فهرس الكتاب

الصفحة 556 من 1942

من هاتين الآيتين نستخرج مجموعة من القواعد الأساسية التي تحكم علاقة المسلمين بغيرهم سواء أكانوا أهل كتاب أو مشركين أو غير مؤمنين بأي دين من الأديان:

1-إن المسلمين ملتزمون بحسن العلاقة مع غيرهم من بنى البشر , ذلك أن الأصل في الإسلام هو السلام والمحبة , ونشر البر والعدل بين الناس قاطبة على اختلاف أجناسهم وألوانهم ومعتقداتهم (2) .

2-إن عداوة المسلمين يجب أن تنصب حصرا على الذين يحاربونهم لتغيير دينهم , أو يعتدون على حرماتهم: النفس و الوطن.

3-إن المسلمين لا يحاربون ولا يعادون ولا يعلنون الجهاد ضد الآخرين بسبب عقيدتهم ولكن دفاعا عن النفس والعقيدة وهى ضرورة للمحافظة على الذات فإذا انتفى هذا المبرر فلا مجال للحديث عن قطع كل صلات بالمخالفين في الرأي فضلا عن قتالهم, فالنهى عن الصداقة والمحبة والتحالف منصب على الذين ما يزالون مستمرين في حربهم و عدوانهم.

نحن إذن أمام قاعدة أساسية واحدة تجمعها هذه الأبعاد الثلاثة ..

إن العلة في المقاطعة والقتال و العداوة, هي الفعل الدفاعي ردا على العدوان وحماية النفس والوطن والعقيدة, وليس لنشر الدين بالقوة أو لإبادة المخالفين في الرأي والعقيدة.

وهذا أمر بدهي لا يمكن أن يرفضه أحد بأي منطق وبأي معيار , فأنا باختصار أطالب المخالف لي بالحد الأدنى الذي لا يمكن الهبوط عنه وهو ( ألا يقتلني ) و ( ألا يخرجني من وطني ) هذا مطلب عادل لأنه غريزي , ولأنه مطلب لكل إنسان على الأرض , و التفريط في هذا الحد الأدنى معناه: العدم!!

ربما يرد أحد الغربيين فيقول هذا كلام حسن ولكننا لم نره في التاريخ, وما فائدة الكلام الحسن الذي لا يمكن أن يطبق. ونقول:

أولاًََ: إن التاريخ يثبت أن هذه المقولات لم تكن غائبة.

ثانيا: حتى وإن اختلفنا في تقييم التاريخ فإننا نقترح على الغرب هذا الميثاق من جديد خاصة وأنهم عندما يتحدثون عن خطر الإسلام كقوة غازية لا يجدون إلا معارك بواتييه (741م) و فيينا (عام 1684م) . ونحن الذين نتعرض لحملات عسكرية متواصلة بل ومذابح في القرون الأخيرة خاصة خلال القرنين الأخيرين 19 و 20 .

نظرة على التاريخ:

في إطار هذه الورقة المكثفة يصعب تقديم عرض أو تحليل شامل لتاريخ العلاقات بين الإسلام و الغرب.. وهنا نكتفي بعدة محطات:

المحطة الأولى

* الدعوة الإسلامية في موطنها الأصلي لا يمكن أن تقارن معاركها التي فرضت عليها بأي معارك في التاريخ السابق أو اللاحق لها من حيث محدودية العنف, فالمعارك فرضت أولا على المسلمين بقتلهم وتعذيبهم وإخراجهم من ديارهم على مدار 13 عاما , وعندما تأسست دولة المدينة خاضت دفاعا عن النفس والعقيدة خمسين مواجهة عسكرية لم يتجاوز عدد ضحاياها بأجمعها تسعمائة رجل في المعسكرين سقطوا في ساحة القتال خلال 10 سنوات (3) , قارن هذا العدد بالحرب الدينية الأوروبية التي عرفت بحرب الثلاثين سنة (1618-1648) والتي كانت حربا كاثوليكية بروتستانتية و أدت إلى مقتل 30% من السكان في وسط أوروبا (4) .

* أما موقف الدين الإسلامي في بداية عهده من اليهود .. فقد كانت وثيقة المدينة التي أعطتهم حق المواطنة الكاملة مع المسلمين, ولكنهم هم الذين رفضوا هذه المواطنة و تعاونوا مع الأعداء ضد مدينتهم فكان الصدام.

* أما بالنسبة للإمبراطورية الرومانية فهي التي بادرت بالعداء للدين الجديد من خلال قبائل الغساسنة الحليفة, حتى أن مبعوث الرسول إلى هرقل قد تم قتله. وقد كانت هذه المواقف وراء غزوات مؤتة وتبوك وبعثة أسامة بن زيد.

* أما بالنسبة للدولة الفارسية فقد كان الفرس يضطهدون الفرق المخالفة لعبادتهم (النار) من يهود ونصارى وصابئة وبوذيين وماتويين, وكان للفرس قبائل عربية تابعة لهم في الحيرة وكانوا يحتلون البحرين واليمن , وعندما تلقى كسرى كتابا من محمد عليه الصلاة و السلام مزقه وأرسل إلى عامله على اليمن يأمره بأن يرسل رجلين قويين من عنده ليأتياه بمحمد (أو رأسه في رواية أخرى) . ثم بدأ عرب الحيرة التابعون للفرس الاعتداء على المسلمين المجاورين لهم. فأرسل أبو بكر خالد بن الوليد ليكف أذاهم , ويؤمن جيرانهم المسلمين وعندما انتصر عليهم حنق ملك الفرس وثار لأتباعه فكانت الحرب بينه وبين المسلمين في عهد عمر (5) .

المحطة الثانية:

عندما شنت أوروبا الحروب الصليبية التي دامت قرنين كاملين, وكانت اعتداء ماديا من جيوش أوروبية على أراضى مسلمين مشارقة ـ 8 حملات وحشيةـ ونكتفي بما حدث في القدس كرمز لهذه المرحلة.

دخل الصليبيون القدس بمجزرة ذبح فيها سبعون ألفا من المسلمين. غرقت الدروب كما يحكى المؤرخون في الدماء, وخاضت الخيول حتى الركب في السائل الأحمر .

لكن بعد مائتي عام , طرد صلاح الدين الأيوبي الفرنجة من القدس , ليكون المؤرخون الأوربيون أول المنبهرين بسماحة وحلم وسلم القائد الكبير المنتصر مع أعدائه المنهزمين (6) .

وقد سجل المؤرخون أن الصليبيين عندما دخلوا القدس أحرقوا يهود القدس أحياء في كنيسهم, في حين تم الإبقاء على معظم الأماكن المقدسة المسيحية واليهودية بدون أن يمسها سوء خلال الحكم العربي الإسلامي كله (7) .

المحطة الثالثة:

الحروب التي دارت على الأرض الأوروبية سواء في الأندلس أو في شرق أوروبا في العهد العثماني. يعترف كثير من المؤرخين الغربيين ( مثل المؤرخ البيزنطي خالكو كونديلاس khalkokondylas والمؤرخ الانجليزي جيبون Gibbons ) وغيرهم كثير بأن النظام العثماني كان يتعامل مع الدول و الأشخاص غير المعادين بالحسنى واللين والكرم مهما كانت أديانهم وأنه عامل الأرثوذكس معاملة أفضل بأضعاف من معاملة الكاثوليك للأرثوذكس (8) .

وكان فتح القسطنطينية هدفا رئيسيا للسياسة الإسلامية منذ القرن الهجري الأول لأنه من القسطنطينية كانت تصدر قرارات الحرب لغزو ديار الإسلام و الإغارة على الثغور.

ويعترف نورمان بينز بأن"عداوة بيزنطة للإسلام بقيت ما بقيت الإمبراطورية"

ويتحدث"فازلييف"في بحثه"بيزنطة و الإسلام"عن تفضيل الأرثوذكس الأتراك العثمانيين على ( الكاثوليك ) أشقائهم في الدين فيقول ] ولا زال الناس يرددون تلك المقالة المأثورة التي صدرت عن رئيس ديني بيزنطي يدعى"لوكاس فاتوراس"في ذلك الحين وهى:"انه لخير لنا أن نرى العمامة التركية في مدينتنا من أن نرى تاج البابوية"[ .

ومن المهم في هذا الصدد أن نشير إلى شهادة"نهرو"زعيم الهند الهندوسي:"ومهما يكن من أمر فالواقع أن سلاطين الأتراك العثمانيين كانوا متسامحين جدا مع الكنيسة الإغريقية الأرثوذكسية" (9) .

ولعل هذه الشهادات تغنينا عن سرد تفاصيل رهيبة من خلال عملية مقارنة تاريخية بين سياسة الدولة الإسلامية العثمانية , وسياسة الإمارات الأوروبية التي كانت تستخدم أساليب الاستئصال و الإفناء الكلى بالمعنى الحرفي, أي قتل جميع المسلمين في المناطق التي يسيطرون عليها , حدث هذا بنسبة 100% في الأندلس , وبنسبة 100% في مناطق كثيرة بشرق أوروبا, رغم أن الأغلبية الساحقة من مسلمي شرق أوروبا هم من أصل أوروبي (وليسوا أتراكا) ودخلوا الإسلام طواعية , لأنهم لو كانوا دخلوا مكرهين , لتحولوا سريعا إلى المذاهب المسيحية بمجرد انكسار الجيش العثماني في بلادهم. وحدث الاستئصال بنسب أقل من 100% في مناطق أخرى. وحقائق التاريخ مفزعة , فالمسلمون كانوا أكثر من 50% من سكان بلغاريا في القرن التاسع عشر أما في إحصاء 1982 فقد أصبحوا يمثلون 17% من السكان !

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت