بينما كان العالم الإسلامي يموج حضارة وتمدن خلال عصور الخلائف الراشدية والأموية والعباسية والعثمانية كانت أوروبا تعيش في أتون الجهل والهمجية والبربرية والرق والعبودية . وهذه حقيقة لاننكرها بل نقرها ولا نتغافلها وسط إرهاصات الغرب المفتئت والمفتري عليها . فعلماء المسلمين في كل مشاربهم إبان عصور حضارتنا الإسلامية التي غبرت وغربت عنا . لم يخلفوا لنا سوي أمجادهم وكتبهم وتراثهم الذي نهلت منه كل الروافد المعرفية العالمية . لأنه كان ثبتا لايماري فيه . لأنه اتسم بالمصداقية البحثية مما جعلهم مشاعل التنوير ودعاة الإستنارة ومجددين ومبدعين للعلم . فبنوا حضارة الحضارات وظلت تتري للإنسانية بتوابعها عبر القرون الوسطي حيث كانت الهمجية تسود أوروبا . ومن أعمال عباقرة هذه الحضارة الإسلامية نجد الجاحظ وقد ظهر كعالم للحيوان عندما حدثنا لأول مرة عن هحرات الطيور في رحلتي الصيف والشتاء . ولم يكتشف العلماء هذا إلا القرن 19 .ويعتبر الجاحظ مؤسسا لعلم الجغرافيا البشرية و علم الأجناس حيث قسم البشر وصنفهم لأمم وشعوب وأجناس وأعراق مختلفة وأوعز ألوانهم ولغاتهم وطبائعهم إلي تأثير العوامل الوراثية والبيئة الطبيعية والاجتماعية . وفي الفلك نجد أن البيروني قاس محيط الأرض بواسطة معادلة رياضية وضعها وأكد علي كروية الأرض وبين أن الأجسام تنجذب نحو مركزها. وبين أن توالي الليل والنهار سببه دوران الأرض وليس الشمس أو النجوم والكواكب معها . وبين بدقة إختلافات المواقيت والغروب والشروق حسب مواقع البلدان فوق خريطة الدنيا وبهذا نجده قد سبق كوبرنيق ونيوتن وجالليو .وبين البيروني أن الإنسان أصله قرد وتناول نظرية التطور كما قاله دارون فيما بعد . (حذار من هذا النص، بجب أن يعاد فيه النظر، البيروني يقول هذا الكلام الغريب، إنه لأمر عجيب إن صح. والراجح أنه غير صحيح..إنه دس السم في العسل) وفي الرياضيات نجد الخوارزمي التي مازالت شهرته حتي الآن ولاسيما كمؤسس لعلوم الجبر ولاسيما وهو واضع حساب اللوغريتمات التي يقوم عليها علي الرياضيات الحديثة . وكان أول من إكتشف الصفر ووضعه ضمن الأعداد وفي الحساب .كما جعل الحساب ميسرا بأن جعله طرحا وجمعا وقسمة وضربا . فبهذا علم الناس الطرق الحسابية المبسطة .وهذا ماكتب للخوارزمي الخلود . ويعتبر عمر الخيام عالما في الفلك والرياضيات ويعتبر ثاني إثنين بعد الخوارزمي في علم الجبر فأسس علم الترجمة الرياضية المزدوجة .حيث ترجم مسائل الهندسة للغة الجير وترجم مسائل الجبر للغة الهندسة كما ترجم مسائل من الهندسة الفراغية للغة الجبر . وهي المسائل التي لايمكن رسمها بالمسطرة والفرجار كمسألة تثبيث الزوايا ومسألة الوسطين الجسابين ومسألة المسبع المنتظم .وقد إبتكر حل المعادلات من الدرجة الثانية عن طريق الأقواس المخروطية . وفي الطب نجد أن ابن النفيس قد إكتشف الدورة الدموية قبل هارفي بعدة قرون وابن زهر بالأندلس كان يمارس الجراحة والتخدير . وكان الكندي أبا الحضارة الإسلامية وفيلسوفها الأول .والدميري أول من وضع معجما للحيوانات وصنفها فيه من حيث الشكل والطباع ومرادفات أسمائها والطوسي الفلكي الشهير وابن سينا والرازي وابن رشد . وغيرهم من أساطين العلوم الإسلامية . فخلدت أعمالهم وتصدرت أبحائهم سجل التاريخ المعرفي والعلمي والحضاري للإنسانية بلا منازع . مما أكسبهم تقدير العلماء الذين خلفوهم . فصانوا لهم تراثهم من بعدهم ووعوه في عقولهم وأشادوا به وبهم وظلوا قرونا له حافظين .
[تحرير] ابن طفيل ومنظومة الكون
نظرتنا للكون قديما وحديثا نجدها في فكر عالم سلفي قد حدثنا عن نشوئه وإرتقائه وتحيزه وتقوسه وبدايته ووحدته . و هوالعالم الأندلسي أبوبكر بن طفيل الذي ولد عام 1106م/500هجرية قرب غرناطة بالأندلس.وكان من أ قطاب رموز الحكمة المغربية الأندلسية حيث كان معلما لابن رشد.ويعتبر عالما من العلماء اللواحق في عصر الحضارة الإسلامية . وكان ابن طفيل قد إشتهر بقصته الفلسفية (حي بن يقظان) التي سبق ظهورها عصر النهضة بأوروبا وعصور كوبرنيق وجاليليو ونيوتن وإينشتين وديراك وهبل وغيرهم من أقطاب الفلك الحديث. والقصة رغم دلا ئها الإيمانية التأملية في منظومة الخلق والكون من خلال فكر إنسان كان يعيش متفردا في جزيرة نائية منذ أن ألقي به في اليم وهو رضيع . فاهتدي بفطرته إلي مكنونات الخلق وعظمة الخالق من خلال عقله وبصره وسمعه . كما اهتدي ببصيرته إلي الإيمان. لهذا نجد ابن طفيل يحدثنا في سياق قصته عن ( البعد الثالث) بالكون وسماه الأقطار الثلاثة بالسماء وحددها بالطول والعرض والعمق. وكيف يعتقد أنها ممتدة إلي مالانهاية . إلا أنه أكد علي تحيز الكون قائلا: جسما لانهاية له باطل لأن الفلك (الكون) علي شكل كرة .وهذا ما أطلق عليه إينشتين فيما بعد التقوس الكوني وتحيزه حيث إعتبر الكون كتلة متقوسة ( سماها ابن طفيل كرة) في فضاء متسع يتمدد فيه وكل مايقاس فيه يتم من داخل وجودنا به ورغم هذا لانري حافته أو حدوده . والعلماء حتي الآن لايعرفون مركز تمدده .إلا أن ابن طفيل نراه يتساءل قائلا: هل السماء ممتدة إلي غير نهاية ؟.أو هي متناهية محدودة بحدود تتقطع عندها ولايمكن أن يكون وراءها شيء من الإمتداد ؟.وكانت نظرية التمدد الكوني ثورة فلكية عندما طالعنا إدوين هبل عام 1920 بها . لأنها قلبت مفهوم العلم عن الكون إلا أن ابن طفيل سبقه فيها منذ ثمانية قرون عندما أشار إليها .فلقد حدثنا عن (التمدد الكوني ) وإنتفاخ الكون قائلا: الأجسام السماوية تتحرك حول الوسط بالمكان ( الفضاء) ولو تحركت في الوضع ( المركز) علي نفسها أصبحت كروية الشكل .وحدثنا ابن طفيل فيما حدثنا به عن منظومة (وحدة الكون) قائلا: إن الفلك (الكون) بجملته وما يحتوي عليه من ضروب الأفلاك شيء واحد متصل ببعضه بعض كشخص واحد . كما حدثنا عن ( نشوء الكون) قائلا: أن العالم (الكون) لايمكن أن يخرج إلي الوجود بنفسه ولابد له من فاعل (محدث) يخرجه إليه. وكان العدم والوجود من الأمور المثارة في علم الكلام ولاسيما لدي المعتزلة بالعصر العباسي حيث كانوا يبحثون في مسألة الخلق والقدم والحداثة للكون .وفي حديثه عن التناسق الكوني نراه يقول: الكواكب والأفلاك كلها منتظمة الحركات جارية علي تسق. كما حدثنا عن المادة المضادة بمواد الكون قائلا: وأن أكثر هذه الأجسام مختلطة ومركبة من أشياء متضادة ولذلك تؤول إلي الفساد .كما جدثنا عن الجاذبية الكونية والإنتفاخ الكوني والجينات والإنكسار الضوئي والمادة المظلمة بالكون وتكوير الأرض والشمس والقمر بإستفاضة . وإذا كان إينشتين وغيره من العلماء قد ظلوا في (حيص بيص) حول تعريفهم للزمان ككل وقصروه علي زمن عمر الكون منذ الإنفجار الكبير . لكن ابن طفيل نجده يقول عنه: هل هو شيء حدث بعد إن لم يكن وخرج إلي الوجود بعد العدم ؟. أ و كان موجودا فيما سلف ولم يسبقه العدم. وأخيرا .. إذا كان الكون حادثا كما يقول ابن طفيل فلابد له من محدث . والكون في جملته شيء واحد يتصل بعضه ببعض من خلال منظومة قائمة وماثلة لنا . وهذه النظرة تجعلنا نعيد قراءة فكر علمائنا الأوائل من خلال منظور عصري لتأصيل ما كتبوه وأ قروه مما يؤصل تفوق الحضارة الإسلامية ويجعل لها السبق العلمي المتميز . فمقولة أن العالم الإسلامي يعاني حاليا من الصدام بين الحضارات إفتئات طاغ علي الفكر الإنساني كله .
[تحرير] سمات الحضارة الإسلامية