فهرس الكتاب

الصفحة 428 من 1942

فهذه لمحة موجزة عن موضوع التفكير ، من حيث هو تفكير، نقدمها للأمة الإسلامية ، لعل دراستها توجد التفكير في هذه الأمة ، حتَّى ينقلها هذا التفكير إلى أنْ تعود خير أمة أخرجت للناس 0 لا سيما بعد أنْ مضى على هذه الأمة عشرة قرونٍ وهي بعيدةٌ عن التفكير ، وإنْ حاولت هذا التفكير عدة مرات 0 إنَّ الأمة الإسلامية قد بليت في القرن الرابع الهجري بعلماء عملوا على تعطيل التفكير في الأمة ، ونادوا بخطر التفكير على الأمة ، وضرره على الإسلام والمسلمين ، وذلك حين قام رهط من العلماء مثل العالِم المشهور باسم القفال ، ونادوا بإقفال باب الاجتهاد ، وعملوا على منع الاجتهاد ، وأقنعوا الناس بخطر الاجتهاد ، فَصدَّق المسلمون هذه الدعوة 0 وعملوا بها ، وتحرَّج العلماء من الاجتهاد ، وخاف المفكرون من الاجتهاد ، وكره الناس أنْ يكون هناك مجتهدون 0 وقد تبنى الرأي العام في جميع أقطار الإسلام هذا الرأي ، وبدلك تعطَّل التفكير 0 ووقف الناس عند حد التقليد ، وألغوا عقولهم ، ولم يعودوا يجرؤن على الاجتهاد ، فكان هذا المنع للاجتهاد ، والتفكير أعلاه إنما يكون في الإسلام 0 فأدى ذلك إلى وقف التفكير لدى الناس ، واستمرءوا هذا التعطيل للتفكير ، والإنسان بطبعه حيوان كسول ، لذلك وقفت الأمة عن التفكير حتَّى هذا القرن ، القرن الرابع عشر الهجري ، فسلخت عشرة قرون وهي معطَّلة التفكير ، ولذلك ليس من السهل على أمةٍ سلخت عشرة قرون من عمرها وهي معطَّلة التفكير ، أنْ يتحرك فيها التفكير وأنْ تفهم عن وعي قيمة التفكير ، وقيمة المفكرين 0 ولذلك فإنَّ ملايين الكتب مثل هذا الكتاب ، لا تضمن أنْ تحرك الأمة للتفكير ، وأنْ تسوقها لأنْ تجعل التفكير سجية من سجاياها 0 ولكن الأحداث الموجعة التي تسحق الأمة سحقًا ، وتمعسها معسًا ، فإنها صارت تبعث الأمل في أنْ يحد التفكير سبيله للأمة 0 لا سيَّما بعد أنْ وُجد فيها جماعات تفكر ، وجماعات تحاول التفكير ، بعد أنْ تحقق فيها آلاف تجسد لديهم حب التفكير وصاروا مفكرين لا يستمرئون غير التفكير ، حتَّى غدوا تفكيرًا يحيا ويتحرك وينموا 0 لذلك فإنَّ ضخامة الأحداث وفظاعتها ، وكون التفكير تجسّد في أشخاص حتَّى غدا تفكيرًا يمشي في الأسواق بين الناس ، فإنَّ هذين الأمرين: يوجدان أملًا مشرقًا ، في أنْ ينتقل التفكير من الأفراد إلى الجماعات ، وأنْ يصبحَ تفكيرًا جماعيًا لا تفكيرًا فرديًا ، وأنْ يكون تفكير الأمة لا تفكير الأفراد ، فتصبح الأمة الإسلامية أمة مفكرة ، وتعود كما كانت خير أمة أخرجت للناس 0

جرى تحرير كتاب التفكير وهذا النص المقتبس هو نهايته في 8 من صفر سنة 1393 هـ الموافق 12 من آذار ( مايس ) سنة 1973 م

ملاحظات على هذا الاقتباس

• الاقتباس وصفي واستطلاعي ، الوصفي يصف موضوعين: الأول في التأريخ فترة أول القرن الخامس الهجري وما نتج عن ذلك من إغلاق باب التفكير والاجتهاد ، نتج عن ذلك تركز التقليد وإلغاء العقول 0الثاني وصف معاصر وهو دعوى تحقق تجسيد التفكير في آلاف 0

• أما الاستطلاعي: فهو وجود أمل مشرق في عودة التفكير إلى الأمة ، فتتسنم المكان اللائق بها تحت الشمس 0

• كتب المرحوم تقي الدين النبهاني الكتاب ، وختامه هذا الاستطلاع سنة 1973 م ، حملت الأعوام التي تلت الاستطلاع ، زيارة السادات لدولة العدو ن وصلح مصر مع العدو ، وإعلان الحرب من قبل العراق على إيران ، واستمرارها ثمانية أعوام ، واجتياح اليهود الوقح لبنان صيف 1982 م ، إلى زلزال حرب الخليج وقد كشف عن وقاحة الأنظمة القائمة في العالم الإسلامي ، بمشاركتها الغرب في حربه ضد العراق ، ثم حدثت مسارات الصلح المشينة ، إلى الدعوة العلنية للسير مع العولمة ، ظهر من ذلك كله تبلد حس الأمة ، وليس وجود الأمل المشرق 0

• لقد حدث خطأ في تسجيل التأريخ ، إذ لم يتناد العلماء لإقفال باب التفكير والاجتهاد ، وإنما ألغي التفكير والاجتهاد بوثيقة الخليفة القادر ، وقد قُرأت على المفكرين والقضاة والعلماء والفقهاء عام 408 هـ ، وطلب إليهم توقيعها ، وأفهم من يخالفها بإلحاق التنكيل به ، والمقصود بها كما دل منطوقها: المعتزلة بالدرجة الأولى ، والشيعة بفرقها المختلفة بالدرجة الثانية ، وقد كانت الأهمية عند واضعي الوثيقة تصفية المعتزلة ، وواقعيًا تحقق لهم ذلك 0 أعيدت قراءة الوثيقة سنة 409 هـ ، وسنة 420 هـ ، ثم في سنة 433هـ ، أي في عهد القائم بعد موت القادر بأحد عشر عامًا ، فخرجت المعتزلة من التاريخ ، وبقيت مع تشويه صورتها في التأريخ 0

الاقتباس الثاني

منقول من كتاب نهاية التاريخ وخاتم البشر

مؤلف الكتاب هو الأمريكي من أصل ياباني فرنسيس فوكوياما

صدر الكتاب بالإنجليزية وترجم للعربية بعد سنة 1991 م

النص منقول من ص [ 56- 57 ]

صحيح أنَّ الإسلام يُشَكِّلُ أيدلوجيا مُتَّسِقَةً ومتماسكةً ، مثل الليبرالية والشيوعية ، وأنَّ له معاييره الأخلاقية الخاصة به ، ونظريته المتصلة بالعدالة السياسية والاجتماعية ، كذلك فإنَّ للإسلام جاذبية يمكن أنْ تكون عالميةً ، داعيا إليه البشر كافة باعتبارهم بشرًا ، لا مجرد أعضاء في جماعة عرقية أو قومية معينة ، وقد تمكن الإسلام في الواقع من الانتصار على الديمقراطية الليبرالية في أنحاء كثيرة من العالم الإسلامي ، وشَكَّلَ بذلك خطرًا كبيرًا على الممارسات الليبرالية حتَّى في الدول التي لم يصل فيها إلى السلطة السياسية بصورة مباشرة ، وقد تلا نهاية الحرب الباردة في أوروبا على الفور تحدي العراق للغرب وهو ما قيل { عن حق أو عن غير حق } أنَّ الإسلام كان أحد عناصره 0

ويستمر فوكوياما قائلًا: غير أنه بالرغم من القوة التي أبداها الإسلام في صحوته الحالية ، فبالإمكان القول أنَّ هذا الدين لا يكاد يكون له جاذبية خارج المناطق التي كانت في الأصل إسلامية الحضارة 0 وقد أنَّ زمن المزيد من التوسع الحضاري الإسلامي قد ولَّى، فإنْ كان بوسع الإسلام أنْ يكسب من جديد ولاء المرتدين عنه 0 فهو لنْ يصادف هوىً في قلوب شباب برلين أو طوكيو أو موسكو أو السويد ، ورغم أنَّ نحو بليون نسمة تدين بالإسلام { أي خمس تعداد سكان العالم } فليس بوسعهم تحدي الديمقراطية الليبرالية في أرضها على المستوى الفكري ، بل قد يبدو أنَّ العالم الإسلامي أشدَّ عرضة للتأثر بالأفكار الليبرالية على المدى الطويل من احتمال أنْ يحدث العكس ، حيث أنَّ مثل هذه الليبرالية قد اجتذبت إلى نفسها أنصارًا ـ عديدين وأقوياء ـ لها من بين المسلمين على مدى القرن ونصف القرن الأخيرين ، والواقع أنَّ أحد أسباب الصحوة الأصولية الراهنة هو قوة الخطر الملموس من جانب القيم الغربية الليبرالية على المجتمعات الإسلامية التقليدية 0

ملاحظات على هذا الاقتباس

• يؤكد فوكوياما من عنوان كتابه ومن موضوعه أنْ لا مكان تحت الشمس لحضارة غير الحضارة الليبرالية فالعولمة هي أعلى مراحل الرأسمالية وما يظهر في الواقع الإسلامي ـ والعربي جزء منه ـ عدم وجود مقاومة جدية لها ، فدعاتها العلنيون ، وقابلوها على استحياء ومقاوموها يسيرون بلا رشد ولا دليل 0

• يصف الإسلام بأنه أيديولوجيا متسقة ومتماسكة ، وهو بهذا يضع الإسلام في النسق الحضاري ، خلافا لرؤى التغريبيين في كل تشكلاتهم: الليبرالية ، والمادية الماركسية ، والعلمانية القومية ملحدة أو غير ملحدة ، وفي محل المخالفة لرؤية الإسلاميين ، الذين فصلوا عن الإسلام الحياة ، وجعلوه مجرد تدين وهيئات نُسكٍ 0

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت