وأين هو في جرونيباوم الذي يقول في كتابه"الإسلام"إن العلم كان مطلوبا منه في نظر الإِسلام أن يخدم الدين .. أي أمور الآخرة ( ! ) في حين يقرر في نفس الكتاب أن الإِسلام بالذات نظام دنيوي أخروي في آن واحد ، لا ينفصل فيه الدين عن الدنيا ، ولا المجتمع عن الشريعة !
وأين هو في فلهوزن في كتابه"الدولة العربية"حيث يقول إن أبا بكر وعمر اغتصبا الخلافة من المسلمين اغتصابا ( ولو قال من عليّ كرم الله وجهه لكانت هناك وجهة نظر على الأقل ! ولكنه يقول من المسلمين ! ) وإن محمدا صلى الله عليه وسلم هادن اليهود وحالفهم وهو ضعيف القوة ، فلما قوي"انقلب"عليهم ، وطردهم بدافع من القومية !! ولا يذكر ما يسجله التاريخ من أن اليهود هم الذين نقضوا عهدهم مع المسلمين ، وفعلوا كل ما يفعله المحارب من تأليب المشركين عليهم في مكة ، والتآمر مع المنافقين في المدينة ، ونشر الأراجيف .. وأخيرًا الاعتداء الشائن على امرأة من المسلمين .
وأين هو في جولدتسيهر في كتابه"العقيدة والشريعة في الإِسلام"الذي يقول فيه إن الإِسلام ليس فيه شيء جديد"لا في الأفكار ولا فيما يتصل بعلاقة الإِنسان بما هو فوق حسه وشعوره وباللانهاية"إذ هو في نموه مصطبغ بالأفكار والآراء الهلينستية ، ونظامه الفقهي الدقيق مستمد من القانون الروماني ، ونظامه السياسي متأثر بالنظريات السياسية الفارسية وتصوفه يمثل تيارات الآراء الهندية والأفلاطونية الجديدة !!!
وأين هو في"قايين رابن"تلميذ مرجيليوث في كتاب:"اللغات القديمة في غربي بلاد العرب"الذي يقول فيه إن القرآن قد احتوى على أخطاء لغوية ونحوية ( !! ) وإن المسلمين على مر الأجيال قد صححوا كثيرًا منها ولكن ما زال بعضها باقيا حتى اليوم !
إلى آخر هذا اللغو الذي لا يحترمه عقل ولا علم ولا ضمير ..
ومع ذلك كله فللمستشرقين في الشرق الإِسلامي معجبون كثيرون .. وتلاميذ !
وتصل الفتنة إلى حد أن بعض المسلمين أنفسهم ، ممن لا يشك الإِنسان في ضمائرهم ، يخدعون في كتاباتهم فيجعلونها مراجع لهم لا في البحث عن الحوادث التاريخية ، ولا في تحرير النصوص ؛ بل في البحث عن أصل التصور الإِسلامي ، وفي تفسير أحداث التاريخ الإِسلامية ، حتى شخصيات العصر الأول .. دون فطنة إلى أن الهدف الأول للاستشراق - سواء أكان ظاهرا أم خفيا - كان تلبيس هذه العقيدة ، وإلقاء الغبش في التصور الإِسلامي ، والتشكيك في الشخصيات موضع القدوة ، وفي دوافع الرجال الكرام الذين أسسوا هذا الدين .
فإذا كانت الفتنة تصل إلى هذا الحد عند هؤلاء"المسلمين"ضميرًا وثقافة .. فكيف هي عند"رعاع"المثقفين الذين لا يعرفون عن الإسلام إلا ما يقوله لهم هؤلاء المستشرقون ، وكيف هي عند المتحللين المنسلخين من هذا الدين ، الذين تتفتح نفوسهم وتشرق لهذا الطعن والتشويه ، بقدر ما تنقبض من كل كلام يصحح الأفهام ويذكر الحقائق كما أنزلها الله وعرفها المسلمون ؟! ( وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ ) (65) .
نعم . لقد كان جهد المستشرقين جزءًا من الكيد المنظم لهذا الدين .
وهو جهد خبيث ...
فقد تعلموا من بدء المعركة أن المهاجمة الصريحة للمسلمين في عقيدتهم ليس لها نتيجة سوى استفزاز مشاعرهم وإيقاظهم إلى الكيد المرصود لهم ، فيزيدهم ذلك تمسكا بالدين !
لذلك لجأوا إلى طريق أخبث .. هو دس السم في العسل كما يقولون ... فهم يبدأون بتمجيد الإِسلام ورسوله ، والإِشادة بالفضائل الجمة العالية التي يشتمل عليها هذا الدين ... فإذا اطمأن المسلم إلى أنه في جوٍ صديق لا يضمر له السوء ، وألقى سلاح الانتباه واليقظة ... فهنالك يُدَسّ له السم وهو غافل ، وتوضع - في وسط التمجيد - تلك الغمزات والتشويهات ، التي تصل في النهاية إلى تشكيك الناس في حقائق عقيدتهم ، ونمو الشبهات خفية في داخل النفس أو علانية في وضح الذهن !
وهذه هي الخدعة الماكرة .. فمن ذا الذي يشك - وهو يرى كاتبا مسيحيا لا يؤمن بالإِسلام يكيل له هذا المديح كله - من ذا الذي يشك بعد ذلك في صدق كل حرف يقوله ، وفي أن هذه المطاعن موجودة حقيقة في الدين ، وإنما كان يخفيها عن بصيرته التسليم الأعمى الموروث ، حتى قيض الله له ذلك"العالم النزيه"ليكشف له عن الأباطيل ، ويريه الحقائق في وضح النور .. وفي ضوء"العلم"الذي لا يتحيز ولا يميل ؟!!
فإذا هززت أحدهم من غفوته وغفلته .. وقلت له كيف تنتظر من غير مسلم أن يقول لك الحق في أمر الإِسلام ؟! وكيف تتخذ منه مصدر المعرفة في أمر دينك وهو لا يؤمن بهذا الدين ؟ قال - بلسانه ، وهو ما يزال في غفلة المبهور - حقًا إنه لا يؤمن بالإِسلام .. ولكنه يبحث بحثًا"علميًا"حرًا لا علاقة له بالدين !!!
وجميل أن نأخذ عن المستشرقين طريقة البحث المستأنية الصابرة المنقبة في بطون الكتب وحواشيها ، ونحن أقدر منهم بعد ذلك على فهم النصوص وتأويلها ، وتفسير الحوادث ووزنها ، وتقويم الشخصيات ووضعها في مكانها الصحيح .. أما أن نأخذ"حقائق"الدين عنهم .. ؟!
ألا إنها الفتنة الصليبية التي تحيق بالمسلمين !
وأمامي الآن كتاب أَعُده أخبث ما قرأت من كتب المستشرقين ! ذلك هو كتاب"الإِسلام في التاريخ المعاصر"الذي أشرت إليه أكثر من مرة في فصول هذا الكتاب .
إنه يسير على الطريقة ذاتها .. طريقة التمجيد .. ثم دس ما يريد من الأفكار في ظل هذا التمجيد .
ولكن عنصر الخبث الزائد فيه أنه يقرّ لك بحقائق لا تتصور أن كاتبا غربيا مسيحيا يمكن أن يقرّ لك بها بحال من الأحوال . وذلك ليعطيك جو"الثقة"المطلقة ، والنزاهة العلمية الكاملة التي لا تحتمل أي شك ولا تأويل !
فهو - كما أثبتنا من قبل - يقر لك بأن أوربا لا تستطيع أن تنسى الحروب الصليبية ، ولا أن تخرج من ذاكرتها أن الإسلام ظل يهددها في عقر دارها بضعة قرون .
وهو يقر في ص 111 بأن الغرب وقف في صف الصهيونية ضد العرب المسلمين ، متاثرًا بتلك العداوة القديمة بين المسيحية والإِسلام .
ويقر في صفحات 104 - 113 أن الغرب يوجه كل أسلحته: الحربية والعلمية والفكرية والاجتماعية والاقتصادية ... إلخ . إلى العالم الإِسلامي بغرض إذلاله وتحقيره وإشعاره بالضآلة والخنوع .
بل يقر - فيما يختص بالعقيدة المسيحية ذاتها ، في مقارنة بين"التضحية"الإِسلامية والتضحية المسيحية ، في الفصل الأول من الكتاب - يقر بأن في العقيدة المسيحية لونًا من السلبية إزاء أحداث التاريخ ، بينما الإِسلام إيجابي حتى في تضحيته . فبينما يضحي المسيحي بنفسه ، بوقوفه في وجه عجلة التاريخ المنحرفة حتى تدوسه وتقتله ، وحسبه أنه لم يسمح لها بالسير المنحرف وهو حيّ ، دون أن يحاول تصحيح العجلة أو تغيير اتجاهها ، فإن المسلم يضحي بنفسه وفي حسه أن هذه التضحية ستدفع عجلة التاريخ إلى الأمام في اتجاهها الصحيح .
ماذا تريد من رجل غربي مسيحي أن يقول لك خيرًا من ذلك وأنزه ؟!
فهل تشك بعد ذلك في شيء مما يقول ؟!