لم يكن غريبًا على العقل المسلم الذي ربَّاه دينه على إعلاء شأن التفكير والتدبُّر والقياس والتجريب العلمي... لم يكن غريبًا على ذلك العقل الذي تربَّى تلك التربية أن يُعلي شأن النظر إلى علوم الهندسة في عصور حضارته، وأن يبلغ بفروعها ومبادئها آفاقًا لم يُسبق إليها من أرباب الحضارات السابقة.
فنلاحظ أن ابن خلدون - رحمه الله - قد تحدَّث بحفاوة بالغة عن علم الهندسة.. تلك الحفاوة التي إن صدرت عن عالم في وزنه فهي - ولا شكَّ - تعكس نظرة إسلامية أصيلة لهذا الفرع من العلوم.. لقد بدأ حديثه عن الهندسة (جريًا على العادة المنهجية الإسلامية) بتعريف لهذا العلم قائلًا:"هذا العلم هو النظر في المقادير، إما المتصلة: كالخط والسطح والجسم، وإما المنفصلة: كالأعداد... وفيما يعرض لها من العوارض الذاتية.."، وبعد أن يتحدَّث عن أنواعها المختلفة.. نراه يعلِّق - رحمه الله - على منزلة هذا العلم قائلًا:"واعلم أن الهندسة تُفيد صاحبها إضاءةً في عقله، واستقامة في فكره؛ لأن براهينها كلها بَيِّنَةُ الانْتِظَام، جَلِيَّةُ الترتيب، لا يكاد الغلط يدخل أقيستها؛ لترتيبها وانتظامها؛ فيبعد الفكر بممارستها على الخطأ، وينشأ لصاحبها عقل على ذلك المهْيَع (أي: الطريق أو النسق) ..."إلى أن يقول:"وكان شيوخنا - رحمهم الله - يقولون: (ممارسة علم الهندسة للفكر بمثابة الصابون للثوب الذي يغسل منه الأقذار وينقِّيه من الأوضار والأدران) ؛ وإنما ذلك لما أشرنا إليه من ترتيبه وانتظامه".
فلا عجب - إذًا - في حق الأمة التي ينظر علماؤها إلى الهندسة كنورٍ للعقل، ومُطَهِّر للفكر من أدران العشوائية والفوضى.. أن تبرع في شتَّى التطبيقات الهندسية؛ فلا تقتصر تلك البراعة على ما رأيناه في المقال السابق من روعة علم الحيل النافعة (أو: الهندسة الميكانيكية) ، بل تتعدَّى ذلك إلى سائر فروع الهندسة سواء منها ما يتعلَّق بالصناعة أو العمارة أو المياه والريِّ وغيرها...
النهضة الصناعية
فعلى صعيد النهضة الصناعية (والتي لا تخفى صلتها الوثيقة بالتقدُّم الهندسي) تطالعنا شهادات غربية منصفة.. منها ما يؤكده المستشرق الفرنسي"سيديليو" (1777- 1833م) في شأن روَّاد الحضارة الإسلامية من:"أنهم برعوا في جميع الفنون الصناعية، واشتهروا عند الأمم بأنهم دبَّاغون سباكون، جلاَّءون للأسلحة، نساجون أصناف الثياب، ماهرون في أشغال المنقاش والمقراض.. ويؤيد عُلُوَّ كَعْبِهِم في هذه الفنون سيوفُهُم الباترة، ودروعُهُم الخفيفة الصلبة، وبُسُطُهُم ذاتُ الوبر، ومنسوجاتهم من الصوف والحرير والكتان"..
بل إن باحثًا غربيًّا آخر هو (رينو) يقول:"إن العرب لما أغاروا من الأندلس على جنوبي فرنسا، وافتتحوا بقيادة السمح الخولاني وعنبسة الكلبي والحُرِّ الثقفي مدائن أربونة وقرقشونة وأفنيون وليون.. كانوا مُجَهَّزِين بأسلحةٍ لم يكن للإفرنج مثلها!!".
لقد كان المهندسون والتقنيون في الحضارة الإسلامية يتَّبعون المنهج العلمي في كل أعمالهم، ويبدءون - في الحالات الصعبة - برسم مخططات، ثم يصنعون نموذجًا مصغرًا لما ينوون تنفيذه.. وقد أعاد الفنيون المحدثون بناء العديد من التركيبات والآلات تبعا للشروح التي قدمها التقنيون الإسلاميون في مؤلفاتهم.
الهندسة المعمارية
إذا نظرنا إلى جانب الهندسة المعمارية فسنجد أن المسلمين قد برعوا (إبان الفتوحات الإسلامية، وانتشار الإسلام في أرجاء المعمورة) في الاهتمام ببناء المدن الجديدة، وإعمار الأرض، وقد تجلى ذلك في النهضة المعمارية العظيمة التي شهدتها عدد من حواضر العالم الإسلامي، كما تجلى في العديد من المساجد والمباني والقصور والجسور والمستشفيات (البيمارستانات) ..
وتُحدِّثنا كتب التاريخ عن بدايات قديمة للنهضة المعمارية الإسلامية.. فها هو الإدريسي في (نزهة المشتاق) يتحدث عن عظمة"قنطرة قرطبة"التي بُنِيت في عهد عمر بن عبد العزيز رحمه الله (بين عامي: 99هـ و 101هـ) أي في أواخر القرن الأول الهجري!! يقول الإدريسي:"ولقرطبة القنطرة التي علت القناطر فخرًا في بنائها وإتقانها.. وعدد قِسِيِّها سبع عشرة قوسًا.. بين القوس والقوس خمسون شبرًا، وسعة القوس مثل ذلك: خمسون شبرًا، وسعة ظهرها المعبور عليه: ثلاثون شبرًا، ولها ستائر من كل جهة تستر القامة، وارتفاع القنطرة من موضع المشي إلى وجه الماء في أيام جفوف الماء وقلته ثلاثون ذراعًا..."
هذا وقد أضافت العمارة الإسلامية تقنيات لم تكن معروفة من قبل في أنظمة المساجد والمدارس، كما ابتكرت تلك العمارة عناصر فنية كثيرة منها: أشكال العقود والتيجان والقباب والمحاريب والمنارات والمآذن وغيرها...
ولا تكاد رقعة من تاريخ المسلمين أو ديارهم.. تخلو من آيات بينات تدل على تلك العظمة المعمارية.. ويكفينا هنا مثالان من حقبتين تاريخيتين مختلفتين: المثال الأول (جامع قرطبة) الذي بُني في العهد الأموي في الأندلس، والذي يُعَدُّ - عبر العصور - معجزة معمارية بامتياز.. حتى ليصفه صاحب الروض المعطار بقوله:"الجامع المشهور أمره الشائع ذكره من أجل مساجد الدنيا كِبَرَ مساحةٍ وإحكامَ صنعةٍ وجمالَ هيئةٍ وإتقانَ بنيةٍ..."
أما المثال الثاني فهو (جامع السليمانية) بإسطنبول.. وهو ممثل صادق للإبداع المعماري العثماني الذي صبغ الحقبة العثمانية الزاهرة والمجهولة من تاريخ المسلمين، وقد كان من أبرز سمات ذلك الإبداع تلك القباب العالية البديعة.. وقد شُيِّد (جامع السليمانية) عام (964هـ / 1557م) .
ويدين علم الصوتيات المعمارية (إكوستيك) بالفضل لعلماء المسلمين في إنشائه وإرساء أصوله المنهجية العلمية؛ إذ أفادوا من تطبيقاته في مجالات حيوية مختلفة؛ فاستفادوا من معرفتهم بأن الصوت ينعكس عن السطوح المقعرة، ويتجمع في بؤرة محددة - كالضوء تمامًا - وأنه إذا أجري حساب دقيق لهندسة السطوح المقعرة فإنه يصبح بالإمكان تسليط الأمواج الصوتية المنعكسة، وتركيزها في اتجاهات معينة بحيث تزيد من وضوح الصوت وشِدَّته.. أما إذا لم تُرَاعَ تلك الحسابات الدقيقة فإن ذلك يؤدي إلى خلخلة في الصوت، وبلبلة في تلقِّيه لدي السامع.
وقد استخدم التقنيون المسلمون خاصية تركيز الصوت في أغراض البناء والعمارة، وخاصةً في المساجد الكبيرة الجامعة؛ لنقل وتقوية صوت الخطيب والإمام أيام الجُمَعِ والأعياد، مثل ما نجده في مسجد"أصفهان"القديم، ومسجد"العادلية"في حلب، وبعض مساجد بغداد القديمة.. حيث كان سقفُ المسجد وجدرانُه تُصَمَّم جميعًا على شكل سطوح مقعرة موزعة في زوايا المسجد وأركانه بطريقة دقيقة، تضمن توزيع الصوت بانتظام على جميع الأرجاء.
ولا شَكَّ أن هذه المآثر الإسلامية الباقية حتى اليوم لهي خير شاهد على ريادة علماء المسلمين في تقنية الصوتيات الهندسية المعمارية، وذلك قبل أن يبدأ العالم الأمريكي المعروف"والاس ك. سابين"في دراسة أسباب سوء الصِفَات الصوتية لقاعة المحاضرات بجامعة"هارفارد"الأمريكية في أوائل القرن العشرين.
الهندسة الهيدروليكية!!
ولم يقتصر إبداع المهندس المسلم على الجانب المعماري وحسب.. بل إن آيات الإبداع تتجلى في فروع هندسية أخرى كثيرة ومنها (الهندسة الهيدروليكية) التي تُعنى بأنظمة الري، وإمداد المياه..