فهرس الكتاب

الصفحة 394 من 1942

وفي خلافة هارون الرشيد (170 هـ/ 786،ـ 193هـ / 808 م) أسس في بغداد في بيت الحكمة"لأعمال النقل والترجمة، الذي ازدهر في عهد ولده عبد الله المأمون (198 هـ/813 م- 218 هـ/833 م) ، فترجمت فيه أمهات الكتب اليونانية القديمة، وأقيمت فيه المراصد، ورسمت فيه الرسوم (الخرائط) الجغرافية على أحدث ما توصل إليه العلم في الأرصاد وأعمال المساحة. كما تخرج منه مشاهير العلماء أمثال"محمد بن موسى الخوارزمي (ت 232 هـ846 م) "الذي عهد إليه المأمون بوضع كتاب في علم الجبر، فوضع كتابه"المختصر في حساب الجبر والمقابلة"، وهذا الكتاب هو الذي أدى إلى وضع لفظ الجبر وإعطائه مدلوله الحالي. قال ابن خلدون:"علم الجبر والمقابلة (أي المعادلة) من فروع علوم العدد، وهو صناعة يستخرج بها العدد المجهول من العدد المعلوم إذا كان بينهما صلة تقتضي ذلك فيقابل بعضها بعضًا، ويجبر ما فيها من الكسر حتى يصير صحيحًا". فالجبر إذن، علم عربي سماه العرب بلفظ من لغتهم، والخوارزمي هو الذي خلع عليه هذا الاسم الذي انتقل إلى اللغات الأوروبية بلفظه العربي ALGEBRAولقد ترجم كتاب الخوارزمي إلى اللغة اللاتينية في سنة 1135 م بواسطة مستعرب إنجليزي اسمه"رو برت أوف تشستر"ROBERT OF CHESTER"درس وعاش في أسبانيا حيث كان أسقف بامبلونه ، ومن هناك انتقلت ترجمته إلى أوربا حيث ظلت تدرس في جامعاتها حتى القرن السادس عشر الميلادي. كما انتقلت الأرقام العربية إلى أوربا عن طريق مؤلفات"الخوارزمي". ومن الملاحظ أن اسم"الخوارزمي"استعمل في اللغة اللاتينية على شكل"الجور تمي"ALGORISMO ثم حور في قالب"الجورزمو"ALGORISMO"للدلالة على نظام الأعداد وعلم الحساب والجبر وطريقة حل المسائل الحسابية ."

هذا، وتظهر عبقرية"الخوارزمي"في"الزيج"أو الجدول الفلكي الذي صنعه وأطلق عليه اسم"السند هند الصغير،،وقد جامع فيه بين مذهب الهند، ومذهب الفرس، ومذهب بطليموس (اليونان) ، فاستحسن أهل زمانه ذلك وانتفعوا به مدة طويلة فذاعت شهرته وصار لهذا الزيج أثر كبير في الشرق والغرب."

وللخوارزمي مأثرة أخرى، وهي أنه رسم أ للمأمون خريطة كبيرة للعالم المعمور على أيامه، كما وضع كتابًا جغرافيًا بعنوان"صورة الأرض"اعتمد فيه على كتاب المجسطي لبطليموس مع إضافات وشروح وتعليقات. وقد نشر هذا الكتاب وترجم إلى الألمانية سنة 1926 م.

وفي مجال الطب والعناية بالمرضى أنشأ العباسيون عددًا كبيرًا من البيمارستانات (المستشفيات) ، ومخازن الأدوية، واستأثرت العاصمة بغداد بالعديد منها، فنسمع عن البيمارستان الذي أنشأه الرشيد في الجانب الغربي من بغداد على يد الطبيب"جبرائيل بن بختيشوع"، والبيمارستان الصاعدي أيام المعتضد في الجانب، الشرقي من بغداد، والبيمارستان المقتدري الذي بناه المقتدر سنة 306 هـ 918م، وبيمارستان السيدة الذي أنشأته أمه في الأعظمية، وبيمارستان ابن الفرات الذي أنشأه وزيره أبو الحسن علي بن الفرات، والبيمارستان العضدي... الخ. وكانت هذه محاولة لإيجاد أماكن تعالج فيها المرضى ويخضعون للملاحظة والتسجيل، وهي أساس المستشفيات الحديثة.

وقد توصل الأطباء المسلمون إلى أراء جديدة في الطب تخالف أراء القدماء في معالجة كثير من الأمراض، واستخدموا في مستشفياتهم الكاويات في الجراحة، ووصفوا صب الماء البارد لقطع النزف أو معالجة الحميات، وعالجوا الأورام الأنفية وخياطة الجروح، وقطع اللوزتين، وشق أوراق الحلق، وقطع الأثداء السرطانية، وإخراج الحصاة من المثانة، وجراحة الفتق وجراحة العيون، وإخراج الجنين بالآلة، وإخراج العظام المكسورة، واستخدام المرقد (البنج) (ويدخل في تركيبه الأفيون والحشيش وست الحسن) كما فرقوا بين الحصبة والجدري... الخ.

وكانت الدولة تراقب الممارسات الطبية والأطباء، فكانوا يمتحنون الأطباء والصيادلة فقد امتحن الصيادلة زمن المأمون والمعتصم، وأمر الخليفة المقتدر الطبيب الكبير سنان بن ثابت بن قرة سنة 316 هـ بمنع سائر المتطببين من التصرف وممارسة مهنتهم إلا بعد إجراء امتحان لهم، فامتحن يومئذ أكثر من ثمانمائة طبيب. وكان كل من يقوم بممارسة مهنة الطب، يؤخذ عليه قسم الطبيب المسلم والذي كان يعتمد على المحافظة على سر المريض وعلاجه دون تمييز وأن يحفظ كرامة المهنة وأسرارها.

وكان المحتسب هو الذي يأخذ عليه هذا القسم، لأن من عمله مراقبة هذه المهنة ونصه"برئت من قابض أنفس الحكماء، ورافع أوج السماء، فاطر الحركات العلوية، إن خبأت نصحا وبدأت ضرا، أو قدمت ما يقل عمله. إذا ما عرفت ما يعظم نفعه، وعليك بحسن الخلق بحيث تسمع الناس واستفرغ لمن ألقى، إليك زمامه ما في وسعك فإن ضيعته، فأنت الضائع والله الشاهد على وعليك والسامع لما تقول، فمن نكث عهده فقد استهدف لقضائه، إلا أن يخرج من أرضه وسمائه".

ومن مشاهير الأطباء الذين برزوا في العصر العباسي الأول نذكر الطبيب"جورجيوس (جرجس) ابن بختيشوع"الذي استدعاه الخليفة المنصور من"جنديسابور" (شرقي البصرة) لعلاج معدته التي كان يشكو منها. وبعد معالجة قصيرة شفي على يديه، فجعله طبيبه الخاص فكان ذلك أول صلة بين بلاط بغداد وبين أسرة"بختيشوع"التي لعبت بعد ذلك دورًا هامًا في البلاط العباسي وفي الحضارة الإسلامية.

وفي أيام المعتصم وولديه الواثق والمتوكل، برز الطبيب"يحيى بن ماسويه (ت 243 هـ) "الذي تنسب إليه مؤلفات طبية عديدة من أهمها:"كتاب دغل العين) أي ما يضر العين ويؤذيها، وهو أول كتاب عربي في علم الرمد. كذلك يؤثر عن هذا الطبيب أنه كان يدرس التشريح عن طريق تقطيع أجسام القردة، وكان الخليفة المعتصم يعتمد على مشورته، ولهذا كان يحتفظ ببنية قوية. ويعرف"ابن ماسويه"في الغرب باسم"ماسو الكبير"MESUE MAIOR . كذلك نذكر الطبيب اللامع"حنين بن إسحاق (ت 260 هـ ) الذي عرف عند علماء الغرب باسم يوهانيتس YOHANTUS درس"حنين"الطب على أستاذه"يحيى بن ماسويه"ثم واصل دراسته في بلاد الروم والإسكندرية وفارس، والف كتبًا كثيرة أهمها كتاب في الرمد باسم"العشر مقالات في العين"، وكتاب"السموم والترياق"، وكتاب في أوجاع المعدة، وكتاب في الحميات، وكتاب في الفم والأسنان. وهذا الكتاب الأخير أعجب به الخليفة الواثق لأنه يصف الفم والأسنان وصفًا دقيقًا. وقد نقل المسعودى في كتابه"مروج الذهب (ج 4 ص 80- 81) "قسمًا منه، ذكر فيه أن عدد الأسنان في الفم اثنتان وثلاثون سنًا، منها في اللحى (الفك) الأعلى"ستة عشر سنًا، وفي اللحى الأسفل كذلك."

وهكذا ازدهرت العلوم العقلية والتجريبية الإسلامية نتيجة لهذه الاستراتيجية العباسية التي قدمت كل تشجيع .

لحركة النقل والترجمة، مما أدى إلى ذيوع الكتب العلمية المنقولة إلى العربية، ومن ثم صارت اللغة العربية لغة علمية بعد أن كانت لغة شعر وأدب فقط.

ومما يجب ملاحظته بهذا الصدد ما تميز به علماء الإسلام من الجمع بين العلوم الفقهية والعلوم الطبيعية، فالكندي مثلًا ت 260 هـ/873 م جمع بين الفلسفة والمنطق والحساب والفلك والهندسة والسياسة والطب والفقه وأصول العقيدة، وابن سينا ت 428 هـ 1036 م جمع بين الطب والفلسفة والرياضيات والعلوم الطبيعية والموسيقى والفلك والحدود والشعر واثبات التنبؤات والقدر، ومثلهما الفارابي والرازي وعمر الخيام وابن النفيس وعبد اللطيف البغدادي وابن رشد وابن الطفيل والسمعاني وغيرهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت