فهرس الكتاب

الصفحة 402 من 1942

راودتني فكرة هذا المقال منذ عشرين عامًا، فكرت فيها طويلًا، وقرأت عنها كثيرًا إلى أن بلورتها وأوجزتها في عنوان هذا المقال.

كنت أعرض فكرتي وأوضحها للناس فيعجبون بها ويؤيدونها ولكنهم لم يحفزونني بالقدر الذي يدفعني للكتابة عنها في مقال مستقل رغم أنني بثثتها في العديد من مقالاتي وبرامجي التي أعدها، إلى أن دعيت إلى لقاء للاستماع إلى المؤرخ الكبير الأستاذ محمد حرب حفظه الله ، مترجم مذكرات السلطات عبد الحميد الثاني رحمه الله، تلك المذكرات التي كانت المحرك الأول لفكرتي والدافع لي لتعرف تاريخ الدولة العلية العثمانية، فقد تعلمت من هذه المذكرات عظمة السلطان العظيم عبد الحميد الثاني رحمه الله، ومن ثم تعرفت تاريخ الدولة العلية العثمانية، وجمعت عنها مئات الكتب، وكتبت عنها عشرات المقالات ولم أترك مناسبة إلا وتكلمت فيها عن الدولة العثمانية والخلافة الإسلامية، ولهذا السبب دعيت الليلة 14/6/2004م للقاء المؤرخ الحبيب الذي أحببته دون أن أراه، وتعلمت منه دون أن أجلس إليه، راودتني فكرة المقال بقوة وعندما عرضتها على الدكتور محمد حرب حفظه الله قال: هذه فكرة متميزة، وهذا الذي جعلني اكتب هذا المقال وأنا مطمئن تمامًا لصحة فكرتي وجدواها .

تبدأ قصة هذا المقال بالدولة النبوية الإسلامية الأولى في المدينة المنورة التي أسسها المصطفى صلى الله عليه وسلم ومعه الصحابة رضي الله عنهم بوحي من الله، وبالعمل المخلص الجاد من الصحابة، فكانت تلك الدولة هي الجزيء الوراثي العجيب الذي يحمل في خارطته الوراثية كل خصائص الحضارة الإسلامية القوية موثقة بالوحي وجهود المؤمنين على خيطي الجزيء الوراثي الإسلامي ، القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة ، بدأت تلك الدولة ضعيفة مهاجرة من مكة إلى المدينة، وبلغت ذروتها وكملت وحصلت على الوسام الإلهي المعجز { الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا } [المائدة: 3] . وتوفي النبي صلى الله عليه وسلم ، وبدأ المرتدون يهدمون في الدولة الإسلامية، فقام الصحابة رضوان الله عليهم بحمايتها من أعدائها بقتال الصديق للمرتدين ، وبلغ التطبيق العملي ذروته في عهد الفاروق، وبدأت الخلافات في عهد ذي النورين ، ثم وصلت الدولة الراشدة إلى الفتنة الكبرى في عهد أبي الحسن رضي الله عنهم أجمعين، وبدأ الأعداء يتربصون للقضاء على الدولة الإسلامية والحضارة الإسلامية .

وهنا تلقف الأمويون ( 40 - 132 هـ 661 - 750 م ) الحضارة الإسلامية وأنشئوا الدولة الأموية التي ظلت تقوى إلى بلغت قمتها في عهد عمر بن عبد العزيز ( 718 - 720 م ) ثم بدأ الضعف يدب في الدولة إلى أن انهارت الدولة الأموية في عهد مروان بن محمد بن مروان بن الحكم ( 744 - 750م ) .

وهنا تلقف العباسيون في بغداد ( 750م - 1258م ) الدولة الإسلامية والحضارة الإسلامية ثم قويت الدولة إلى بلغت ذروتها في عهد هارون الرشيد ( 786 - 809م ) . والمأمون بن هارون الرشيد ( 813 - 833م ) ثم ضعفت ووصلت إلى عهد المستعصم بالله في بغداد ( 1242 - 1258م ) ، والمتوكل على الله في مصر ( 1515 - 1516م ) .

وهنا تلقف المماليك البحرية ( 1250 - 1279 ) ، والمماليك البرجية ( 1279 - 1381م ) ، والمماليك الشراكسة ( 1382 - 1517م ) ، تلقفوا ، الحضارة الإسلامية ليعيدوها من طور الضعف إلى طور القوة والذروة ثم بدأ الضعف يدب في الدولة رويدًا رويدًا إلى أن ضعفت كما سبق .

وهنا تلقفت الدولة العلية العثمانية ( 1299 - 1924م ) الحضارة الإسلامية والدولة الإسلامية من حالة الضعف لتصل إلى أوج قوتها في عهد سليمان القانوني ( 1520 - 1566م ) وبدأ الضعف يدب في الدولة العثمانية رويدا رويدا إلى أن ضعفت كما ضعفت الدولة الأموية والدولة العباسية ودولة المماليك.

وهنا تطلعت الحضارة الإسلامية إلى من تعودت منهم إنقاذها بضعف الدولة التي تحميها وتحمل رسالتها ، فنادها المسلمون العرب لكي يقيموا دولة الخلافة الإسلامية العربية ، وجاءت الحضارة الإسلامية كعادتها إلى أبنائها في البلاد العربية ، وخاصة في الجزيرة العربية ومكة والمدينة ، ولكن للأسف ولأول مرة في حياتها لم تجد أبناءها في انتظارها، وجدتهم قد تخلوا عنها وخانوها، لم تجدهم كأبنائها من الخلفاء الراشدين، والأمويين، والعباسيين، والمماليك، والعثمانيين، بل وجدتهم قبليين جهلاء طامعين مخدوعين جرفهم الاستعمار إلى أحضانه، وضحك عليهم لورانس العرب بعقاله وشماغه، وضللهم مكماهون وقسمهم سايكس - بيكو، وألهوهم بسراب حكمهم للدولة الإسلامية ومصالحهم الشخصية.

توماس إدوارد لورنس.

جاءت إليهم الحضارة الإسلامية فلم تجدهم في استقبالها ، فتاهت في محطة الوصول العربية وبلد الوصول المفتنة بالفتن والمطامع الجاهلية فتاهت ولم تزل تائهة.

أنها حضارة لن تموت لأن جزيئاتها الوراثية ربانية ، ولكنها تائهة فقط وسيقيض الله لها من أحفادها من بعيدون لها دورتها ، لتصل إلى ذروتها بإذن الله (يُرِيدُونَ أَن يُطْفِؤُواْ نُورَ اللّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللّهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ [التوبة: 32] وهكذا أخوة الإسلام تاهت الحضارة الإسلامية ، فمن منا ينادي عليها ، وينادي على المخلصين من أحفادها ليعيدوها إلى ديارها الإسلامية ، ويعيدوها إلى سابق عهدها وإلى تكملة رسالتها الإنسانية؟ فبغيابها طغت الحضارة المادية اللا أخلاقية التي انتهكت حرمات المسلمين في فلسطين، والبوسنة، والهرسك، والشيشان، والصومال، والسودان، وأفغانستان، والعراق و . . . و . . .

لا تفقدوا الأمل أخوة الإسلام فالمستقبل لهذا الدين، والحقبة التالية من التاريخ هي حقبة المسلمين بإذن الله .

الدكتور: نظمي خليل أبو العطا

مع الصائمين العدد ( 9715 ) الخميس 14 رمضان 1425 هـ - 28 أكتوبر 2004 م

ملامح الوحدة في حضارة العالم الإسلامي

حضارات ما قبل الإسلام

الحضارة الإسلامية، مثل غيرها من الحضارات، لم تنشأ من فراغ ، ولم تظهر من العدم أو من تلقاء نفسها، بل سبقتها حضارات عريقة أخرى في هذه المنطقة من العالم، تواصلت معها وأثرت فيها.

ففي القرن الرابع قبل الميلاد، قام الاسكندر المقدوني (356- 323 ق. م) بأول محاولة لإقامة دولة واحدة تشمل أقاليم من أوروبا وأسيا وأفريقيا، وتمتد من مقدونيا إلى الهند. ولم يكتف الاسكندر بهذا التوحيد السياسي، بل اتخذ وسائل أخرى لتوحيد العناصر البشرية في هذه المنطقة من العالم، مثل احترام جميع أديانها، والصلاة ني مختلف معابدها، وتأسيس عدد كبير من المدن الجديدة التي عرفت باسم"الإسكندريات"نسبة لاسمه، ويقدر عددها بنحو 27 مدينة، بعضها في بلخ وصغديانا ، وفي أسفل القوقاز، وفي مصر... الخ. وكان هدفه من وراء ذلك أن تختلط في هذه المدن عناصر بشرية من السكان الأصليين مع الجاليات اليونانية ، لينشأ من هذا الاختلاط ثقافة جديدة، تستمد أصولها من الحضارات السابقة.

وهكذا صارت"الإسكندريات"بمثابة بوتقات علمية، تنصهر فيها هذه الثقافة الجديدة.

وقد حرص الاسكندر الأكبر على تطبيق هذه المبادرة على نفسه، ليكون قدوة لغيره حين تزوج الأميرة روكسانا الفارسية ، وأمر قواده ان يفعلوا مثله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت