وكانت أهم المراكز الفنية المعمارية في بلاد المغرب أشبيلية، وغرناطة، ومراكش، وفاس، وقد تركت لنا الحضارة الإسلامية في بلاد المغرب عدة آثار معمارية
رائعة، نكتفي منها ببعض الأمثلة من بلاد الأندلس وهي:
المسجد الكبير بقرطبة: وقد بناه عبد الرحمن الداخل في قرطبة وقت استقراره،
ثم أدخلت عليه بعد ذلك تعديلات كثيرة، وتضم المساحة الكلية للبناء -بما في ذلك الجدران- شكلًا يكاد يكون رباعيًّا، وينقسم إلى قطاعين من الشمال إلى الجنوب يتساويان فيما بينهما تقريبًا، ويبلغ ارتفاع المسجد تسعة أمتار، يرتكز على أعمدة رفيعة، تحمل أخرى أقل منها حجمًا، يربط بينها عقود متداخلة يعلو بعضها
بعضًا.
وقد بنى الولاة في الأندلس مساجد أخرى كثيرة، غير أنها تهدمت، وتحول بعضها إلى كنائس بعد زوال الحكم الإسلامي من الأندلس، حتى مسجد قرطبة بُنِي في داخله هيكل كنسي، وترك لنا الأندلسيون عدة آثار أخرى كثيرة منها:
مدينة الزهراء: وقد بناها عبدالرحمن الناصر سنة (325 هـ) ، وقد جلب لبنائها الرخام من إفريقية وروما والقسطنطينية، وبنى في قصر المؤنس بها حوضًا من الرخام زينه بنقوش مذهبة بها صور آدمية، وجعل عليه تماثيل من الذهب المرصَّع بالدر، وهذا تطور جديد حيث استعملت الصور والتماثيل التي حرَّمها الإسلام.
وجعل سقف قصر الخلافة وجدرانه من الرخام ذي الألوان الصافية، وأنشأ وسطه صهريجًا عظيمًا مملوءًا بالزئبق، وكان للقصر من كل جانب من جوانبه ثمانية أبواب، وكانت الشمس تدخل تلك الأبواب فيضرب شعاعها جدران القصر، فيصير من ذلك نور يأخذ بالأبصار، وكان في هذه المدينة محلات للوحش، ومسارح للطير، ودور لصناعة آلات الحرب، والحلي وغيرها من الصناعات، وكان بها مسجد صغير مزخرف بالرخام والذهب والفضة.
قصر الحمراء: بناه حكام بني الأحمر في غرناطة بعد زوال سلطان الموحدين من الأندلس، ويعد هذا القصر أعظم الآثار الإسلامية في روعة البناء والزخرفة والهندسة، فقد وضع فيه المهندسون خلاصة فنَّهم وجعلوه قصرًا خياليًّا، تبهر زخارفه وعقوده الأبصار، وتنطق الطبيعة بما حوله من خضرة وماء بأروع صور الجمال والبهاء.
وكان هذا الإسراف المادي في البناء والزخرفة على حساب التقدم الروحي للمسلمين في تلك البلاد؛ مما جعل الناس يركنون للراحة والكسل، مما أطمع أعداءهم، وألان شوكتهم، وأزال دولتهم، وخسرت البشرية خيرًا كثيرًا بزوال خلافة المسلمين في تلك البقاع.
عصر الفاطميين:
لقد تميز فن العمارة الفاطمي بسمات خاصة وطابع جديد، وقد ترك لنا الفاطميون عددًا من الآثار المعمارية الرائعة نذكر لك أمثلة منها:
مدينة القاهرة: بعد استيلاء جوهر الصقلي على الفسطاط عام (358 هـ) ، وضع تخطيطًا لمدينة القاهرة، وكان تخطيطها على شكل مربع تقريبًا، يواجه أضلاعه الجهات الأربع الأصلية، ويتجه الجانب الشرقي نحو المقطم، والغربي يسير بمحاذاة النيل، والبحري نحو الفضاء الواقع في الشمال، والقبلي يواجه الفسطاط، وطول كل ضلع من أضلاع المدينة ألف ومائتا متر، ومساحة المدينة ثلاثمائة وأربعون فدانًا، وكان هذا السور مبنيًّا من الطوب اللبن، ويتوسط المدينة قصران هما: القصر الكبير الشرقي، والقصر الصغير الغربي، وبينهما ميدان لاستعراض الجند، وأصبحت القاهرة عاصمة للخلافة الفاطمية التي امتدت من المغرب إلى الشام، وكان بسور القاهرة عدة أبواب لم يَبْقَ منها الآن سوى بابي النصر والفتوح في الشمال، وباب زويلة في الجنوب، وهي تمثل العمارة الحربية في العصر الفاطمي.
الجامع الأزهر: ومساحة المسجد الأزهر الأول الذي بناه القائد الفاطمي جوهر الصقلي بأمر الخليفة الفاطمي المعز لدين الله تقترب من نصف مساحته الحالية، ولقد أضيفت إليه زيادات كثيرة في أزمنة مختلفة حتى وصل إلى تصميمه الحالي، ويتوسطه صحن مكشوف تحيط به أربعة أروقة أكبرها رواق القبلة، وليس بالجامع مئذنة ترجع إلى العصر الفاطمي، فالمآذن الحالية تنسب للسلطان قايتباي والسلطان الغوري، وللأمير عبدالرحمن كتخدا العثماني أحد أمراء القرن الثامن عشر الميلادي.
قصور الفاطميين: وقد شيد الفاطميون عددًا من القصور أهمها: القصر الذي بناه جوهر الصقلي بالقاهرة للخليفة المعز، وكان في الفضاء الذي يقع فيه الآن
خان الخليلي ومسجد الحسين، وقد أطلق عليه القصر الشرقي الكبير، كما أطلق عليه القصر المعزِّي، ويقال إنه كان به أربعة آلاف حجرة، وبه عدة أبواب، وكان في غرب هذا القصر، قصر آخر أصغر منه، هو القصر الغربي الذي بناه العزيز بالله، وموقعه مكان سوق النحاسين، وقبة الملك المنصور وما جاورها، وهكذا غلب طابع الإسراف على فن العمارة في عهد الفاطميين، وأسرفوا في النفقات على مبانيهم الخاصة بهم.
عصر الأيوبيين:
كان عصر الأيوبيين بداية ظهور خط النسخ على العمائر وغيرها من التحف، واستعمل الخط الكوفي في كتابة الآيات القرآنية وغيرها. ومن مميزات فن العمارة الأيوبي تطور بناء المآذن كما ظهر بناء الخوانق، وهي دور كانت تبنى لإقامة الصوفية، كما كثر إنشاء المدارس، وأهم هذه المدارس:
المدرسة الناصرية: وكان إنشاؤها بجوار جامع عمرو، فحين أصبح صلاح الدين سلطانًا بنى المدرسة الصلاحية عام (572 هـ) بجوار قبر الإمام الشافعي.
مدرسة وضريح السلطان نجم الدين أيوب: وتتكون من جزأين رئيسين يفصلهما ممر، وتعلو مدخله مئذنة، وملحق بالمدرسة ضريح، وتعلوه قبة من الطوب وحوائط الضريح من الحجر، وهنا تطور جديد وهو وجود الأضرحة والاهتمام بها، وهذا أمر مخالف لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم:، وكان أول من أدخل هذه الأضرحة السلاجقة.
عصر المماليك:
ينقسم عصر دولة المماليك إلى عصرين، دولة المماليك البحرية، ودولة المماليك الجراكسة، ومن أهم العمائر الإسلامية في عهد المماليك البحرية: جامع الظاهر بيبرس، ومدرسة وضريح ومستشفى السلطان قلاوون ومسجد المارداني، ومدرسة ومسجد السلطان حسن.
وهذان مثالان لهذه العمارة:
مسجد الناصر قلاوون بالقلعة: وهذا المسجد مربع الشكل، ويتكون من صحن محاط بأربعة أروقة ورواق القبلة، يتكون من أربعة بلاطات، والأروقة الأخرى يتكون كل منها من بلاطتين فقط، أما القبة التي تعلو المحراب فتشغل ثلاث بلاطات مربعة، والواجهة بسيطة يعلوها صف من النوافذ ذات العقود المدببة، وللمسجد مدخلان بارزان عن الواجهة.
مدرسة ومسجد السلطان حسن: ويقع هذا الأثر الرائع بميدان قلعة صلاح الدين، وقد أنشأه السلطان حسن بن محمد بن قلاوون، وهو من أجمل الآثار الإسلامية، فمبانيه تجمع بين قوة البناء وعظمته، ودقة الزخارف وجمالها، والملاحظ في منطقة قلعة صلاح الدين التي يقع فيها هذا الأثر، عند النظر إليها من لوحة مصورة، كثرة المساجد الأثرية القديمة في هذه المنطقة.
أما دولة المماليك الجراكسة، فقد تركت لنا عدة آثار رائعة منها:
مدرسة وضريح السلطان قايتباي بالقرافة الشرقية: ألحق سلاطين المماليك بالمساجد والخوانق الشرقية مدافن لهم، ومن الآثار المعمارية التي أنشئت في هذه المنطقة مجموعة السلطان قايتباي، والتي تعد من أبدع وأجمل المجموعات المعمارية في مصر الإسلامية، ويرجع جماله إلى تنسيقها، فهي تتكون من مسجد ومدرسة وسبيل وكتاب وضريح ومئذنة، وقد أدَّت دقة الصناعة دورًا هامًّا في إبراز جمال هذا الأثر المعماري القيم.