فهرس الكتاب

الصفحة 56 من 1942

وأول هذه المميزات الحضارية وركيزتها عقيدة التوحيد الخالصة، عقيدةٌ تحث على العلم، وتحترم العقل، وترعى الخُلق، وتسعى إلى تحقيق المصالح ودرء المفاسد، ورعاية حقوق الإنسان في حفظ دينه ونفسه وعقله وماله وعرضه، وتربي الضمير، وتعلي الروح الإيجابية البناءة، وتحض على التوسط والاعتدال والرفق واليسر والتوازن والعدل والرحمة، ومهما قال المتحذلقون عنها فقد قال الحق تبارك وتعالى: (قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِى يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذّبُونَكَ وَلَاكِنَّ الظَّالِمِينَ بِئَايَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ) [الأنعام: 33] .

وإن أحدًا من المنصفين لا ينكر أنه لم يشهد العالم حضارة أكثر منها رحمة بالخلق، وسموًا في الخلُق، وعدالة في الحكم على مر الدهور وكر العصور، ويوم أن سقطت الحضارات الموهومة في مستنقعات المادية، وعانت من الأزمات الأخلاقية حتى غرقت في أوحال التمزّق والضياع، فإن أمتنا الإسلامية هي الجديرة بإمساك زمام القيادة، وامتطاء صهوة السيادة والريادة على العالم، وحينها فلن تتخذ من التقدم الحضاري أداةً لاستغلال الشعوب، واستنزاف خيراتها، وإهدار كرامتها، ولن تتخذ من الاكتشافات والاختراعات طريقًا إلى الإلحاد ودعم الإرهاب، ولن تتخذ من الآلات العسكرية والتقانات الحربية ذريعة إلى تهديد أمن الدول والشعوب، والعمليات الهمجية والوحشية والبربرية، ولن تُسخِّر وسائل الإعلام وسائل لتضليل الرأي العام والشارع العالمي والمحيط الدولي، وتلك أعباء حمل الرسالة الإسلامية لإنقاذ البشرية وإسعاد الإنسانية التي تتيه اليوم في أنفاق مظلمة من الظلم والشقاء.

إخوة الإيمان:

ولقد تركت حضارتنا الإسلامية آثارًا خالدة في مختلف النواحي العلمية والخلقية وغيرها، وحققت دورًا عظيمًا في تأريخ تقدم الإنسانية، وخلّفت آثارًا بعيدة المدى قوية التأثير فيما وصلت إليه الحضارات الحديثة، وليس هذا من المبالغة في شيء، ولا ضربًا من التفاخر الكاذب والادعاء المذموم، بل ِسجِلّ التأريخ ناصح بأحرف من ذهب ومداد من نور، وإليك أيها المنصف بعض الشواهد الواقعية والنماذج الحية من تأريخ حضارتنا المشرق الوضاء، الذي ينضح عدلًا ورحمة وإنصافًا حتى مع المخالف، واسمع وقارن، فما أشبه الليلة بالبارحة.

ففي نزعة حضارتنا الإنسانية يُعلن الإسلام المبدأ الإنساني الخالد: (ياأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مّن ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُواْ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عَندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ) [الحجرات: 13] لينقل الإنسانية من أجواء الحقد والكراهية، والتفرقة والعصبية، والتمييز العنصري إلى المساواة والتعاون الذي لا أثر فيه لاستعلاءٍ عرقي أو عنصري، ويتجلى ذلك في مبادئ حضارتنا وتشريعاتها وواقعها.

وقد زخرت كتب السير والتأريخ بوقائع كثيرة، هذا أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه، يرى مرة في السوق شيخًا كبيرًا يسأل الصدقة، وكان يهوديًا من سكان المدينة، فيسأله (عن حاله، وإذا بعمر المسلم الإنساني الملهم يقول له:(ما أنصفناك إذ أخذنا منك الجزية في شبيبتك، ثم ضيعناك شيخًا) ، وأخذ بيده إلى بيته، فقدم له من طعامه، ثم أرسل إلى خازن بيت المال أن افرض له ولأمثاله ما يغنيه ويغني عياله.

الله أكبر، هذا ـ لعمرو الحق ـ من شواهد الروعة الحضارية في تأريخ أمتنا المجيد.

معاشر الأحبة:

وفي مجال النظرة إلى المخالف أعلنت حضارتنا الإسلامية مبدأ الإنصاف، وحسن التعامل، والدعوة إلى الله بالحسنى، مؤكدة الإيمان بجميع الرسل عليهم الصلاة والسلام، (لاَ نُفَرّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مّنْهُمْ) [البقرة:136] ، مع الحرص على مبدأ الحوار والإقناع، (أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ) [يونس: 99] ، (وَلاَ تُجَادِلُواْ أَهْلَ الْكِتَابِ إِلاَّ بِالَّتِى هِىَ أَحْسَنُ) [العنكبوت: 46] ، مع التأكيد على الأخذ بقاعدة سد الذرائع في عدم سبّ آلهتهم، حتى يكون لهم ما لنا، وعليهم ما علينا، والحرص على المصاحبة بالمعروف، وحسن الجوار، وكريم المعاملة، فقد كان لرسول الإسلام عليه الصلاة والسلام جيران من أهل الكتاب، فكان يزورهم ويتعاهدهم ببره، ويقبل هداياهم، وما كتاب أمير المؤمنين عمر لأهل إيليا، وإعطاؤهم الأمان على أنفسهم وأموالهم وأماكن عباداتهم، وإجابتهم لاشتراطهم أن لا يساكنهم فيها يهودي إلا أنموذج رائعٌ يحمل مغزى عميقًا في آثار حضارتنا الإسلامية، مما دعا كثيرًا من منصفيهم إلى الاعتراف بأن الأمم لم تعرف فاتحين راحمين متسامحين مثل العرب، ولا دينًا سمحًا مثل دينهم، والفضل ما شهدت به الأعداء.

أمة الإسلام:

وثمة جانب مشرق في حضارتنا الإسلامية ألا وهو جانب أخلاقنا الحربية، فقد أشرقت شمس حضارتنا والعالم كلُّه تحكمه شريعة الغاب، حتى تردّى إلى عالم الوحوش الكاسرة، فوضعت حضارتنا الضوابط الحربية محرِّمة الحرب للنهب والسلب، وإذلال كرامة الشعوب، وسحق المجتمعات، وجعلت لها غايات نبيلة، منها الدفاع عن عقيدة الأمة وأمن المجتمع وردّ عدوان المعتدين، (وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ) [البقرة: 190] ، فالحرب لا تنسينا مبادئنا، ولذلك جاءت الوصايا الكريمة حينما يشتد الوطيس: (لا تمثلوا، ولا تغدروا، ولا تغلوا، ولا تقتلوا شيخًا ولا وليدًا ولا امرأة، ولا تعقروا نخلًا ولا تحرقوه، ولا تقطعوا شجرة مثمرة، ولا تذبحوا شاة ولا بقرة ولا بعيرًا إلا لمأكله، وسوف تمرون بأقوام قد فرغوا أنفسهم في الصوامع فدعوهم وما فرغوا أنفسهم له) ، جاء هذا في وصية أبي بكر الصديق حينما أنفذ جيش أسامة رضي الله عنهما.

وأبلغ من هذا رسول الإسلام ، يخرج من معركة أحد جريحًا قد كُسرت رباعيته، وشُج وجهه، فيقول له بعض الصحابة رضي الله عنهم: لو دعوت عليهم يا رسول الله، فقال: (( إني لم أُبعث لعانًا، ولكني بُعثت رحمة للعالمين، اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون ) )، وهكذا قال يوم الفتح: (( اذهبوا فأنتم الطلقاء ) )، ورأى في بعض غزواته امرأة مقتولة فغضب وقال: (( ألم أنهكم عن قتل النساء؟! ما كانت هذه لتقاتل ) ).

ويمضي تأريخنا المجيد مسجلًا هذه الروائع، ففي حروب التتار وقع بأيديهم كثيرٌ من أسرى المسلمين وأهل الذمة، فتدخل شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في فك الأسرى، فأجابه الوالي إلى فكّ أسرى المسلمين فقط، فأبى شيخ الإسلام ذلك، وقال:"لا بد من افتكاك الجميع، من أهل ديننا وأهل ذمتنا، ولا ندع أسيرًا لا من أهل الملة ولا من أهل الذمة"، وهكذا تعامل حضارتنا الأسرى من المسلمين وغيرهم.

ولما فتح صلاح الدين رحمه الله بيت المقدس كان فيها ما يزيد على مائة ألف من غير المسلمين فبذل لهم الأمان على أنفسهم وأموالهم، وسمح لهم بالخروج منها لقاء شيء يسير يدفعه المقتدرون منهم، ومن لا يقدر من الفقراء ففداؤه عليه رحمه الله.

هذه حضارتنا في روائعها، فما هي حضارتهم في شنائعها وفظائعها؟ وما يوم حليمةَ بسرّ.

حكمنا فكان العدل فينا سجيةً فلما حكمتم سال بالدم أبطَحُ

وما عجبٌ هذا التفاوت بيننا فكل إناء بالذي فيه ينضح

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت