فهرس الكتاب

الصفحة 443 من 1942

ويتكرَّر نفس الموقف في مواجهة أخرى بعد عامين، في غزوة بني النضير (4هـ) .. بعد أن هَمَّ اليهود بقتل النبي صلى الله عليه وسلم - وهي الغزوة التي ذكرنا طرفًا منها في المقال السابق - فحاصرهم حصارًا شديدًا، فما أوشكوا على التسليم حتى جاءتهم رسائل النفاق والخيانة من ابن أُبيٍّ وأصحابه: أن اثبتوا!!.. نحن معكم!!.. [لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ، وَلَا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا، وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ...]

إنها ذات المواقف!.. بل إن تكرارها يوحي إليك كأن بعض الألفاظ تتكرَّر.. وهي كذلك بالفعل!!.. ليظل التحذير الإلهي ماثلًا لكل أمة مؤمنة تحمل لواء الحق عبر التاريخ.. من أوبئة النفاق وشروره؛ حتى يطارد المؤمنون النفاق في نفوسهم وفي صفوفهم.. كما يجاهدون الباطل من حولهم.. بل أشد!!.. فليست مصادفة أن تتركَّز إشارة العداء في الآية الكريمة على المنافقين بأسلوب القصر، حيث يُعَقِّب ربنا بعد استعراض صفاتهم التي توقفنا أمامها آنفًا.. بقوله سبحانه:

[هُمُ الْعَدُوُّ.. فَاحْذَرْهُمْ!! قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ؟!]

بنو قينقاع وبيت حانون والبون الشاسع!! ...

بقلم الدكتور راغب السرجانى ... تاريخ الإضافة: 10/11/06

كلما رأيت تبجحًا من اليهود، وتطاولًا منهم عادت ذاكرتي بسرعة إلى سيرة الهادي لهذه الأمة، بل الهادي للعالمين رسول الله صلَّى الله عليه وسلم؛ فعند الحيرة في التحليل أو أخذ القرار نعود إلى المواقف المتشابهة في السيرة لنخرج بالرأي الأصوب, والقرار الأحكم...

والآن ونحن نستمع لأخبار العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة، وخاصةً بلدة بيت حانون؛ حيث تجتاح قوات الاحتلال الإسرائيلي البلدة ضمن مخطط لاجتياح أجزاء من قطاع غزة قد تشمل فيما بعد رفح وغيرها؛ وذلك - كما يرى المحللون - بهدف إخضاع الفلسطينيين بقوة السلاح، وإسقاط الحكومة الفلسطينية، إلى جانب الضغط على الفصائل التي تأسر الجندي الإسرائيلي (جلعاد شاليت) من أجل إطلاق سراحه.

أقول: ونحن نستمع لهذه الأخبار الدامية التي تؤذي أسماعنا بأنباء مقتل ما يقارب الثمانين شهيدًا, ومائتي جريحٍ، تعود بنا الذاكرة إلى حدثٍ من أحداث السيرة هو أقل مما يحدث في بيت حانون بعشرات المرات, ولكن سنرى كيف تصرَّف الرسول صلى الله عليه وسلَّم معه، لندرك الفارق بين المفروض الذي يجب أن يحدث والواقع الذي نعيشه الآن، وندرك البون الشاسع الذي يفصلنا عن عصر الرجولة والنخوة.

قبيلة بني قينقاع كانت من القبائل اليهودية القاطنة في المدينة المنورة، والتي ارتبطت بمعاهدة مع الرسول (صلَّى الله عليه وسلم) والمسلمين. وبعد غزوة بدر، وانتصار المسلمين على قريش بفضل الله ومِنَّته، انفجرت براكين العداوة في صدور يهود بني قينقاع، وجاهروا الرسول بالعداوة، بل وأقدموا على جريمة نكراء حيث راود صائغ يهودي في سوق بني قينقاع امرأةً مسلمةً عن كشف وجهها، أثناء شرائها مصاغٍ منه، فلما أَبَتْ ربط بعضهم طرف ثوبها بخمارها- دون أن تشعر - فلما قامت انكشفت عورتها، فصرخت، فجاء مسلم وقتل التاجر اليهودي؛ فتعاون اليهود على قتل المسلم، وانتهى الأمر بحصار الرسول صلى الله عليه وسلم لهم.

وبدأ الحصار في يوم السبت نصف شوال سنة 2 هـ، بعد أقل من شهر من غزوة بدر الكبرى، وظل صلى الله عليه وسلم محاصرًا لبني قينقاع أسبوعين كاملين، إلى أن ظهر هلال ذي القعدة، وقذف الله عز وجل الرعب في قلوب اليهود، فنزلوا على حكم الرسول صلى الله عليه وسلم وكان حكمه صلى الله عليه وسلم في ذلك الوقت هو قتلهم لهذه المخالفة الشنيعة التي فعلوها، ليس فقط لكشف وجه المرأة المسلمة، ولا لقتل المسلم، لكنها تراكمات طويلة؛ فهم منذ أن دخل الرسول صلى الله عليه وسلم وهم في مخالفات مستمرة وسب علنيٍّ لله ولرسوله الكريم صلى الله عليه وسلم وللصحابة، وإثارة الفتن بين المسلمين، فكان لابد من وقفة معهم.

إن من طبائع اليهود الثابتة التي لا ينفكون عنها بحالٍ من الأحوال؛ التطاول الدائم، واتخاذ المواقف المعادية كلما زاد سكوت المسلمين عن تعدياتهم، وقد رأينا هذا من اليهود قديمًا وحديثًا، وسنظل نراه منهم إلى يوم القيامة.

رأينا في العصر الحديث عندما خالف اليهود القوانين الإسلامية، وبدءوا بالهجرة إلى فلسطين مع أن هذا الأمر كان ممنوعًا عليهم، ولكن لأن المسلمين سكتوا عن هذا الأمر تملَّك اليهود الاقتصاد الفلسطيني في داخل فلسطين، ثم جلبوا السلاح الخفيف، ثم الثقيل، وبعدها أنشئوا إسرائيل سنة 1948، ثم حرب 1956، و1967، و1982في لبنان، وأخيرًا حرب لبنان2006 كما تابعنا جميعًا؛ فكلما سكت المسلمون-إذن- تعدَّى اليهود تعدِّيًا أكبر وأخطر .

كنا في الماضي نطالب بالعودة إلى حدود التقسيم، ثم بعد ذلك نطالب بالعودة إلى حدود 67، ثم نطالب بالعودة إلى حدود انتفاضة2000، وإذا كان اليهود اليوم يقيمون جدارًا عازلًا، فإننا ربما نطالب في المستقبل بالعودة إلى حدود الجدار العازل؛ فهذا التساهل مع اليهود هو الذي أَدَّى إلى ما آلت إليه أحوالنا اليوم، هو ما أدَّى إلى الاعتداءات المتكررة التي أصبحت لا تلفت أنظار أحد من المسلمين، هو ما أدى لتكرار الاجتياحات، وتدمير البنية التحتية الفلسطينية، وأهم من ذلك إراقة دماء آلاف الشهداء المسلمين في فلسطين.

إن أحداث بيت حانون دليل واضح على تخاذل المسلمين الذي بدأ منذ عقود، وهذا التخاذل هو الرابط العكسي بين أحداث بيت حانون، وغزوة بني قينقاع، إذ تجنب رسول الله صلى الله عليه وسلم كل هذه المآسي، وأخذ قرارًا سريعًا وحاسمًا بحصار بني قينقاع، ومعاقبتهم بالقتل جزاءً وفاقًا لولا ما حدث من تدخل رأس النفاق عبد الله بن أُبَيٍّ بن سلول الذي ألح على النبي صلَّى الله عليه وسلم في أن يهبهم له ويعفو عنهم؛ فوافق الرسول صلى الله عليه وسلم، ولكن أمرهم بالخروج؛ فخرجوا إلى الشام؛ وهلكوا هناك، بينما أدى بنا التخاذل إلى الصمت، بل والمشاركة من البعض بالموافقة وغض الطرف من أجل إسقاط الحكومة الفلسطينية الإسلامية غير المرغوب فيها من هذا البعض.

فأين تحرك المسلمين من هذه المأساة الدامية؟!

إن الإسلام يفرض علينا أن نهب لنصرة إخواننا ضد عدوان غاصب مدمر، يستقوى بأعداء آخرين أشد بطشًا، يمددونه بالسلاح والأموال والتأييد [وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا] {النساء:75}

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت