فهرس الكتاب

الصفحة 554 من 1942

كما أن النخبة بمختلف طبقاتها اليوم في عالمنا الإسلامي غير قادرة على أن تحمل في وعيها آمال الجماهير وغير قادرة على توجيه هذه الجماهير أيضًا. بل إن هذه النخبة التي من المفترض فيها أن تكون هي المعبر عن آمال وتطلعات الناس من جهة، وأن تكون هي مجسّات الوعي من جهة أخرى قد انغلقت على نفسها، ولم تعد قادرة على متابعة التغيرات والأحداث الكبرى التي تجري في عالم اليوم.

ولذلك فإن النخبة في العالم الإسلامي اليوم مدعوة إلى مراجعات جوهرية لكل الأطروحات التي تتداولها منذ أمد، وعلى مختلف الأصعدة، ومن كل الأطراف. وعلى النخبة أيضًا أن تعيد ترتيب أولوياتها، ووضع خط فاصل وواضح بين القيم المبدئية التي لا يمكن أن تتغير وبين المواقف والخطوات الإجرائية التي يمكن التراجع عنها أو تغييرها أو تطويرها أو تجاوزها إلى ما هو أكثر نضجًا ونجاحًا وقابلية لتحقيق مقاصد القيم الأصلية المبدئية وتحقيق مصالح الأمة.

وعليه فإن النخبة مطلوب منها اليوم أن تعيد تشكيل مواقفها وفق المبادئ الكبرى للأمة بشكل واضح وصريح ومؤسس ومنهجي، وألاّ تلجأ إلى التلفيق بين المفاهيم، ولا التركيب المشوه بين مختلف المقولات والتصورات. كما أن على النخبة أن تعيد النظر في مفاهيمها التقليدية الموروثة سواء من تراثنا الإسلامي أو من التراث الحضاري للأمم الأخرى، ويكون ذلك وفق رؤية علمية مبنية على الحجة البينة والبرهان العلمي والحوار المنفتح على الآخر، القابل للحقيقة مهما كان مصدرها، خاصة إذا علمنا أن الإسلام لا يُخشى عليه من أي فكرة أخرى، بل إن الإسلام ذاته ما هو إلا رسالة لإتمام المكارم التي بين الناس.

ومن هذا المنطلق، فإن النخبة يكون أمامها مجال فسيح للاجتهاد المحتكم إلى القيم الثابتة من القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة، تسترشد بعد ذلك بما استقر من صالح الكسب البشري من فكر وثقافة وحضارة شحذتها وهذبتها الخبرة الإنسانية الطويلة الأمد.

وعليه، لا نكون في اجتهادنا أمام خطر الانحراف عن القيم الكلية الثابتة؛ لأن القرآن مصدِّق ومهيمن على كل تجربة أو فكرة، ولا نكون أيضًا أمام خطر التخلف عن مواكبة الأحداث؛ لأن الانفتاح على مختلف التجارب يذكي الخبرة وحس الخطأ والصواب لدى الأمة، ويقوّي مجسّات التحقق من صلاح التجارب على اختلاف مصادرها ومدى مواءمتها لمختلف المشكلات التي تهدف النخبة لحلها.

ونختم حديثنا هذا بالتأكيد على أن سلوك نهج الحضارة، والعمل على بعث الحضارة الإسلامية من جديد، والتمكين للإسلام والمسلمين لن يتحقق طالما بقيت النخبة في العالم الإسلامي غير قادرة على بناء رؤية واضحة، من خلالها تستطيع تحديد القيم والمبادئ الكلية، وتحديد المنهج ذي الإجراءات العملية لتحقيق مقاصد هذه القيم في دنيا الناس

حضارتنا ليست للبيع ... ... ...

إن تاريخنا الإسلامي هو أفضل تاريخ عرفته الأرض•• عبر مساحة التاريخ المدوَّن !! وهذه الحقيقة تتجلى عندما ننظر إليها في سياق بشريته، (فهو تاريخ بشر) ••• وعندما ننظر إليه بالجملة، لا بالوقوف المتربص الحاقد عند نقطة معينة ، ففي حياة كل إنسان ـ عظيمًا أو عاديًا ـ هفوات•

والتاريخ هو حياة مجموع البشر أو الناس الأحياء، وليس رصدًا لتاريخ أوهام أسطورية••• بل هو تاريخ ناس واقعيين ••• عاشوا على الأرض، وكانت لهم أشواق روحية، وغرائز بشرية!!•

وعندما ننظر بهذا التقويم الموضوعي، فسنجد أن عصر الرسالة والراشدين (1 ـ 14هـ) ، هو أفضل عصور التاريخ البشري على الإطلاق، ولا يساويه إلا حياة الأنبياء عليهم السلام، وقد تقترب منهم حياة حواريي الأنبياء من الدرجة الأولى•

ولم يحظ أي نبي بهذا الجمع العظيم الذي صنعه رسول الله صلى الله عليه وسلم على عينيه••• وكان القمة المثلى للحضارة الإسلامية!•

فلما جاء الأمويون (14 ـ 231هـ) ، لم ينقطع هذا التاريخ لأن عام (14هـ) لا يعني موت كل الصحابة، فبقى عصر الأمويين يرشح بهؤلاء العظماء، وانحصر الخلل في بعض النواحي القومية والسياسية، وكانت الحياة الدينية والاجتماعية في القمة••• بل في هذا العصر تمت أعظم الفتوحات التي قام بها الشعب المسلم تحت قيادة بني أمية عن رضا وطواعية•

فلما جاء العباسيون (231هـ ـ 656هـ) ، مضت الحياة الاجتماعية، والاقتصادية، والتشريعية، بقيادة الشعب المسلم في مجراها الطبيعي ، فنهرُ الحضارة الدافق لا يخضع للتحولات السياسية بقيام دولة أو سقوط أخرى•

وقد وقع العباسيون في خطأين:

أولهما: حركة الترجمة إلى العربية من دون ضوابط كافية، ومن دون حركة ترجمة مضادة تنشر العقيدة الإسلامية في العالم•••

وثانيهما: إشغال الأمة بفتنة خلق القرآن، واستعمال العنف والقسوة، وترك الحبل على الغارب للمعتزلة المنهزمين أمام المقولات الفلسفية!!•

لكن العباسيين نشروا الحضارة الإسلامية، وامتدت في عهدهم حركة سلمية دعوية لنشر الإسلام! إذ إن فتوحات بني أمية العسكرية والسياسية لم تعنِ دخول الناس في الإسلام فورًا، فالإسلام لا يؤمن بالإكراه، فكان العصر العباسي هو الذي نشر الإسلام بواسطة الأمة الداعية، لا الدولة الراعية•

ثم إن الحكومة العباسية وقفت ـ بصرامة ـ ضد الحركات الباطنية كالبرامكة، والخرَّمية، وحسبها أنها صمدت في وجه المد الفاطمي الذي نجح في الاستيلاء على المغرب ومصر•• كما أنها استوعبت السيطرة الشيعية البويهية على الحكم، بحيث بقيت السيطرة البويهية سيطرة سياسية، لا باطنية!!•

وجاء الزنكيون، والأيوبيون، والمماليك•• ثم جاء العثمانيون، الذين عاشوا خمسة قرون حتى سقطوا سنة 1924م، فكان للجميع بعض السلبيات، لكنهم قدموا للإسلام أعظم الخدمات، وصدوا عنه أشنع الغارات!!•

ومازال الإسلام ـ بفضل هؤلاء الأسلاف ـ موجودًا إلى الآن، يصارع المحن، ويمتص المؤامرات الخبيثة، ويفلت بالمسلمين ـ تحت رايته الخفاقةـ من مرحلة الاستعمار العسكري والسياسي الأوروبي إلى مواجهة الغزو الفكري الصليبي والصهيوني، ثم إلى مرحلة الصحوة الإسلامية، وما تواجهه، الآن من صعوبات ومؤامرات عالمية•

لكن الإسلام يمتد إلى كل قارات الأرض بفضل الأمة الداعية، وينتصر حتى مع الهزائم السياسية والعسكرية، كما انتصر أيام التتار••• وسيشق المسلمون طريقهم بإذن الله، وستخفق راية الإسلام ـ مهما كانت السحب داكنة ـ فالإسلام هو الحل الوحيد للبشرية•• وليس للمسلمين وحدهم، وهو قدر الله الغالب، والأمل الوحيد الذي لا أمل في إنقاذ البشرية من دونه!•

هذا التاريخ الصامد••• وهذ الإسلام الفاتح•• وهذه الحضارة المثلى التي صهرت الجوانب الوجدانية، والعقلية، والروحية، والفردية، والاجتماعية، في بوتقة واحدة، وحققت للإنسان إنسانيته، فكانت مشرق النور، روحًا وعقلًا لكل الدنيا لأكثر من عشرة قرون•

هذا التاريخ، وهذه الحضارة، هل يجوز أن نبيعهما رخيصين في عصور تصطنع الأمم فيها لنفسها تاريخًا، وتتوهم لنفسها حضارة!!•

وهل يجوز أن يبقيا مطعنًا لسهام أصحاب النحل الباطلة والنزعات الشاذة، والمحنَّطين في كهوف أحداث معينة، لا يريدون أن يتحولوا عنها ليمدوا الطرف، ويوسعوا الصدر، ويتعاملوا مع البشرية بالمقياس الملائم للطاقة البشرية•

بم سنمضي في مجالات صراع الأمم، وحوار الحضارات؟

إن أسلافنا هم أجدادنا، ولا نستطيع أن ننسلخ عنهم إلا إذا كنا قد قررنا أن نفقد هويتنا••• فالاسم وحده لا يدل على صاحبه، ولا يعتمد في سجلات التاريخ!!•

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت