فهرس الكتاب

الصفحة 396 من 1942

وفي السنة التي توفى فيها الإمام أبو حنيفة (150 هـ) ، ولد الإمام"محمد بن إدريس الشافعي"في غزة، وعاش في الحجاز حيث حفظ موطأ الإمام مالك بن أنس"بالمدينة المنورة وقرأه عليه وهو صبي في العاشرة من عمره، ثم رحل إلى العراق حيث تعلم في بغداد فقه"أبي حنيفة"قبل رحيله واستقراره قي مصر. ومن ثم جاء مذهبه وسطًا بين مذهب"أبي حنيفة"المتوسع في الرأي، ومذهب"مالك بن أنس"المعتمد على الحديث. وتوفي"الشافعي"قي الفسطاط سنة (204 هـ) ومقامه معروف هناك، ومن أشهر مؤلفاته"كتاب الأم"في الفقه، و"رسالة في أصول الفقه"، تعتبر الأولى من نوعها، إذ وضع فيها لأول مرة قواعد الاستنباط في الأحكام الشرعية وهو ما يسمى بأصول الفقه."

وجاء بعده تلميذه الإمام"أحمد بن حنبل الشيباني"، الذي ولد وعاش ومات في بغداد (164- 241 هـ) وكان يرى أن يقوم الفقه على النص من الكتاب أو الحديث، وأنكر على أستاذه"الشافعي"أخذه بالرأي، واعتبر الحديث أفضل من الرأي، فعاد بذلك إلى رأي الإمام مالك. ومن أشهر كتبه"المسند"الذي يعتبر موسوعة لأحاديث الرسول (r ) .

وأخيرًا يعتبر الشيعة"الإمامة"ضرورية ومن أساس الدين، والإمام عندهم هو الذي يسير بالأمة إلى الهدف الأعلى ويدفعها إلى السير في الطريق المستقيم، والفقه من اختصاص الإمام وحده فهو المجتهد المطلق، ومن كتبهم كتاب الكافي للكليبي ت 328 هـ/939 م والنهاية في الفقه لمحمد بن الحسن الطوسي ت 460 هـ/1067 م.

وهكذا نرى أن بغداد عرفت من الفقهاء الذين أقاموا أو درسوا فيها، عدة اتجاهات فقهية، فهناك المتمسك بالرأي، كأبي حنيفة"، وهناك المتمسك بالنصوص"كابن حنبل"، وهناك من لاءم بينهما واتخذ مذهبًا وسطًا"كالشافعي. والواقع أن كل المذاهب الفقهية الإسلامية تتفق معًا في العمل بكتاب الله وسنة رسوله وأقوال الصحابة والتابعين، ولكنها تختلف في فهم واستنباط الأحكام الشرعية وتطبيقها.

أما دراسات العلوم اللغوية والنحوية، فقد شهدت العراق فيها ثورة واسعة ضخمة على أيدي علماء البصرة والكوفة الذين حققوا إنجازات وابتكارات علمية في هذا المجال للحفاظ على كلام العرب وتقويم اللسان العربي، بعد أن فشا اللحن في كلام المسلمين، نتيجة لاختلاطهم بالأعاجم في البلاد المفتوحة. لهذا قام هؤلاء العلماء بجمع وتدوين ألفاظ اللغة العربية وأشعارها من منابعها الصافية في نجد بقلب الجزيرة العربية. كذلك وضعوا قواعد نحوية للغة العربية، وابتكروا النقط والشكل على الحروف لمعرفة نطق الكلمات نطقًا سليمًا، ولا سيما القرآن الكريم، حتى لا يتعرض للتحريف. هذا إلى جانب تصنيف المعاجم اللغوية، ووضع علم العروض لمعرفة أوزان الشعر وأحكامه وبحوره. ومن أشهر الرواد الذين حققوا هذه الابتكارات العلمية مع بداية العصر العباسي العالم البصري العربي، الخليل بن أحمد الفراهيدي

(ت 175 هـ/ا 79 م) "، وتلميذه وشيخ البصريين بعده العالم الفارسي"أبو بشر عمرو بن عثمان الملقب بسييويه

(ت 177 هـ/793 م) ". ولم تلبث العاصمة بغداد أن شاركت في هذه النهضة العلمية، حيث انتقل إليها عدد من علماء الكوفة والبصرة أمثال"أبي حنيفة"و"، المفضل الضبي"و"الكسائي"الفراء"، و"ابن السكيت"، بحيث صارت بغداد مسرحًا لمناظرات علمية حامية الوطيس بين أشهر علماء العصر.

أما الأدب، فقد تطور هو الآخر في العصر العباسي تطورًا كبيرًا، ونهج الشعراء فيه مناهج جديدة في المعاني والموضوعات والأساليب والأخيلة، وغير ذلك من فنون الشعر المختلفة التي تناسب ما انتشر في العصر العباسي من حضارة وترف ولا سيما في رصافة بغداد أو بغداد الشرقية. ومن أشهر هؤلاء الشعراء،، أبو نواس"الذي ذاعت قصائده في الخمر والغزل والصيد.. الخ، و"أبو تمام الطائي"المشهور بنزعته العقلية والفلسفية في الشعر، وتلميذه"أبو عبادة البحتري"صاحب المدائح الخالدة، و"ابن الرومي"المعروف بطول نفسه وغزارة شعره، و"أبو العتاهية"الذي اشتهر بالحكمة والغزل الرقيق، والمتنبي، الذي اشتهر بالفخر ، وأبو العلاء المعري، شاعر الحكمة، وغيرهم كثيرون. ويكفي أن نشير إلى ما قاله الخليفة الشاعر،"عبد الله بن المعتز (ت 296 هـ) "في كتابه"طبقات الشعراء"من أن عدد شعراء الدولة العباسية في أواخر القرن الثالث الهجري فقط بلغ أكثر من مائة وثلاثين شاعرًا. هذا إلى جانب الشاعرات والأديبات من النساء اللائى لعبن دورًا هامًا في الحياة الأدبية وفي الأحداث المهمة في المجتمع الإسلامي مثل"رابعة بنت إسماعيل العدوية"التي سلكت طريق الزهد والتصوف والأميرة، علية بنت المهدي"التي وصفها"الحصري"بأنها"تعدل الكثير من أفاضل الرجال في فضل العقل وحسن المقال، ولها شعر رائق وغناء رائع". ومثل الأميرة"العباسة بنت المهدي"التي لعب الخيال دورًا كبيرًا في القصص التي أحاطت بها، إذ تروى لها أشعار تدل على ذكاء وحسن تأت للموضوع الذي تقصد إليه. ومثل"عابدة الجهنية"التي قال"السيوطي"عنها أنها"أديبة شاعرة فصيحة فاضلة كاتبة".

هذا، ويروي"ابن الفوطي"أن الخليفة العباسي"الناصر لدين الله (ت 622 هـ) كانت لديه جارية تركية تسمى"شجرة الدر"، مقربة إليه، وكانت تكتب خطًا جيدًا ، وتقرأ له المطالعات الواردة عليه لما تغير نظره، ويملي عليها الأجوبة. وتوفيت سنة 634 هـ 1236 م) ودفنت في تربة الخلاطية ببغداد."

ومن الطريف أن هذه الأديبة العراقية"شجرة الدر"، عاصرت ملكتين مسلمتين في العالم الإسلامي: أولاهما، الملكة ، رضية الدين " سلطانة دلهي بالهند الإسلامية، وهي تعتبر أول ملكة مسلمة جلست على عرش مملكة إسلامية (634- 638 هـ -1236- 0 124 م) . والملكة الثانية هي سميتها في الإسم، سلطانة مصر المعروفة"شجرة الدر"، صاحبة الفضل الأول في إخفاق الحملة الصليبية السابعة التي قادها ملك فرنسا لويس ، التاسع عن مصر سنة 647 هـ (1249 م) ."

وإذا انتقلنا إلى عالم الفنون والعمارة، نجد أن، العباسيين لم يكونوا أقل اهتماما من الأمويين في مجال التشييد والتعمير، ففي العمارة بنى (أبو جعفر المنصور"على نهر دجلة عاصمته"بغداد(145- 149 هـ) على شكل دائري، وهو اتجاه جديد في بناء المدن الإسلامية، لأن معظم المدن الإسلامية، كانت إما مستطيلة كالفسطاط، أو مربعة كالقاهرة، أو بيضاوية كصنعاء. ولعل السبب في ذلك يرجع إلى أن هذه المدن نشأت بجوار مرتفعات حالت دون استدارتها، ولعل الخليفة"المنصور"تأثر بهندسة بعض العواصم القديمة مثل مدينة الحضر جنوب غرب الموصل ومثل مدينة همذان مثلًا. المهم هنا أن خطة المدينة المدورة بغداد، تعتبر ظاهرة جديدة في الفن المعماري الإسلامي. هذا إلى جانب المدن الأخرى التي شيدها العباسيون مثل مدينة سامراء وما حوته من مساجد وقصور خلافية فخمة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت