فهرس الكتاب

الصفحة 392 من 1942

تطورت العلوم بفضل علماء المسلمين ، وقد ازدهرت العلوم اليوم وبلغ الإنسان مرحلة من العلم في مختلف المجالات حتى وصل الفضاء ، بفضل من الله ووحيه ، ورغم كل ذلك يظل حظه من العلم قليلًا يقول تعالى { ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أتيتم العلم إلا قليلا } وسيفتح الله على الإنسان آفاق العلم والمعرفة حتى يرث الله الأرض ومن عليها يقول تعالى: { سنريهم آياتنا في الأفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق أولم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد ، ألا إنهم في مرية من لقاء ربهم ألا إنه بكل شيء محيط } .

ملامح للحضارة: الإسلامية

للحضارة الإسلامية ركائز ودعامات كثيرة ساهمت في بلوغها هذه المرتبة العظيمة ، من بين هذه العوامل حق الفرد في المجتمع المسلم في المساواة ، فلا طبقية في الإسلام كلهم لآدم وآدم من تراب ، ولا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى والناس سواسية كأسنان المشط - كما أعلى الإسلام من شأن الحرية .

بهذه المبادئ والمثل صنع الإسلام أمة جديدة من العرب وصب أوضاعها الاجتماعية المتردية في قالب سماوي فتحول التفكك ترابطًا ، والغلظة وسوء الخلق رقة وأدبا ، وحلت الفضيلة مكان الرذيلة ، فكانت أمة الخير .... { كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله } ، بهذه القيم ساد العرب، وبها حرروا العالم وأدخلوه في دين الله الحق وأخرجوه من ظلام الكفر وظلام الجهل .

اهتم الإسلام بالاقتصاد فحرره من الاستغلال وجعله وسيلة تآلف وتوادد وتراحم ، حرم المعاملات الربوية ، والاحتكار وفرض للفقراء نصيبًا في أموال الأغنياء وحث على الصدقة والبر وفعل الخيرات . { خذ من أموالهم صدقة تتطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم } ، { وفي أموالهم حق للسائل والمحروم } .

قوم الإسلام الأخلاق وأعطاها حيزًا كبيرًا وخصها بقدر كبير من التنظيم حين خلَّق رسول الهدى صلى الله عليه وسلم بالخلق العظيم .... { ن ، والقلم وما يسطرون ، ما أنت بنعمة ربك بمجنون ، وإن لك لأجرًا غير ممنون ، وإنك لعلى خلق عظيم} ، { ولو كنت فظًا غليظ القلب لانفضوا من حولك } . قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق ، ويقول صلى الله عليه وسلم { أحب عباد الله إلى الله أحسنهم خلقًا } .

ومما يدخل في صياغة المجتمع المسلم تربية النشء ، وتنظيم معاملات الأفراد من حق الجار ، وحق المريض ، وحق الطريق، وخروج المرأة وزيها ، وغيرها من قواعد السلوك القويم ، كل هذه القيم وغيرها كانت أساس الحضارة الإسلامية الرائدة .

الصناعات والفنون:

ازدهر الفن الإسلامي كأثر من آثار الحضارة الإسلامية وقد ظهرت عدة صناعات أخذت حظها من الشهرة لروعتها ، وكان الخزف الإسلامي من تلك الفنون التي كانت أساسًا للصناعات الغربية في هذا المجال كما برزت صناعة الزجاج في العصر الفاطمي وتقدمت تقدمًا كبيرًا ، ولا زالت بعض الصناعات موجودة حتى الآن في أوروبا .

ظهرت أيضًا صناعة الحديد وقد أبدع المسلمون في زخرفته ، هذا بالإضافة إلى صناعة النسيج الذي غطت شهرته أوربا في العصور الوسطى حتى أصبحت للمنسوجات أسماء شرقية وأخذت بعضها إسم المدينة التي صنعت فيها ، كما ظهر إبداع المسلمين في صناعة السجاد وقد تعلمه الغرب من المسلمين .

امتدت رقعة الدولة الإسلامية إثر الفتوحات الإسلامية في عهد الخلفاء الراشدين ، فقد دخل المسلمون الشام والعراق وبلاد الأندلس وامتد نفوذ الدولة الإسلامية إلى السند وسمرقند وبخارى وشمال أفريقيا وكان لهذا الفتح أثره فقد تلاحقت الحضارة الإسلامية مع بعض الحضارات التي كانت قائمة ، وبرز أثر ذلك في مجال الفن المعماري .

أزدهر الفن الإسلامي وغدا له طابعًا مميزًا ولا يقتصر الفن على المعمار فقط بل يعتبر الخط العربي فنًا رفيعًا ، وقد تنوعت أشكاله وطرق رسمه فمنه الكوفي ، والنسخ ، والرقعة والثلث ، والمغربي ... وتجلى هذا الفن الإسلامي الرفيع في كتابة المصاحف وزان المساجد .

نأى الفن الإسلامي عن التجسيم لحرمته ولهذا اتجه إلى الإبداع في الزخرفة مستفيدًا من أشكال الحروف العربية ، وعمد الأشكال الهندسية فخرج للعالم بفن حمل مقومات البقاء واستحق الإعجاب واكتسب شهرة عالمية بروعته وسحره .

العمارة الإسلامية والمسجد:

برزت العمارة الإسلامية باعتبارها فنًا متميزًا له طابعه الذي يعبر عن خصوصيته ، وهو يبعث في النفس هدوءًا وسكينة فترتاح العين لرؤيته ويأخذ النفس بعيدًا لتسبح في الأجواء الروحية لارتباطه بالعقيدة الإسلامية السمحة .

ويعتبر المسجد محور العمارة الإسلامية وتشهد بذلك معظم المساجد، ومن أروع النماذج قبة الصخرة في بيت المقدس التي ظلت وستظل مصدر إعجاب ورمزًا لروعة الفن المعماري الإسلامي.

مما سبق نجد أن الحضارة الإسلامية هي حضارة روحية مادية متوازية مصدرها إلهي تمثل في القرآن الكريم والسنة النبوية الطاهرة ، وحضارة هذا شأنها كان لا بد وأن تترعرع في كنف المسجد الذي يعتبر مصدر إشعاع علمي ومدرسة أخلاقية تربوية ومكان عبادة .

أدى المسجد دورًا مهمًا في حياة المسلمين وهو الذي بعث هذه الأمة وانتشلها من وهدة التخلف والجهل لم يكن للدولة الإسلامية برلمان إلا المسجد فيه تؤدى الصلاة وفيه تدرس العلوم وفي تربى النفوس وتهذب وفيه يقضى بين الناس في حوائجهم وفيه تنظر مظالمهم ، وفيه تتم البيعة للخلفاء وحكام المسلمين ، وفيه تتخذ كل القرارات الخطيرة ، ولهذا فالحضارة الإسلامية هي حضارة المسجد ، ومن هنا نجد أن المسلمين يسارعون في بناء المساجد وإعمارها ، يتسابقون في تزيينها والاهتمام بها لارتباطها بحياة المسلم .

في إطار الاهتمام بتلك الأماكن المقدسة لجأت بعض الدول إلى توثيقها وأصدرت المؤلفات التي توضح أعدادها ، وتبرز الفن الرائع لزخارفها ، ذلك لأن المسجد رمز لحضارة المسلم القائمة على المعتقد المبنية على التوحيد .

لقد كان الإسلام ثورة على المفاهيم والمعتقدات الفاسدة ، حربًا على الهبوط الأخلاقي والاجتماعي تنظيمًا للحياة الاقتصادية وتحريرًا لها من الاستغلال وتطهيرًا من الجشع والطمع ، ضبطًا لشهوات ونزوات الأفراد فكان حضارة رفعت من قدر الإنسان وأعلت من شأن القيم الفاضلة ، كانت شعاعًا في عصور الظلمة والإقطاع ، ونورًا أضاء ظلمات الجهل والضلالة ، وأبعدت الغلو ونبذته ونهت عنه ودعت إلى الوسطية كسلوك ومنهج حياة .

انبثق ذلك النور الإلهي في القرن السابع الميلادي فصان الحقوق ونهى عن الظلم وعن أخذ الناس بالشبهات وساوى بين الطبقات وأمر بالعدل في كل تصرف حتى بين الزوج وزوجه والولد وأبيه - فمتى كانت أول وثيقة عالمية لحقوق الإنسان ، كانت في ديسمبر سنة 1948م ، فمن أسبق حضارة ؟

هذه هي حضارتنا ..

{ وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا} .

بقلم الطالب / إسماعيل الخضراوي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت