا وإرادتنا ، لا على النحو الذي يريده لنا الاستعمار . نتعلمها كما تعلم المسلمون الأوائل اليونانية والفارسية والهندية - لغات العلم يومئذ والمعرفة - دون أن تتأثر بذلك عقيدتهم ، بل تعلموها لخدمة هذه العقيدة ومد نشاطها إلى كل فروع المعرفة .. ويومها أصبح المسلمون هم علماء الأرض .. مع بقائهم مسلمين !
ووقفة أخرى - لا يملك الإنسان نفسه إزاءها - ليقارن بين هذا الصنيع الصليبي في العام الإِسلامي ، وبين ما صنعه الإِسلام في البلاد المفتوحة ، ليتبين لنا الفرق بين اتجاه واتجاه !
فما لا شك فيه أن المسلمين نشروا لغتهم العربية في البلاد التي فتحوها ، وأنهم فتحوا هذه البلاد لينشروا فيها الإِسلام .. ولكن أي فرق .. !
لم يحفظ التاريخ قط أن المسلمين سعوا بأية وسيلة ملتوية إلى"استلاب"الناس من عقيدتهم وأفكارهم ليدخلوا الإِسلام ! وإنما كانت الدعوة صريحة مكشوفة لا تحايل فيها ، ولا ضغط كذلك ولا إكراه .
يقول ت. و. أرنولد - وهو كاتب مسيحي ، فوق مستوى الشبهات فيما نحن بصدده ! - في كتابه"الدعوة إلى الإٍسلام The Preaching of Islam"ص 48 من الترجمة العربية لحسن إبراهيم حسن وآخرين:
"ويمكننا أن نحكم من الصلات الودية التي قامت بين المسيحيين والمسلمين من العرب ، بأن القوة لم تكن عاملا حاسما في تحويل الناس إلى الإِسلام . فمحمد نفسه قد عقد حلفا مع بعض القبائل المسيحية ، وأخذ على عاتقه حمايتهم ومنحهم الحرية في إقامة شعائرهم الدينية ، كما أتاح لرجال الكنيسة أن ينعموا بحقوقهم ونفوذهم القديم في أمن وطمأنينة"
ويقول في ص 51:"ومن الأمثلة التي قدمناها آنفًا عن ذلك التسامح الذي بسطه المسلمون الظافرون على العرب المسيحيين في القرن الأول من الهجرة ، واستمر في الأجيال المتعاقبة ، نستطيع أن نستخلص بحق أن هذه القبائل المسيحية التي اعتنقت الإِسلام ، إنما فعلت ذلك عن اختيار وإرادة حرة . وإن العرب المسيحيين الذين يعيشون في وقتنا هذا بين جماعات مسلمة لشاهد على هذا التسامح".
ثم إن نشر اللغة العربية في البلاد المفتوحة ، الذي كان مقصودا به ولا شك فتح الباب السلمي لاطّلاع الناس على العقيدة الجديدة ، حتى يعتنقوها - إذا أعجبتهم - دون إكراه ، (62) لم يكن مقصودا به ، ولا هو أدى قط إلى الاضمحلال والانتقاض ، ولا إلى انحلال الروح الدينية من أساسها بحيث لا تنشأ بشكل آخر ، مما يصرح شاتلييه أنه هدف الاستعمار الصليبي ، وإنما كان مقصودا به ، وأدى بالفعل إلى إنشاء الروح الدينية الصحيحة بصورة قوية بناءة في واقع الحياة .
ويكفي هذا التفريق .. ونمضي في الطريق ، نسجل المقتطفات .. أو في الحقيقة الاعترافات !
يستمر شاتلييه في المقدمة فيقول:
"ولكننا نعود فنقول: إنه مهما اختلفت الآراء في نتائج أعمال المبشرين من حيث الشطر الثاني من خطتهم وهو الهدم ، فإن نزع الاعتقادات الإِسلامية ملازم دائما للمجهودات التي تبذل في سبيل التربية النصرانية . والتقسيم السياسي الذي طرأ على الإِسلام سيمهد السبل لأعمال المدنية الأوربية ، إذ من المحقق أن الإسلام يضمحل من الوجهة السياسية ، وسوف لا يمضي غير زمن قصير حتى يكون الإسلام في حكم مدنية محاطة ( محاصرة ) بالأسلاك الأوربية".
وهذه الفقرة القصيرة تشتمل وحدها على حقيقيتين خطيرتين:
الأولى سبق الإِشارة إليها ولكنها هن تصاغ بصورة أوضح وأصرح ، وهي أن الجهود التي تبذل ، هي في سبيل التربية النصرانية ، لا في سبيل نشر الحضارة من حيث هي تراث إنساني لا يعرف الدين ولا الوطن ، وتشترك فيه البشرية بكاملها ، كما كان يخيل للمستغفلين من المسلمين في الشرق ، إزاء أعمال"التمدين"التي يقوم بها الاستعمار في البلاد الإِسلامية ، وكما كان يزعم المأجورون من دعاة هذا الاستعمار أو المتسممون بسمومه .
إنها في صراحة ووضوح جهود تبذل في سبيل التربية النصرانية ، ويصاحبها ويلازمها نزع الاعتقادات الإِسلامية من النفوس .
والثانية أن التقسيم السياسي الذي طرأ على الإِسلام سيمهد السبل لأعمال المدنية"الأوربية"أي - كما شرحها شاتلييه - المدنية النصرانية ..
وهذا التقسيم السياسي الذي يشير إليه الكاتب هو تفتت العالم الإسلامي إلى دويلات شبه مستقلة ، يقوم بالحكم فيها حاكم شبه مستقل ، أو طامع في الاستقلال ، يتبناه الاستعمار الصليبي وينفخ فيه من روح الشيطان .
هذا التفتيت كان عملية مقصودة ولا شك ، ليتم الغزو ، الديني والحربي ، بصورة أسرع وأيسر مما لو كان العالم الإِسلامي وحدة - مهما يبلغ من ضعفها فهي صعبة التفتيت ، وتجزئتها تزيدها ضعفا على أي حال .
ثم إن هذا يؤيد يؤكد ما سبق أن ذكرناه ، وكررناه ، من أن المدنية الأوربية بذاتها - أو"التطور"كما يلذ"للمثقفين"أن يسموه - لم يكن مستطيعًا وحده أن يفسد من العالم الإِسلامي ما أفسد ، لولا هذا الدك المستمر في قلاعه على أيدي الاستعمار الصليبي ، بنزع العقيدة الإِسلامية من النفوس بكل وسيلة يملكها المبشرون والمستعمرون .